تركيا الجديدة: حزب العدالة والتنمية: كيف نجح حيث فشل من سبقه؟

من إرث أربكان إلى السلطة: كيف تعلّم الجيل الجديد تجاوز حواجز الدولة الكمالية؟

لم يكن وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم سنة 2002 مجرد فوز انتخابي جديد في تركيا. فتركيا عرفت قبل ذلك أحزابًا محافظة. وعرفت سياسيين منحوا الدين مساحة أكبر في الحياة العامة. وعرفت تيارات إسلامية وصلت حتى إلى رئاسة الحكومة. لكن هذه التجارب كانت تنتهي غالبًا بالطريقة نفسها:

انقلاب، أو ضغط عسكري، أو حظر الحزب، أو إقصاء السياسيين. لذلك كان السؤال الحقيقي سنة 2002 أكبر من: من فاز بالانتخابات؟ كان السؤال: هل سيستطيع هذا الحزب أن يبقى؟

وهنا تبدأ خصوصية حزب العدالة والتنمية. فهو لم يصل إلى السلطة وهو يحمل فقط أفكاره الخاصة. بل وصل وهو يحمل أيضًا ذاكرة عقود من الهزائم السياسية التي سبقت ظهوره.

  • لقد تعلم من عدنان مندريس.
  • وتعلم من نجم الدين أربكان.
  • وتعلم من الأحزاب التي أُغلقت.
  • وتعلم من السياسيين الذين مُنعوا.

والأهم أنه تعلم درسًا بسيطًا وقاسيًا: في تركيا، الوصول إلى الحكومة شيء، والوصول إلى الدولة شيء آخر.


حزب جديد من تجربة قديمة

خرج مؤسسو حزب العدالة والتنمية من البيئة السياسية التي صنعها نجم الدين أربكان. لكنهم لم يريدوا تكرار التجربة بالطريقة نفسها. كان أربكان يمثل تيارًا واضحًا ومباشرًا في هويته السياسية. أما الحزب الجديد فاختار لغة مختلفة. لم يقدم نفسه بوصفه حزبًا يريد إقامة دولة دينية. ولم يعلن حربًا مباشرة على الجمهورية أو العلمانية.

بل قدم نفسه بوصفه حزبًا محافظًا ديمقراطيًا. وكان هذا الاختيار مهمًا جدًا. فتركيا في تلك اللحظة لم تكن تحتاج إلى من يقول للجيش: سنواجهكم. بل إلى من يستطيع الوصول إلى السلطة من دون أن يمنح خصومه ذريعة سهلة للتدخل. وهنا ظهر الفرق بين المشروعين. لم يكن الجيل الجديد أقل معرفة بجذوره المحافظة. لكنه كان أكثر فهمًا لطبيعة الدولة التي يعيش داخلها.


لا تدخل المعركة من الباب الذي ينتظرونك عنده

كان حراس النظام الكمالي يعرفون جيدًا كيف يتعاملون مع الأحزاب الإسلامية التقليدية. حزب يعلن برنامجًا دينيًا واضحًا. تصريحات صدامية. تحد مباشر لمبادئ الدولة. ثم تبدأ المعركة. لكن حزب العدالة والتنمية حاول تغيير قواعد الدخول إلى اللعبة. تحدث عن:

  • الديمقراطية.
  • الحريات.
  • الإصلاح.
  • الاقتصاد.
  • مكافحة الفساد.
  • الانضمام إلى أوروبا.
  • تطوير الدولة.

وهنا ظهرت مفارقة مهمة. الحزب الذي خرج من بيئة محافظة استخدم في بدايته لغة كانت تبدو أقرب إلى اللغة الليبرالية والإصلاحية. لم يكن ذلك بالضرورة تناقضًا. بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع. فالمطالبة بتوسيع الديمقراطية لا تفيد فقط الحزب نفسه. إنها أيضًا تقلل قدرة المؤسسات غير المنتخبة على التدخل في السياسة. والمطالبة بتقوية سلطة البرلمان والحكومة المدنية لا تعني فقط الإصلاح. بل تعني أيضًا تقليص الوصاية العسكرية.


جاءت الأزمة في الوقت المناسب

لا يمكن فهم صعود الحزب من دون النظر إلى الوضع الذي سبق وصوله. في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، كانت تركيا تعاني أزمات سياسية واقتصادية حادة. 

  • الائتلافات الحكومية كانت ضعيفة.
  • والاقتصاد دخل أزمة كبيرة سنة 2001.
  • والناس فقدوا الثقة في كثير من الأحزاب التقليدية.

وفي هذه اللحظة ظهر حزب جديد. وهذه نقطة مهمة. أردوغان لم يصل إلى مجتمع مستقر وراضٍ يريد الثورة على النظام. بل وصل إلى مجتمع متعب من النظام السياسي القائم نفسه. كانت هناك رغبة في الاستقرار.

  • في حكومة قوية.
  • في اقتصاد أفضل.
  • وفي التخلص من حالة الحكومات الائتلافية والأزمات المتكررة.

وهنا لم يحتج الحزب إلى أن يقنع الناس فقط بأنه يمثل الهوية المحافظة. كان عليه أن يقنعهم بأنه يستطيع إدارة الدولة بصورة أفضل. وهذا ما جعل قاعدته أوسع من التيار الإسلامي التقليدي.


أردوغان: السياسي الذي فهم الشارع

كان أردوغان مختلفًا عن كثير من السياسيين الأتراك التقليديين. لم يأتِ من النخبة الجمهورية القديمة. ولم يكن مجرد منظر سياسي. سبق له أن عمل رئيسًا لبلدية إسطنبول. وهذا أعطاه صورة رجل الإدارة والخدمات، لا رجل الشعارات فقط. كما أن شخصيته السياسية كانت أكثر قربًا من الجمهور. لغة مباشرة. خطاب مفهوم. قدرة على مخاطبة المحافظين والفقراء والطبقات الصاعدة. وهنا ظهر عنصر مهم جدًا. فالمعركة في تركيا لم تعد فقط بين:

الإسلاميين والعلمانيين.

بل أصبحت أيضًا بين: النخبة السياسية التقليدية وقطاعات واسعة شعرت أنها لا تملك صوتًا حقيقيًا داخل النظام القديم.

أردوغان عرف كيف يجمع هذه العناصر. المحافظ المتدين. رجل الأعمال الجديد. الطبقات الشعبية. سكان المدن الجديدة. وهكذا بدأ الحزب يتحول من مجرد امتداد لتيار سياسي سابق إلى تحالف اجتماعي واسع.


أول انتصار: الوصول إلى الحكومة

فاز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2002. لكن الحزب كان يعرف التاريخ. الوصول إلى السلطة ليس نهاية المعركة. مندريس وصل إلى السلطة. أربكان وصل إلى رئاسة الحكومة. وكلاهما لم يستطع حماية تجربته من تدخل مؤسسات أقوى. لذلك كان السؤال: كيف يبقى حزب العدالة والتنمية؟

والجواب لم يكن بالهجوم المباشر. في السنوات الأولى: 

  • سار الحزب بحذر.
  • ركز على الاقتصاد.
  • وعلى الإصلاحات.
  • وعلى تحسين الخدمات.
  • وعلى العلاقات الخارجية.
  • وعلى مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وهذا المسار الأخير كان أكثر أهمية مما يبدو. فالإصلاحات المطلوبة من أجل التقارب مع أوروبا تضمنت، في جانب منها، تعزيز السيطرة المدنية وتقليص دور الجيش في السياسة. وهنا حدث شيء شديد الذكاء من الناحية السياسية.

الحزب استخدم مشروع التقارب مع أوروبا للمساعدة في تقليص نفوذ المؤسسة التي كانت قادرة على إسقاطه.

لم يعلن: سنحارب الجيش. بل تحدث عن: الإصلاح الديمقراطي والمعايير الأوروبية. لكن النتيجة السياسية كانت واحدة من أهم التحولات في تاريخ الجمهورية.


تغيير الدولة من داخل الدولة

هنا يكمن الفرق الحقيقي بين حزب العدالة والتنمية ومن سبقه. مندريس وصل إلى الحكومة، لكنه لم يغير موازين الدولة قبل أن يسقط. أربكان وصل إلى الحكومة، لكنه دخل في مواجهة مع بنية أقوى منه. أما حزب العدالة والتنمية، فبدأ يفهم أن الحكومة وحدها لا تكفي. إذا أردت البقاء، عليك أن تغير العلاقة بين المؤسسات. وهذا ما بدأ يحدث تدريجيًا. تراجع دور الجيش في السياسة مقارنة بما كان عليه. تغيرت علاقة الحكومة بالمؤسسات. وتوسع نفوذ السلطة المنتخبة.

وبعد سنوات، لم تعد المؤسسة العسكرية قادرة على التدخل بالطريقة التي تدخلت بها في 1960 أو 1971 أو 1980 أو 1997. وهنا تحقق التحول الأكبر. للمرة الأولى تقريبًا، بدأ تيار خرج من خارج النخبة الكمالية التقليدية يملك الوقت الكافي للبقاء وإعادة تشكيل بنية السلطة. لكن هذه النقطة نفسها ستفتح مشكلة أخرى لاحقًا. فإذا كان الهدف في البداية هو إنهاء وصاية مؤسسات غير منتخبة، فماذا يحدث عندما تتركز القوة في يد حزب واحد وقائد واحد لفترة طويلة؟ هذا سؤال سنعود إليه لاحقًا.


لماذا لم يسقط أردوغان كما سقط مندريس وأربكان؟

السبب ليس واحدًا. 

  • أولًا، تغيرت تركيا نفسها. لم تعد البلاد هي تركيا 1960. المجتمع المدني والإعلام والاقتصاد والطبقات الاجتماعية أصبحت أكثر تعقيدًا.
  • ثانيًا، تعلم الحزب من تجارب السابقين. لم يدخل إلى السلطة معلنًا مشروعًا صداميًا مباشرًا.
  • ثالثًا، حقق الحزب نجاحًا اقتصاديًا في سنواته الأولى. وهذا منحه شرعية شعبية واسعة. 
  • رابعًا، نجح في بناء تحالفات سياسية واجتماعية جديدة. 
  • خامسًا، استغل تغير البيئة الدولية، حيث أصبح التدخل العسكري في حكومة منتخبة أصعب من السابق من حيث الصورة السياسية والعلاقات الدولية. لكن ربما كان السبب الأهم: حزب العدالة والتنمية لم يكتفِ بالفوز، بل بدأ تدريجيًا في تغيير قواعد اللعبة التي كان يمكن أن يخسر بسببها.


العودة إلى الدين: ولكن بطريقة مختلفة

لم يعد المجتمع المحافظ في تركيا يشعر بأنه مضطر إلى إخفاء نفسه كما كان في مراحل سابقة.

  • عاد الحجاب إلى مركز النقاش العام.
  • وتغيرت القيود في الجامعات والمؤسسات.
  • وازداد حضور التعليم الديني.
  • وعادت الرموز الإسلامية إلى المجال العام بصورة أكثر وضوحًا.

لكن الحزب لم يعلن إلغاء العلمانية أو العودة إلى الخلافة. وهذا فرق مهم. فالتغيير لم يكن: إسقاط الجمهورية الكمالية وإقامة الدولة العثمانية من جديد.

بل كان: إعادة التفاوض على معنى الجمهورية نفسها.

  • هل يمكن أن تكون تركيا جمهورية حديثة وفيها حضور ديني واضح؟
  • هل يمكن أن تكون الدولة علمانية من دون أن تفرض العلمانية الثقافية على المجتمع؟
  • هل يحق للمتدين أن يصل إلى أعلى المناصب من دون أن يُنظر إليه باعتباره خطرًا على الدولة؟

هذه كانت المعركة الحقيقية.


من «تركيا الرسمية» إلى تركيا أخرى

خلال عقود طويلة، كانت هناك فجوة بين الصورة الرسمية للدولة وصور المجتمع لنفسه. تركيا الرسمية كانت:

  • علمانية.
  • قومية.
  • غربية التوجه.
  • حذرة من الدين السياسي.
  • مركزة حول مؤسسات الدولة والنخبة الجمهورية.

أما قطاع واسع من المجتمع فكان أكثر:

  • محافظة.
  • ارتباطًا بالدين.
  • اهتمامًا بالهوية التاريخية.
  • وشعورًا بالمسافة بينه وبين النخبة الحاكمة.

حزب العدالة والتنمية لم يخلق هذا المجتمع. بل اكتشفه سياسيًا. ومنحه تمثيلًا أكبر. وهذا أحد أهم أسباب نجاحه.


لكن النجاح حمل معه خطرًا جديدًا

كان الحزب في البداية يقدم نفسه بوصفه حركة تريد توسيع الديمقراطية وكسر الوصاية. لكن بعد سنوات طويلة في الحكم، بدأ سؤال مختلف يظهر: ماذا يحدث عندما تنتهي وصاية الجيش، لكن السلطة نفسها تصبح شديدة التركيز؟

فالصراع القديم كان بين حكومة منتخبة ومؤسسات غير منتخبة. أما الصراع الجديد فأصبح، في جانب منه، متعلقًا بحدود سلطة الحزب الذي نجح في هزيمة خصومه. وهنا يجب ألا نقع في روايتين متطرفتين.

  • لا يصح أن نقول إن كل ما فعله الحزب كان تحريرًا للديمقراطية.
  • ولا يصح أن نقول إنه لم يفعل سوى استبدال نظام بآخر.

الحقيقة أكثر تعقيدًا. لقد نجح فعلًا في تغيير ميزان القوى الذي حكم تركيا لعقود. لكنه، كلما طال بقاؤه في السلطة، أصبح هو نفسه جزءًا من البنية التي يملك القوة الأكبر داخلها. وهذه مشكلة مختلفة عن مشكلة الانقلابات، لكنها ليست أقل أهمية.


البداية كانت داخل تركيا

من السهل اليوم النظر إلى أردوغان من خلال السياسة الخارجية. سوريا. روسيا. الولايات المتحدة. أوروبا. الشرق الأوسط. لكن هذا جاء لاحقًا. في البداية كانت المعركة داخلية. كانت معركة حول سؤال بسيط: من يملك تركيا؟

  • هل هي المؤسسات التي صنعتها الجمهورية الأولى؟
  • أم الحكومات التي يختارها الناس؟
  • هل الدولة موجودة لتعيد تشكيل المجتمع؟
  • أم أن المجتمع يستطيع، عبر السياسة، أن يعيد تشكيل الدولة؟

حزب العدالة والتنمية وصل إلى الحكم لأنه قدم جوابًا جديدًا عن هذه الأسئلة. ثم استمر لأنه نجح في تحويل هذا الجواب من خطاب انتخابي إلى تغيير فعلي في موازين القوة.


الخلاصة: الحزب الذي تعلم من هزائم الآخرين

لم يكن حزب العدالة والتنمية حادثًا مفاجئًا. كان نتيجة تاريخ طويل.

  • لولا مندريس لما ظهر الدرس الأول عن قوة المجتمع المحافظ.
  • ولولا انقلاب 1960 لما ظهر درس أن الانتخابات لا تكفي.
  • ولولا الانقلابات اللاحقة لما أصبح واضحًا حجم الوصاية العسكرية.
  • ولولا أربكان لما ظهرت تجربة التيار الإسلامي السياسي.
  • ولولا حظر الأحزاب وإقصاء السياسيين لما تعلم الجيل الجديد ضرورة تغيير الأسلوب.

ثم جاء حزب العدالة والتنمية. ولم يقل: سنبدأ من الصفر. بل فعل شيئًا مختلفًا.

  • أخذ دروس كل الذين سبقوه.
  • وتجنب بعض أخطائهم.
  • وغيّر لغته.
  • ووسّع تحالفاته.
  • ودخل الدولة من أبوابها القانونية والسياسية.

ثم، بعد أن استقر، بدأ بتغيير قواعد اللعبة نفسها. وهذا هو السبب في أن قصة الحزب ليست مجرد قصة انتخابية. إنها قصة وصول تيار ظل طويلًا خارج مركز الدولة إلى السلطة، ثم نجاحه للمرة الأولى في البقاء مدة كافية ليغير شكل الدولة من الداخل.

لكن هذا لم يكن سوى المرحلة الأولى. فبعد أن حسم الحزب جزءًا كبيرًا من معركته داخل تركيا، بدأ سؤال أكبر يفرض نفسه: ماذا تفعل تركيا الجديدة بقوتها وموقعها بعد أن تتغير موازينها الداخلية؟

هنا تنتقل القصة من الداخل إلى الخارج. ومن صراع حول من يحكم تركيا، إلى صراع آخر حول: أي دور تريد تركيا أن تلعبه في العالم؟ وهنا تبدأ المرحلة التالية من القصة.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.