لم يكن كل مستشرق موظفًا لدى الاستعمار، لكن الاستعمار لم يكن ليستغني عن معرفة المجتمعات التي يحكمها

من السهل أن نبدأ هذا الموضوع بحكم جاهز: الاستشراق كان ذراعًا للاستعمار. ومن السهل أيضًا أن نرفض هذه الفكرة ونقول: كان الاستشراق حركة علمية بحتة، ولا علاقة له بالسياسة. لكن التاريخ لا يقدم لنا هذه الراحة.
فالاستشراق لم يكن مؤسسة واحدة، ولا مدرسة واحدة، ولا مشروعًا له هدف واحد. كان عالمًا واسعًا شارك فيه علماء لغة وتاريخ وأديان ومخطوطات وفلاسفة ورحالة ودبلوماسيون وموظفون استعماريون، وكان بينهم من جاء بدافع علمي، ومن جاء بدافع ديني، ومن جاء بدافع سياسي، ومن جمع أكثر من دافع في الوقت نفسه.
لكن وسط هذا التنوع توجد حقيقة يصعب تجاهلها: الاستعمار الأوروبي استفاد من المعرفة التي أنتجها الاستشراق، كما أن الاستشراق استفاد بدوره من الإمبراطوريات الأوروبية. وهنا تبدأ العلاقة الحقيقية.
قبل أن يحكمك الآخر، يحتاج إلى أن يعرفك
الاستعمار ليس مجرد جيش يصل إلى بلد ويحتل عاصمته. الاحتلال العسكري يستطيع السيطرة على الأرض، لكنه لا يستطيع وحده إدارة مجتمع كامل.
- كيف يفهم المستعمر لغة السكان؟
- كيف يعرف القبائل والطوائف والجماعات والطبقات؟
- كيف يفهم تاريخ المنطقة؟
- ما طبيعة مؤسساتها الدينية؟
- من هم العلماء المؤثرون؟
- ما العادات التي يمكن استخدامها في الإدارة؟
- وما القضايا التي يمكن أن تؤدي إلى التمرد؟
هذه ليست أسئلة عسكرية فقط. إنها أسئلة معرفة. ولهذا كانت دراسة الشرق بالنسبة إلى القوى الاستعمارية ذات قيمة عملية. فاللغة ليست مجرد لغة عندما تكون مسؤولًا عن إدارة ملايين الناس. والتاريخ ليس مجرد تاريخ عندما تريد أن تعرف كيف تشكلت الولاءات والعداوات. والدين ليس مجرد عقيدة عندما يكون جزءًا أساسيًا من بنية المجتمع. والقبيلة ليست مجرد وحدة اجتماعية عندما يكون عليك التعامل معها سياسيًا.
من هنا يمكن فهم لماذا أصبحت دراسة الشرق ذات قيمة استراتيجية متزايدة لدى القوى الأوروبية. من يريد أن يحكم مجتمعًا يحتاج أولًا إلى أن يفهمه.
المعرفة التي تخدم السلطة
لكن هل يعني ذلك أن كل معرفة أنتجها المستشرقون كانت استعمارية؟ بالطبع لا. وهنا يجب الحذر من التعميم. فالباحث الذي كان يجمع المخطوطات ويدرس اللغة العربية قد يكون مهتمًا فعلًا بالتاريخ والفلسفة واللغة، وليس لديه أي مشروع سياسي. لكن المعرفة التي ينتجها يمكن أن تستخدمها السلطة. وهذه نقطة أعمق من القول إن الباحث نفسه كان جزءًا من المؤامرة.
فالعلاقة بين المعرفة والسلطة ليست دائمًا علاقة أوامر مباشرة. قد ينتج الباحث معرفة لسبب علمي، ثم تستخدمها الدولة لأغراض سياسية. وقد تمول الدولة مؤسسة علمية لأنها ترى في المعرفة قيمة استراتيجية. وقد يعمل الباحث داخل مؤسسة استعمارية لكنه يحافظ على قدر من الاستقلال العلمي. وقد يحدث كل ذلك في الوقت نفسه. لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل كان كل مستشرق عميلًا للاستعمار؟ بل: كيف انتقلت المعرفة التي أنتجها الاستشراق إلى مؤسسات السلطة، وكيف استفادت السلطة منها؟ .. وهذا سؤال أكثر دقة بكثير.
المستشرق داخل الجهاز الاستعماري
في بعض الحالات تصبح العلاقة أكثر وضوحًا. فقد عمل بعض دارسي اللغات والثقافات الشرقية في المؤسسات الحكومية والعسكرية والإدارية، أو ارتبطوا بالمؤسسات التي كانت تقدم المعرفة للإدارة الاستعمارية. هنا يتحول المستشرق من مجرد باحث في مكتبة إلى شخص يمتلك معرفة يمكن أن تكون ذات قيمة مباشرة في إدارة المستعمَرة.
- اللغة تصبح أداة اتصال.
- المعرفة الدينية تصبح وسيلة لفهم المجتمع.
- معرفة التاريخ المحلي تساعد على فهم الخصومات.
- دراسة العادات تساعد الإدارة على تصميم سياساتها.
- والاطلاع على البنية الاجتماعية يمكن أن يساعد السلطة على التعامل مع الجماعات المختلفة بطريقة أكثر فاعلية.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات وضوحًا: المستعمر كان يأتي حاملًا فكرة أنه أكثر تقدمًا من المجتمع الذي يحتله، لكنه كان مضطرًا في الوقت نفسه إلى أن يدرس هذا المجتمع دراسة دقيقة كي يستطيع السيطرة عليه. فالجهل بالآخر عائق أمام السيطرة عليه.
من الاحتلال إلى «إدارة الاختلاف»
لا يحتاج المستعمر دائمًا إلى أن يخلق الانقسامات من الصفر. أحيانًا يكفي أن يعرف الانقسامات الموجودة أصلًا. وهنا تصبح الدراسات الاجتماعية والتاريخية والدينية ذات أهمية.
- من هم السنة والشيعة؟
- من هم القبائل المتنافسة؟
- أين توجد الولاءات المحلية؟
- من هم أصحاب النفوذ الديني؟
- من يختلف مع من؟
- ما طبيعة العلاقات بين المدن والأرياف؟
- ما المناطق التي يمكن أن تقاوم؟
- وما المناطق التي يمكن استيعابها؟
هذه المعرفة قد تتحول إلى أداة في سياسة «فرق تسد». لكن يجب ألا نقع في خطأ آخر هنا أيضًا. ليس معنى ذلك أن كل الانقسامات التي درسها المستشرقون اخترعها الاستعمار. كثير من الانقسامات كانت موجودة قبل وصوله بقرون. الاستعمار قد لا يكون هو الذي صنعها، لكنه قد يعيد تصنيفها وتوظيفها وإدارتها بما يخدم مصالحه. وهذا فرق جوهري.
عندما تصبح الحضارة موضوعًا بدل أن تكون ذاتًا
هناك جانب آخر أكثر عمقًا. عندما يدرس مجتمعٌ ما نفسه، فإنه يقرأ تاريخه من الداخل. أما عندما يدرسه الآخر، فقد يتحول إلى «موضوع». وهنا تتغير اللغة. لم تعد الحضارة الإسلامية تتحدث عن نفسها فقط. أصبحت هناك كتب أوروبية تتحدث عنها، وتصنيفات أوروبية لها، ونظريات أوروبية حول نشأتها وتطورها، وتعريفات أوروبية لمراحلها ومدارسها. وهذا لا يعني بالضرورة أن هذه الدراسات خاطئة. لكن امتلاك القدرة على تعريف الآخر يمنح صاحبه قدرًا من السلطة عليه.
- من يضع التصنيف؟
- من يحدد ما هو «أصيل» وما هو «منحرف»؟
- من يقرر أي فترة كانت عصرًا ذهبيًا وأيها عصر انحطاط؟
- من يحدد أي شخصية مركزية وأي شخصية هامشية؟
هذه ليست أسئلة بريئة دائمًا. فاللغة التي نصف بها الحضارة يمكن أن تؤثر في الطريقة التي نراها بها.
هل اخترع الاستشراق صورة «الشرق»؟
هنا نقترب من واحدة من أهم نتائج الاستشراق. لم يكن الشرق بالنسبة إلى أوروبا مجرد مساحة جغرافية. مع مرور الوقت أصبح أيضًا صورة ذهنية: شرق غريب، مختلف، روحاني، جامد، تقليدي، غير عقلاني، أو عاجز عن التطور بحسب المدرسة والكاتب والمرحلة. وبعض هذه الصور لم يكن قائمًا على دراسة علمية دقيقة، بل على مقارنات معيارها أوروبا نفسها. فإذا كانت أوروبا قد سلكت طريقًا معينًا نحو الحداثة، يصبح السؤال: لماذا لم يسلك الشرق الطريق نفسه؟
وهنا تقع مشكلة منهجية. لأن السؤال يفترض مسبقًا أن الطريق الأوروبي هو المعيار الطبيعي للتاريخ. وبذلك لا يعود تاريخ المجتمعات الأخرى تاريخًا مستقلًا، بل يصبح مجرد قصة عن سبب عدم تحولها إلى أوروبا. وهذه واحدة من أخطر الأفكار التي يمكن أن تنتجها المعرفة الاستشراقية عندما تتحول من دراسة الآخر إلى قياس الآخر بمعيار الذات.
لكن الاستشراق لم يكن كتلة واحدة
مع ذلك، من الظلم أن نضع جميع المستشرقين في هذا القالب. فبعضهم قدم دراسات دقيقة للغاية. وبعضهم دافع عن قيمة الأدب العربي والفلسفة الإسلامية والعلوم العربية في وقت كانت فيه النظرة الأوروبية إلى الشرق مشبعة بالاستعلاء. وبعضهم أنصف شخصيات أو مدارس فكرية إسلامية لم تكن تحظى بالتقدير الكافي في الغرب. بل إن بعضهم تجاوز الصورة التي جاء بها أصلًا. وهذا مهم جدًا.
- لأن الباحث الحقيقي قد يبدأ بأفكار عصره، ثم تغيره المادة التي يدرسها.
- قد يدخل إلى دراسة الإسلام وهو يحمل تصورًا معينًا، ثم يجد أن النصوص والتاريخ لا يتوافقان مع الصورة الجاهزة.
- وقد يبدأ بدراسة اللغة لأغراض عملية، ثم يتحول اهتمامه إلى التاريخ والفلسفة والأدب.
- وقد يصبح في النهاية ناقدًا لبعض الصور الاستعمارية نفسها.
إذن العلاقة بين المستشرق والاستعمار ليست خطًا مستقيمًا.
الاستعمار استفاد من الاستشراق، والاستشراق استفاد من الاستعمار
هذه ربما أفضل صيغة لفهم العلاقة. الاستعمار وفر للمؤسسات الأوروبية إمكانية الوصول إلى مناطق ومخطوطات ومصادر وأشخاص لم تكن متاحة بسهولة للباحث الأوروبي من قبل. والاستشراق وفر بدوره معرفة يمكن أن تساعد الإدارة الاستعمارية على فهم المجتمعات التي دخلتها. إنها علاقة منفعة متبادلة، لكنها ليست بالضرورة علاقة مؤامرة مركزية. وهذا التفريق مهم.
فليس مطلوبًا أن تكون هناك غرفة سرية يجتمع فيها المستشرقون والسياسيون كي يصبح للمعرفة أثر سياسي. يكفي أن تكون هناك بنية مؤسساتية تجعل المعرفة قابلة للاستخدام السياسي. وهذا يحدث في كل الحضارات وفي كل الأزمنة.
المفارقة: المستشرق الذي كشف نقاط القوة أيضًا
لكن هنا تظهر مفارقة ربما لا ينتبه إليها الخطاب المناهض للاستشراق. فالمستشرق الذي درس الشرق لكي يفهمه ويسيطر عليه:
- قد يكتشف أثناء دراسته أن الصورة التي جاء بها كانت خاطئة.
- قد يجد نظامًا فكريًا أكثر تعقيدًا مما تصور.
- وقد يكتشف أن الحضارة الإسلامية لم تكن مجرد حضارة نقلت علوم الآخرين.
- وقد يكتشف أن الفلسفة والطب والفلك والرياضيات واللغة والتاريخ في العالم الإسلامي كانت لها مؤسساتها ومدارسها ومساراتها الخاصة.
- وقد يجد في التراث نقدًا للعقل والخرافة والسلطة والتاريخ لا يتناسب مع الصورة النمطية التي يحملها.
وهنا يمكن أن تنقلب المعرفة على الصورة التي أنشأتها السلطة. فالكتاب الذي كان الغرض من دراسته فهم «الشرق» قد يصبح دليلًا على أن هذا الشرق أكثر تعقيدًا بكثير من الصورة الاستعمارية عنه.
المشكلة ليست في أن الآخر درسنا
لا ينبغي أن تكون النتيجة رفض الاستشراق. هذا سيكون رد فعل عاطفيًا أكثر منه نقديًا. فدراسة الآخر ليست جريمة. ولو كان الأمر كذلك، لكان من الخطأ أن يدرس العرب أوروبا أو الصين أو الهند أو إفريقيا. المشكلة تبدأ عندما يتحول الباحث من دراسة الآخر إلى احتكار حق تعريف الآخر. هنا يصبح الاستشراق إشكاليًا.
أما إذا كان البحث مفتوحًا للنقد والمراجعة والمقارنة، فإن دراسة الآخر يمكن أن تكون مصدر معرفة حقيقية. ولهذا لا ينبغي أن يكون موقفنا: نرفض ما كتبه المستشرقون لأنهم أوروبيون.. بل: نقرأ ما كتبوه كما نقرأ أي إنتاج معرفي آخر: نفهم سياقه، نختبر مصادره، نفحص منهجه، ونقبل ما يصمد أمام النقد.
من يملك المعرفة يملك جزءًا من السلطة
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأوسع. الاستعمار لم يكن مجرد احتلال للأرض. كان أيضًا محاولة لإعادة تعريف المكان وسكانه وتاريخه. ومن هنا تصبح المعرفة جزءًا من السلطة. لكن السلطة لا تنتصر دائمًا على المعرفة. أحيانًا تنتج السلطة معرفة تساعدها على السيطرة. وأحيانًا تنتج المعرفة ما يكشف حدود السلطة نفسها. وهذا هو السبب في أن الاستشراق لا يمكن اختزاله في كلمة واحدة. كان فيه الباحث، والموظف، والمبشر، والدبلوماسي، والمؤرخ، والمستعمر، والمترجم، والمحب للغة، والناقد، والمنصف، والمتعصب، وأحيانًا الشخص الذي بدأ مستشرقًا وانتهى ناقدًا للاستشراق نفسه.
الخلاصة
كان الاستشراق في بعض مراحله ومؤسساته متداخلًا بوضوح مع المشروع الاستعماري، واستفادت القوى الاستعمارية من المعرفة التي أنتجها لفهم المجتمعات التي أرادت السيطرة عليها. لكن القول إن كل مستشرق كان أداة استعمارية لا يصمد أمام التاريخ. والقول المقابل إن الاستشراق كان حركة علمية محايدة تمامًا لا يصمد أيضًا. الحقيقة في المنتصف، لكنها ليست «منتصفًا» بسيطًا.
لقد أنتج الاستشراق معرفة حقيقية، لكنه أنتجها داخل سياقات سياسية وفكرية محددة. استفاد من الاستعمار في الوصول إلى المصادر والمجتمعات، واستفاد الاستعمار من بعض هذه المعرفة في إدارة مستعمراته. وفي الوقت نفسه أنتجت هذه المعرفة نتائج لم تكن دائمًا في مصلحة الصورة الاستعمارية؛ فقد كشفت عمق الحضارة الإسلامية، وعرّفت أوروبا على تراث لم تكن تعرفه جيدًا، وأدت لدى بعض الباحثين إلى مراجعة مواقفهم، بل وإلى الانفتاح على الإسلام نفسه.
ولهذا فإن السؤال الأكثر نضجًا ليس: هل كان الاستشراق استعمارًا؟ .. بل: متى أصبح الاستشراق أداة للاستعمار، ومتى أصبح علمًا مستقلًا عنه، ومتى تحولت المعرفة التي أنتجها إلى شيء يتجاوز الأهداف التي نشأ بعضها من أجلها؟. فهنا تحديدًا تكمن المفارقة: قد يبدأ المشروع بدراسة الآخر من أجل السيطرة عليه، ثم تنتهي المعرفة التي أنتجها إلى كشف أن الآخر ليس كما أراد المستعمر أن يراه.