
قراءة في نهاية عهد عبدالحميد الثاني
من السهل أن تبدو نهاية السلطان عبدالحميد الثاني في الرواية التاريخية وكأنها مشهد قصير ومباشر: يأتي وفد إلى القصر، يقرأ قرار خلع السلطان، فينتهي الأمر. لكن هذا المشهد الهادئ يخفي وراءه مسارًا طويلًا من التآكل السياسي والعسكري والاقتصادي، ومن محاولات الإصلاح والصراع على طبيعة الدولة نفسها.
فعبدالحميد لم يرث دولة مستقرة ثم أضاعها. عندما وصل إلى العرش سنة 1876 كانت الدولة العثمانية تعاني أصلًا أزمة عميقة: خسائر عسكرية وإقليمية، ديون متراكمة، ضغط أوروبي، اضطرابات قومية، ضعف مالي وإداري، وجيش يحتاج إلى تحديث. بل إن عبدالحميد نفسه وصل إلى العرش في سياق مضطرب شهد خلع السلطان عبدالعزيز ثم عزل مراد الخامس خلال فترة قصيرة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا سقط عبدالحميد؟ بل: كيف حاول رجل شديد الحذر أن يحافظ على دولة كانت مشكلتها أكبر من مجرد المؤامرات التي يستطيع اكتشافها؟
دولة ورثت الضعف ولم تصنعه
كان الضعف العثماني أقدم من عبدالحميد بكثير. فخلال القرنين السابقين كانت الدولة قد دخلت في سلسلة طويلة من الحروب والهزائم أمام القوى الأوروبية وروسيا، وفقدت مناطق واسعة، بينما بدأت أوروبا تدخل عصرًا مختلفًا يقوم على الصناعة والاقتصاد الحديث والجيوش النظامية والإدارة المركزية الأكثر كفاءة.
لم يكن العثمانيون غافلين عن ذلك. بالعكس، بدأت الإصلاحات قبل عبدالحميد بوقت طويل، خصوصًا في الجيش والإدارة والتعليم. لكن المشكلة أن الإصلاح كان يحدث تحت ضغط الخوف. لم يكن السؤال في البداية: كيف نبني دولة حديثة؟ بل كان السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف نبقى؟ ومن هنا جاءت عملية الاقتباس من أوروبا.
كان من الطبيعي أن تتعلم الدولة من خصومها الأقوى. فالجيوش الأوروبية أكثر تقدمًا، ومدارسها العسكرية أكثر تطورًا، وتقنياتها أفضل. لكن عملية التحديث سرعان ما كشفت عن مشكلة أكبر: لا يمكن استيراد السلاح وحده.
السلاح يحتاج إلى صناعة، والصناعة تحتاج إلى تعليم، والتعليم يحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى إدارة ومال وقوانين، وكل ذلك يغير المجتمع نفسه. وهكذا لم يعد الإصلاح مجرد تحديث للجيش، بل أصبح سؤالًا عن شكل الدولة.
عبدالحميد: الحذر كوسيلة للبقاء
جاء عبدالحميد إلى الحكم وهو يحمل ذاكرة سياسية شديدة القسوة. رأى كيف خُلع سلطان، ثم كيف انتهى حكم آخر، ولذلك لم يكن غريبًا أن يصبح شديد الحذر من الجيش والوزراء والسياسيين والمعارضة. ولسنوات طويلة نجح هذا الأسلوب. راقب، ووازن بين القوى، وأبعد الخصوم، وشدد الرقابة، واستخدم شبكة واسعة من رجال الدولة والمعلومات، وحاول أن يمنع ظهور مركز قوة يستطيع تهديد القصر. لكن هنا بدأت المفارقة.
عبدالحميد كان بارعًا في التعامل مع المؤامرة، بينما كانت المشكلة تتحول تدريجيًا من مؤامرات إلى مؤسسات. لم يعد الخصم مجرد وزير يمكن عزله أو ضابط يمكن نقله. كانت هناك مدارس عسكرية حديثة، وصحافة، ونخب متعلمة، وتنظيمات سياسية، وضباط يتأثرون بالأفكار الدستورية والقومية، وشبكات تمتد داخل الجيش. وهذا نوع مختلف تمامًا من التحدي. يمكن للسلطان أن يراقب الأشخاص، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يراقب تحولًا كاملًا في البيئة السياسية.
هل صنع عبدالحميد المشكلة التي أسقطته؟
هنا ينبغي الحذر من الحكم السهل. ليس صحيحًا أن عبدالحميد هو الذي خلق ضعف الدولة العثمانية. لكنه أيضًا لم يستطع أن يعالج جذوره. بل إن بعض أدواته في حماية السلطنة حملت ثمنًا طويل المدى. فالخوف من الجيش المستقل، مثلًا، جعل العلاقة بين القصر والضباط أكثر توترًا. والخوف من المعارضة جعل المجال السياسي أكثر انغلاقًا. والاعتماد الكبير على القصر جعل النظام أكثر ارتباطًا بشخص السلطان. وبذلك أصبح النظام قويًا عندما يكون السلطان قادرًا على إدارة التوازنات، لكنه يصبح هشًا عندما يتغير ميزان القوة. وكان ميزان القوة يتغير بالفعل.
معضلة التحديث
ربما كانت هذه واحدة من أصعب المعضلات التي واجهتها الدولة العثمانية. كانت بحاجة إلى التحديث لكي تبقى، لكن التحديث نفسه أنتج قوى اجتماعية وسياسية لم تعد تقبل بسهولة بالنظام القديم.
- فإذا أنشأت مدارس عسكرية حديثة، خرج منها ضباط يعرفون أوروبا وأفكارها.
- وإذا طورت التعليم والإدارة، ظهرت نخبة جديدة تريد المشاركة في الحكم.
- وإذا أنشأت جيشًا حديثًا، أصبح الجيش نفسه مؤسسة كبيرة لها وعي سياسي ومصالح.
وهنا يظهر السؤال الذي لم يكن له جواب بسيط: كيف تأخذ من الغرب أدوات القوة دون أن تستورد بالضرورة النموذج السياسي والاجتماعي الذي نشأت فيه هذه الأدوات؟ ليس الخطأ في التعلم من الغرب. فالحضارات تتعلم من بعضها باستمرار. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول التعلم إلى اعتقاد بأن التقدم لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تقليد الآخر بصورة شاملة.
وفي المقابل، لم يكن من الواقعي أيضًا القول إن الدولة تستطيع تجاهل التحولات العلمية والعسكرية والاقتصادية التي تحدث حولها. كانت المسألة إذن أكثر تعقيدًا من «التقليد» أو «رفض التقليد». كانت الدولة بحاجة إلى تحديث حقيقي، لكن من دون أن تفقد توازنها السياسي والاجتماعي في أثناء ذلك. وهذا التوازن لم يتحقق.
1908: اللحظة التي تغير فيها ميزان السلطة
في سنة 1908 أُعيد العمل بالدستور، وعاد البرلمان، وتراجعت قدرة عبدالحميد على إدارة الدولة كما كان يفعل من قبل. وهنا لم تعد السلطنة هي المركز الوحيد للقرار. ثم جاءت أحداث 31 مارس 1909، عندما وقع تمرد في إسطنبول، وتحرك جيش الحركة من سالونيك إلى العاصمة. وعندما دخل الجيش العاصمة، أصبح السؤال عمليًا محسومًا. لم يعد عبدالحميد يملك القوة العسكرية التي تمكنه من فرض إرادته. ولهذا يبدو مشهد خلعه مضللًا إذا نظرنا إليه وحده. فالوفد الذي دخل القصر وقرأ قرار العزل لم يكن هو الذي أسقط السلطان.
الوفد كان يعلن نتيجة صراع حُسم قبل دخوله.
لم يكن عبدالحميد أمام مجموعة من الرجال يستطيع ببساطة أن يأمر باعتقالهم. كان أمام واقع جديد: الجيش منقسم، والقوى السياسية المعادية له أقوى، والعاصمة تحت نفوذ قوة عسكرية جاءت من الخارج. لذلك لم يكن استسلامه دليلًا على أنه أصبح فجأة رجلًا ضعيف الإرادة. كان يعرف أن المقاومة قد تعني حربًا داخل العاصمة بين العثمانيين أنفسهم، وربما سقوطًا دمويًا لا يستطيع ضمان نتيجته. اختار قبول الخلع. وكان ذلك نهاية حكمه، لا بداية سقوط الدولة.
لكن الدولة لم تكن قد انتهت بعد
وهذه نقطة مهمة جدًا. بعد خلع عبدالحميد سنة 1909 لم تسقط الدولة العثمانية مباشرة. استمرت، بل خاضت حروبًا أخرى، وحققت انتصارات عسكرية في بعض الجبهات. وهذا يعني أن تفسير التاريخ باعتباره سلسلة بسيطة من الأحداث ــ «عبدالحميد خُلع، إذن الدولة سقطت» ــ غير صحيح.
المشكلة أن الدولة دخلت مرحلة أصبحت فيها الصراعات على السلطة نفسها جزءًا من أزمتها. وتزايد نفوذ الاتحاد والترقي، وأصبح الجيش لاعبًا سياسيًا أساسيًا، ولم يعد الخلاف فقط حول الأشخاص، بل حول طبيعة الدولة ومستقبلها.
ثم جاءت حروب البلقان، وكانت صدمة هائلة. خسرت الدولة معظم ما بقي لها من أراضٍ أوروبية، وتدفقت أعداد ضخمة من اللاجئين، وتعمقت الأزمة الاقتصادية والعسكرية، وأصبح الإحساس بأن الوقت يضيق أكثر فأكثر. وكانت هذه اللحظة تحتاج إلى شيء واحد قبل أي شيء آخر: الهدوء.
الدولة كانت بحاجة إلى سنوات لإعادة بناء الجيش والاقتصاد والإدارة. لكن التاريخ لم يمنحها تلك السنوات.
لماذا دخلت الحرب العالمية الأولى وهي ضعيفة؟
هنا تبدو المفارقة الأكبر. قد يبدو من المنطقي أن تقول دولة ضعيفة: لن ندخل حربًا عالمية. لكن قادة الدولة رأوا المسألة من زاوية أخرى. كان الخوف من روسيا خصوصًا عميقًا، وكانت بريطانيا وفرنسا تملكان مصالح ونفوذًا كبيرًا في المنطقة، بينما كانت الدولة تخشى أن يؤدي انتصار خصومها إلى تفكيك ما تبقى منها.
وفي المقابل ظهرت ألمانيا كقوة عسكرية يمكن أن تساعد في إعادة بناء الجيش. وهكذا تطور التعاون العسكري إلى ارتباط سياسي واستراتيجي. وعندما اندلعت الحرب الأوروبية سنة 1914، وجدت القيادة العثمانية نفسها أمام رهان خطير:
إذا بقينا خارج الحرب، فقد نكون وحدنا أمام القوى المنتصرة. وإذا دخلنا الحرب إلى جانب ألمانيا وانتصرنا، فقد نستعيد موقعنا وننهي الخطر الروسي.
كان الرهان مفهومًا من داخل عقل القيادة. لكنه كان شديد الخطورة. فالدولة التي كانت تحتاج إلى سنوات من إعادة البناء دخلت حربًا عالمية على جبهات متعددة، ضد قوى تمتلك موارد صناعية ومالية وبشرية هائلة. لم تكن الدولة بلا قدرة على القتال؛ أثبتت معارك مثل الدردنيل ذلك. لكن الحرب لم تكن معركة واحدة. كانت اختبارًا طويلًا لقدرة الدولة على الاستمرار. وفي النهاية انهارت القدرة على الاستمرار.
هل كانت هناك فرصة أخرى؟
ربما كانت هناك فرصة، لكن ليس لإنقاذ الإمبراطورية القديمة كما كانت. الفرصة الأكثر واقعية كانت أن تتحول الدولة تدريجيًا إلى دولة إقليمية قوية، بدل أن تحاول الحفاظ على إمبراطورية واسعة في عصر أصبحت فيه الإمبراطوريات القديمة نفسها تحت ضغط هائل. كان يمكن نظريًا إعطاء الأولوية لإعادة بناء المالية والجيش، وتهدئة الصراع السياسي، وإبقاء الجيش بعيدًا عن الانقلابات، والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الأوروبية، والأهم تجنب حرب كبرى.
لكن هذا ليس ضمانًا للنجاح. فالقومية، والتدخل الأوروبي، والمشكلات الاقتصادية، وتعدد القوميات، وتغير ميزان القوة العالمي، كلها كانت موجودة. لذلك لا نستطيع القول إن الدولة كانت تملك «خطة إنقاذ واضحة» ثم تجاهلتها. الأدق أن نقول: كانت أمامها عدة طرق، وكل طريق يحمل ثمنًا، لكنها اختارت في لحظة حاسمة الطريق الأعلى مخاطرة.
المفارقة الأخيرة
عبدالحميد الثاني لم يكن الرجل الذي أسقط الدولة العثمانية. والاتحاد والترقي لم يخترع أزمتها من الصفر. كما أن تقليد أوروبا لم يكن وحده سبب سقوطها. الدولة كانت تدخل القرن العشرين وهي تحمل إرثًا طويلًا من التراجع، لكنها في الوقت نفسه كانت تحاول أن تصبح دولة حديثة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الإصلاح كان ضروريًا لكي تبقى الدولة، لكنه غيّر الدولة نفسها. والقوى التي ولدت من عملية التحديث لم تعد ترى السلطنة بالطريقة التي كان يراها بها عبدالحميد. ثم جاء الصراع السياسي، فالحروب، ثم الحرب العالمية الأولى، فكان انهيار الإمبراطورية نتيجة تراكم طويل انتهى بصدمة أخيرة. ولهذا فإن مشهد عبدالحميد وهو يستمع إلى قرار خلعه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مشهد سلطان ضعيف استسلم بسهولة. إنه بالأحرى مشهد النهاية المرئية لمعركة أطول بكثير.
رجل قضى عقودًا يحاول أن يمنع انهيار الدولة، لكنه وجد في النهاية أن الدولة التي يحاول حمايتها قد تغيرت إلى درجة لم تعد أدواته القديمة قادرة على حمايتها. وبعد سنوات قليلة، لم يعد السؤال: كيف نحافظ على الدولة العثمانية؟ بل أصبح: ماذا يمكن إنقاذه من أنقاضها، وأي دولة يمكن بناؤها مكانها؟
وهنا تبدأ القصة التالية: قصة تركيا الحديثة، وكمال أتاتورك، والمشروع الذي لم يكتفِ بإدارة نهاية الدولة العثمانية، بل حاول أن يجيب عن سؤال مختلف تمامًا: كيف تُبنى دولة جديدة من بقايا دولة سابقة؟