بين إحياء التراث وإعادة تشكيله

هناك سؤال يتكرر كلما أثيرت علاقة المستشرقين بالتراث العربي والإسلامي: هل كان المستشرقون هم الذين أنقذوا هذا التراث من الضياع، أم أنهم لم يفعلوا أكثر من نقل ما أنتجته الحضارة الإسلامية إلى خزائن أوروبا؟ .. المشكلة أن السؤال نفسه يفترض وجود خيارين فقط، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا.
فالحضارة الإسلامية لم تكن عاجزة عن إنتاج المعرفة ولا عن حفظها ولا عن نقدها. بل إنها أنشأت تقاليد واسعة في الرواية والتوثيق وفهرسة الكتب والجرح والتعديل ومقارنة الروايات ونقد الأخبار، وأنتجت مكتبات وفهارس وطبقات وتراجم وشروحًا واختصارات وتعليقات لا تكاد توجد لها سابقة مماثلة في كثير من الحضارات المعاصرة لها. لكن هذا لا يعني أن دخول المستشرقين إلى هذه المكتبة لم يضف شيئًا. لقد أضافوا بالفعل، ولكن ليس بالضرورة بالطريقة التي يقال بها عادة.
لم يخلقوا المكتبة
أول خطأ في النقاش هو التعامل مع المستشرقين وكأنهم اكتشفوا التراث العربي من العدم. لم يفعلوا ذلك. عندما وصل الباحث الأوروبي إلى مخطوطات ابن خلدون أو الطبري أو الجاحظ أو الفارابي أو غيرهم، لم يكن أمام نصوص مجهولة تمامًا في الحضارة التي أنتجتها. كانت هذه الكتب جزءًا من تاريخ علمي وأدبي طويل، تناقلها العلماء والناسخون والطلاب، وناقشوها وشرحوها واختصروها واعترضوا عليها.
إذن لم يكن المستشرق هو من صنع المادة. المادة كانت موجودة. لكن الجديد هو أن هذه المادة انتقلت إلى بيئة علمية أخرى، لها أدواتها ومؤسساتها وأسئلتها المختلفة. وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
من الكتاب الموجود إلى الكتاب المفهرس
ربما كانت أهم مساهمات الاستشراق في التراث العربي هي الفهرسة والتنظيم. المشكلة في مكتبة ضخمة ليست فقط في وجود الكتب، وإنما في معرفة ما الموجود أصلًا. مئات الآلاف من المخطوطات الموزعة بين المكتبات، واختلاف أسماء الكتب والمؤلفين، وتعدد النسخ، واختلاف العناوين، ونسبة بعض الكتب إلى غير أصحابها، ووجود مخطوطات ناقصة أو مجهولة التاريخ؛ كل ذلك يجعل المكتبة التراثية أشبه بمدينة ضخمة بلا خريطة.
هنا لعب المستشرقون دورًا مهمًا. أنشأوا فهارس، ووصفوا المخطوطات، وسجلوا أسماء المؤلفين والنسخ، وربطوا بين الكتب والمكتبات والمجموعات، ونقلوا أجزاء من هذه المعرفة إلى المجال الأكاديمي الأوروبي. لم يكونوا قد صنعوا الكتب، لكنهم ساهموا في صناعة خريطة للمكتبة. وهذا فرق مهم. فالتراث قد يكون موجودًا، لكن وجوده لا يعني سهولة الوصول إليه.
التحقيق ليس اختراعًا أوروبيًا
وهنا تظهر قضية أخرى تحتاج إلى قدر من الإنصاف في الاتجاهين. يقال أحيانًا إن المستشرقين اخترعوا تحقيق التراث العربي. وهذا غير دقيق. المسلمون مارسوا منذ وقت مبكر أشكالًا متقدمة من التثبت من الروايات ومقارنة الأسانيد والنسخ ونقد الأخبار ونسبة الكتب إلى أصحابها. وكان علماء الحديث خصوصًا شديدي الحساسية تجاه اختلاف الروايات والنقل.
لكن المستشرقين أدخلوا هذه العملية في سياق أكاديمي حديث، واستفادوا من أدوات علم النص والمقارنة التاريخية والفيلولوجية، وجمعوا نسخًا متعددة، وقارنوا بينها، ووضعوا أجهزة نقدية وحواشي وإشارات إلى الاختلافات. إذن لم يكن الأمر اختراعًا من الصفر. الأدق أنه كان إعادة بناء لممارسات قديمة ضمن منهج أكاديمي جديد. وهذا في حد ذاته إضافة حقيقية.
لكن الإضافة لم تكن بريئة دائمًا
هنا تبدأ المنطقة التي لا ينبغي تجاوزها باسم تمجيد الاستشراق أو رفضه. فالمستشرق لم يكن يدخل النص دائمًا بعين قارئ محايد. كان يأتي من ثقافة دينية وسياسية وفكرية مختلفة، وفي بعض المراحل كان الاستشراق مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالمشروع الاستعماري الأوروبي. وبالتالي فإن السؤال لم يعد: ماذا يقول النص؟ .. بل أصبح أحيانًا:
- لماذا ظهر هذا النص؟ .. ومن أنتجه؟
- وما الظروف الاجتماعية والسياسية التي أنتجته؟
- وهل الرواية التي يقدمها المؤلف صحيحة؟
- وهل النص الذي بين أيدينا يعود فعلًا إلى الفترة التي ينسب إليها؟
هذه الأسئلة يمكن أن تكون أدوات علمية ممتازة. لكنها يمكن أيضًا أن تتحول إلى وسيلة لإعادة تفسير الحضارة وفق افتراضات الباحث نفسه. وهنا يجب التفريق بين النقد العلمي للنص وفرض تصور مسبق على النص. الأول يضيف إلى المعرفة. والثاني قد يعيد تشكيلها.
الاستشراق لم يقرأ التراث فقط، بل أعاد ترتيبه
وهذه ربما أهم نقطة في القضية كلها. عندما تصنف حضارة ما تراثها، فإنها لا تقوم بعملية تقنية محايدة تمامًا. اختيار ما يستحق الدراسة، وما يوضع في المقدمة، وما يعتبر أصلًا وما يعتبر هامشًا، وما يدرّس وما يهمل؛ كل ذلك يصنع صورة معينة عن الحضارة. المستشرقون ساهموا في هذا الأمر. فقد أعادوا ترتيب أجزاء من التراث العربي والإسلامي وفق تصنيفات أكاديمية أوروبية: فلسفة، تاريخ، أدب، علوم، أديان، فرق، لغات، مخطوطات، وغيرها. وبعض هذه التصنيفات مفيد للغاية.
لكنها ليست بالضرورة الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يرى بها التراث نفسه. فقد يكون الكتاب الواحد في الثقافة الإسلامية جزءًا من شبكة معرفية أوسع لا تتوافق تمامًا مع الحدود الأكاديمية الحديثة. وبذلك لم يكن المستشرق يكتشف التراث فقط. كان، بدرجة ما، يعيد رسم حدوده.
وماذا عن الأشياء التي لم يكتشفها العرب؟
هنا تظهر حجة تبدو قوية للوهلة الأولى: إذا كان التراث موجودًا عند العرب، فلماذا احتاج إلى المستشرقين حتى يُكتشف؟ .. الجواب ليس أن الحضارة الإسلامية كانت عاجزة. بل إن الحضارات تتغير. هناك فترات تكون فيها عملية إنتاج المعرفة في ذروتها، ثم تأتي مراحل يتحول فيها الاهتمام من الإنتاج إلى الحفظ، ومن البحث إلى الشرح، ومن اكتشاف الجديد إلى المحافظة على القديم. وهذا حدث في الحضارة الإسلامية بدرجات مختلفة وفي فترات متعددة.
بينما كانت أوروبا الحديثة تدخل مرحلة أخرى: الجامعات الحديثة، المطابع، المؤسسات العلمية، المكتبات الوطنية، الأرشفة، الدراسات المقارنة، والتخصص الأكاديمي. لذلك وجد المستشرق أمامه تراثًا ضخمًا لم تستثمره المؤسسات العربية الحديثة بالسرعة نفسها. المفارقة ليست أن الأوروبي كان أذكى من العربي. المفارقة أن المؤسسة العلمية التي امتلكها الأوروبي في تلك المرحلة كانت أكثر قدرة على تحويل المادة التراثية إلى مشروع بحث منظم. وهذه قضية مؤسسات قبل أن تكون قضية عقول.
هل أخذ المستشرقون التراث؟
نعم، أخذ بعضهم مخطوطات، وانتقلت مخطوطات عربية كثيرة إلى مكتبات أوروبا. لكن اختزال الاستشراق كله في هذه العملية لا يفسر الصورة. فالمخطوط الذي ينتقل من مكتبة عربية إلى مكتبة أوروبية قد يصبح أكثر تعرضًا للبحث والفهرسة والنشر، لكنه في الوقت نفسه يخرج من بيئته الأصلية. وهنا يوجد تناقض حقيقي.
لقد ساهم انتقال المخطوطات في حفظ بعضها ودراستها، لكنه ساهم أيضًا في إبعاد جزء من الذاكرة المادية للحضارة عن المكان الذي أنتجها. لذلك لا يمكن وصف العملية كلها بأنها إنقاذ، ولا كلها بأنها سرقة. في بعض الحالات كانت هناك تجارة واقتناء مشروعان وفق معايير ذلك الزمن، وفي حالات أخرى كانت هناك عمليات شراء أو نقل مرتبطة باختلال القوة بين أوروبا والمجتمعات التي كانت تحت ضغط سياسي واستعماري. والحكم على كل الحالات بحكم واحد ظلم للتاريخ.
المستشرقون لم يضيفوا إلى التراث بقدر ما أضافوا إلى قراءته
وهنا نصل إلى الإجابة الأقرب إلى الدقة. المستشرقون لم يصنعوا الحضارة الإسلامية. ولم ينقذوا وحدهم تراثًا كان أصحابه عاجزين عن حفظه. ولم يكن عملهم مجرد سرقة. لقد فعلوا شيئًا أكثر تعقيدًا: أضافوا طبقة جديدة فوق التراث.
هذه الطبقة تتكون من الفهارس، والتحقيقات، والدراسات المقارنة، والترجمات، والتصنيفات، والتأريخ، والنقد النصي، والمقاربات اللغوية والاجتماعية والسياسية. وهذه الطبقة أصبحت بدورها جزءًا من تاريخ دراسة التراث. لكنها ليست التراث نفسه. وهذا التفريق ضروري.
- فالكتاب الذي كتبه عالم مسلم في القرن الرابع الهجري شيء.
- والدراسة التي كتبها مستشرق عنه في القرن التاسع عشر شيء آخر.
- والتحقيق الحديث للكتاب شيء ثالث.
- والقراءة العربية المعاصرة له شيء رابع.
كل هذه طبقات فوق بعضها، ولا ينبغي أن تختلط.
المفارقة الكبرى
المفارقة أن الحضارة الإسلامية أنتجت كمية هائلة من المعرفة، لكنها لم تنجح دائمًا في تحويل هذا التراث المتراكم إلى مشروع حديث شامل لإعادة اكتشاف نفسها. وفي اللحظة التي بدأت فيها أوروبا تكتشف الشرق، كانت بعض المجتمعات الإسلامية تمر بمرحلة ضعف سياسي وعلمي ومؤسسي. فجاء الآخر وبدأ يقرأ المكتبة.
ثم حدثت المفارقة الأكثر غرابة: بدأ بعض العرب والمسلمين في العصر الحديث يتعرفون إلى جزء من تراثهم من خلال الكتب التي كتبها المستشرقون عنه. وهنا لا يعود السؤال: من اكتشف التراث؟ .. بل: من امتلك القدرة على تنظيمه وإعادة تقديمه؟.. وهذا سؤال أكثر إزعاجًا. لأن المشكلة ليست في أن الأوروبي قرأ تراثنا. المشكلة أن بعضنا توقف عن قراءته بالطريقة التي تجعل التراث مادة حية، بينما تحول عند الآخر إلى موضوع أكاديمي.
لا نحتاج إلى تقديس المستشرق ولا إلى شيطنته
التعامل الناضج مع الاستشراق لا يبدأ بعبارة «المستشرقون خدموا التراث»، ولا بعبارة «المستشرقون سرقوا التراث». كلتاهما تختصران قضية واسعة جدًا. المستشرق قد يكون في عمله باحثًا دقيقًا، وقد يكون في عمل آخر أسيرًا لتحيز ثقافي، وقد يقدم تحقيقًا ممتازًا لنص ثم يبني عليه تفسيرًا يمكن الاعتراض عليه. كما أن الباحث العربي ليس محصنًا من الخطأ لمجرد أنه عربي. المعيار الحقيقي يجب أن يكون: الدليل، والمنهج، والمصادر، وطريقة الاستدلال.
- إذا كان تحقيق المستشرق أفضل من تحقيق الباحث العربي، فنأخذ الأفضل.
- وإذا كان تفسيره ضعيفًا، نرفضه.
- وإذا اكتشف مخطوطًا أو جمع نسخًا لم تكن متاحة، فهذه إضافة علمية.
- وإذا أسقط على النص افتراضات أيديولوجية، فيجب تفكيكها.
لا توجد ضرورة لأن نقبل الحزمة كلها أو نرفضها كلها.
ما الذي عجزنا عنه إذن؟
ربما يكون السؤال الأكثر فائدة ليس: ماذا فعل المستشرقون؟.. بل: ماذا كان ينبغي أن نفعله نحن ولم نفعله بالقدر الكافي؟
- كان ينبغي أن تكون لدينا مؤسسات ضخمة لجمع المخطوطات وفهرستها وتصويرها وتحقيقها.
- وكان ينبغي أن تكون لدينا مشاريع واسعة لنشر التراث بأساليب حديثة.
- وكان ينبغي أن نمتلك مدارس نقدية متعددة، لا مدرسة واحدة.
- وكان ينبغي أن نقرأ المستشرقين كما قرأوا هم تراثنا: قراءة نقدية، لا انبهارًا ولا رفضًا مسبقًا.
فالمشكلة الحقيقية ليست أن الآخر درس تراثنا. المشكلة تبدأ عندما يصبح الآخر هو الوسيط الضروري بيننا وبين تراثنا. وهنا يتحول التراث من ملكية ثقافية إلى معرفة نحتاج إلى استعارتها من الخارج كي نكتشفها.
الخلاصة
- لم يصنع المستشرقون المكتبة العربية.
- ولم يصنعوا علومها وفلسفتها وأدبها وتاريخها.
- ولم يكونوا أول من مارس النقد أو التوثيق أو مقارنة الروايات.
لكنهم فعلوا شيئًا بالغ الأهمية: أعادوا تنظيم أجزاء واسعة من هذه المكتبة، وأدخلوها في منظومة البحث الأكاديمي الحديث، وأضافوا أدوات نقدية وترجمات وفهارس ودراسات جعلت كثيرًا من موادها أكثر قابلية للوصول والدراسة عالميًا. وفي الوقت نفسه، حمل هذا العمل تصورات عصره وانحيازاته، وأحيانًا ارتباطاته السياسية والاستعمارية، ولذلك لا يمكن التعامل معه بوصفه مرآة محايدة للتراث. إن أعظم ما قدمه الاستشراق ربما لم يكن «إنقاذ التراث»، بل تحويل التراث إلى موضوع دراسة عالمية منظمة.
وأكبر فشل عربي حديث لم يكن أن المستشرقين درسوا تراثنا، بل أننا لم نبادر دائمًا إلى بناء المشروع الموازي الذي يجعلنا نحن أصحاب المبادرة في اكتشافه وتصنيفه ونقده وإعادة تقديمه. لذلك فالمعادلة الصحيحة ليست: المستشرقون أنقذوا التراث، أم العرب حفظوه؟ .. بل: التراث أنتجته الحضارة الإسلامية، وحفظته أجيالها، ثم أعاد المستشرقون اكتشاف أجزاء منه وتنظيمها وتفسيرها بأدواتهم، وما زالت المهمة مفتوحة أمام الباحث العربي ليعيد قراءة هذا كله بأدواته هو. فالمكتبة لم تكن ناقصة. الذي كان ناقصًا، في بعض المراحل، هو المشروع الذي يفتحها من جديد.