الترابط الثقافي الحي: ماذا لو عاشت الشعوب وحدتها بدل أن تتحدث عنها؟

كثيرًا ما نتحدث عن العالم الإسلامي بوصفه عالمًا واحدًا، تجمع شعوبه روابط الدين والتاريخ والثقافة، لكن الواقع اليوم أكثر تفرقًا مما توحي به هذه العبارة. توجد عشرات الدول، ولكل دولة نظامها السياسي وحدودها وجواز سفرها ومناهجها التعليمية وإعلامها ومصالحها الخاصة. وقد تتعاون الحكومات في السياسة أو الاقتصاد، وتصدر البيانات المشتركة، وتعقد المؤتمرات والقمم، لكن المواطن العادي في كثير من الأحيان لا يعيش هذا التقارب في حياته اليومية.

وهنا يظهر سؤال مختلف: ماذا لو حاولنا بناء الترابط من الأسفل إلى الأعلى؟ ماذا لو لم يكن الهدف توحيد الدول أو الحكومات، بل جعل شعوبها تتعرف إلى بعضها وتعيش قدرًا من التواصل الحقيقي؟ ماذا لو أصبح التقارب الثقافي مشروعًا حيًا، لا مجرد شعار أو بند في بيان ختامي؟

ليست دولة واحدة ولا حكومة واحدة

الفكرة هنا ليست إعادة إنتاج نموذج الخلافة التاريخية، ولا إنشاء دولة إسلامية واحدة، ولا إقامة حكومة فوق الحكومات القائمة. كل دولة تحتفظ بسيادتها ونظامها السياسي وحدودها وهويتها الوطنية. حتى الجانب السياسي للمشروع، إن وجد، يكون رمزيًا وتمثيليًا، أشبه بمجلس يجمع الدول ويعبر عن وجود فضاء حضاري مشترك، دون أن يتحول إلى حكومة مركزية.

أما المجال الذي يحدث فيه العمل الحقيقي فهو مختلف تمامًا: التعليم والثقافة والتبادل الإنساني. فالهدف ليس أن يصبح المصري مثل الماليزي، أو الأذربيجاني مثل المغربي، وإنما أن يعرف كل واحد منهم الآخر معرفة حقيقية، وأن تصبح العلاقة بين الشعوب أوسع من العلاقة الرسمية بين الحكومات.

الأزهر نموذج صغير لما يمكن أن يحدث

هناك نموذج قائم بالفعل يوضح قوة هذه الفكرة، وإن كان في نطاق مختلف وأضيق: جامعة الأزهر في القاهرة. على مدى عقود طويلة استقبل الأزهر طلابًا من مناطق ودول إسلامية مختلفة، وجمعهم في بيئة تعليمية واحدة لسنوات. الطالب لا يأتي إلى القاهرة لحضور مؤتمر لمدة ثلاثة أيام ثم يعود إلى بلده، بل يعيش هناك، ويدرس، ويسكن، ويتعامل مع المجتمع المصري، ويلتقي بطلاب من بلدان أخرى.

وهنا يحدث شيء لا تستطيع البيانات السياسية أن تصنعه. طالب من إندونيسيا قد يصبح صديقًا لطالب من نيجيريا، وطالب من ماليزيا يتعرف إلى زميل من أوزبكستان، وآخر من أفريقيا يتعرف إلى زملاء عرب. وبعد سنوات يعود هؤلاء إلى بلدانهم، لكنهم لا يعودون غرباء عن بعضهم كما كانوا قبل التجربة.

لقد أصبح لكل واحد منهم وجه واسم وقصة وصديق في بلد آخر. هذه هي قوة التعليم حين يتحول إلى مساحة للتعارف بين الشعوب.

ماذا لو توسعت الفكرة؟

لنتخيل إنشاء مؤسسة ثقافية كبرى تحت اسم افتراضي مثل «جامعة شعوب العالم الإسلامي». لا تكون جامعة بالمعنى الأكاديمي الضيق فقط، وإنما مؤسسة واسعة للتعليم والثقافة والتبادل الإنساني.

تكون الجامعات جزءًا منها، وكذلك مراكز الأبحاث والفنون والآداب والرياضة والإعلام والبرامج الشبابية. وتكون الفكرة الأساسية بسيطة: كل دولة مشاركة ترشح عددًا من الطلاب والمعلمين والباحثين والفنانين والشباب، ويذهبون إلى الدولة التي تستضيف الدورة في تلك الفترة.

لا توجد مجموعة ثابتة تمثل العالم الإسلامي إلى الأبد، ولا نخبة صغيرة تحتكر التجربة. في كل دورة يأتي أشخاص جدد من دول مختلفة، حتى تتسع دائرة من عاشوا التجربة.

أربع سنوات يمكن أن تصنع جيلًا

لماذا أربع سنوات؟ لأنها ليست مدة مؤتمر ولا موسمًا سياحيًا. إنها مدة تكفي لكي يدخل الطالب جامعة، ويعيش في مدينة أخرى، ويتعلم، ويكون صداقات، ويتعرف إلى مجتمع مختلف، ثم يتخرج وهو يحمل تجربة شخصية كاملة.

وفي الوقت نفسه، يمكن أن يكون هناك برنامج موازٍ للمعلمين والأساتذة. لا يكون الأستاذ القادم من دولة أخرى عضوًا ثابتًا في المؤسسة، بل يرشح لدورة محددة ثم يعود إلى بلده، ويأتي بعده آخرون. وهكذا لا ينتقل الطلاب وحدهم، بل تنتقل معهم الخبرات التعليمية.

أستاذ من المغرب يمكن أن يدرس في أذربيجان، وأستاذ من ماليزيا في المالديف، وأستاذ من السنغال في تركيا، ثم يعود كل واحد إلى بلده وقد اكتسب خبرة جديدة وعلاقات جديدة. والأهم أن هذه التجربة تنتشر في المدارس والجامعات التي يعودون إليها، بدل أن تبقى محصورة داخل المركز.

لا نريد أن يتجمع الجميع في مدينة واحدة

هنا تأتي فكرة العاصمة الدورية، أو بالأحرى «مدينة الدورة». لا توجد عاصمة دائمة للمشروع، لأن العاصمة الدائمة ستجعل مركز الثقل مرتبطًا بدولة واحدة. بدلًا من ذلك، تنتقل الاستضافة كل أربع سنوات إلى مدينة مختلفة. يمكن أن تكون في دورة ما في بغداد، ثم في أذربيجان، ثم في المغرب، ثم في ماليزيا، ثم في آسيا الوسطى، ثم في أفريقيا. وقد يصل الدور إلى دولة صغيرة جدًا مثل المالديف. وهنا يصبح الأمر أكثر إثارة.

ماذا لو أصبحت المالديف مركز الدورة؟

تخيل أن العالم الإسلامي، بدل أن يجتمع دائمًا في القاهرة أو إسطنبول أو مدينة تاريخية كبرى، قرر أن تكون الدورة القادمة في المالديف. فجأة تصبح الدولة الصغيرة مكانًا يلتقي فيه طلاب ومعلمون وباحثون وفنانون ورياضيون من عشرات الدول.

لا تأتي الوفود فقط للاجتماعات الرسمية، بل يعيش الآلاف تجربة المالديف نفسها. يتعرفون إلى مجتمعها وتاريخها وثقافتها، وفي الوقت نفسه تأتي إلى المالديف ثقافات أخرى من المغرب وأذربيجان وإندونيسيا والسنغال ووسط آسيا وغيرها.

وتتحول المدينة إلى مساحة بشرية غير معتادة: مطاعم من بلدان مختلفة، معارض للكتب والفنون، مهرجانات موسيقية، مباريات رياضية، محاضرات، أسواق للحرف، برامج للشباب، ومراكز للتعريف بتاريخ وثقافات الدول المشاركة.

  • بعد أربع سنوات تنتهي الدورة. لكن التجربة لا تنتهي.
  • يعود الطلاب إلى بلدانهم، ويعود المعلمون إلى مدارسهم وجامعاتهم، ويعود الباحثون إلى مؤسساتهم، بينما تبقى العلاقات التي نشأت بينهم. ثم تنتقل الدورة إلى مدينة أخرى، ويبدأ جيل جديد من المشاركين.

لماذا نحتاج إلى التبادل لا مجرد الاستضافة؟

لأن المشكلة ليست في نقص المهرجانات. العالم مليء بالمهرجانات الثقافية والأسابيع الوطنية والمعارض التي تعرض فيها كل دولة أفضل ما لديها. لكن الزائر غالبًا يأتي لعدة ساعات ثم يغادر.

التعارف الحقيقي يحتاج إلى وقت. الطالب الذي يعيش مع شخص من بلد آخر أربع سنوات يعرف عاداته، وطريقة تفكيره، وطعامه، ومشكلاته، ونقاط اختلافه، وربما نقاط ضعفه أيضًا. وهذا أكثر فائدة من الصورة المثالية التي تقدمها الدول عن نفسها في المعارض الرسمية.

والشيء نفسه ينطبق على المعلمين. حين يعمل مدرس في بلد آخر، فإنه لا يكتشف فقط نظامًا تعليميًا مختلفًا، بل يكتشف المجتمع نفسه من الداخل.

من «الأجنبي» إلى «الصديق»

ربما تكون هذه إحدى أهم النتائج التي يمكن أن يصنعها المشروع. الدولة الحديثة تحتاج بطبيعة الحال إلى الجنسية والحدود والقوانين. وليس المطلوب إلغاء هذه الأشياء. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول كلمة «أجنبي» من وصف قانوني إلى شعور بالغرابة.

المغربي الذي يلتقي ماليزيًا مرة واحدة سيظل بالنسبة إليه شخصًا من بلد بعيد. أما الذي عاش معه أربع سنوات في الجامعة فقد يصبح صديقًا. وبعد ذلك قد يصبح زميلًا في العمل، أو شريكًا في مشروع، أو زوجًا أو قريبًا، أو مجرد شخص يعرف أنه يستطيع الاتصال به عندما يسافر إلى بلده. وهكذا تبدأ الحدود السياسية بالبقاء على الخريطة، لكنها تصبح أقل صلابة في العلاقات الإنسانية.

شبكة المعلمين قد تكون أهم من شبكة الطلاب

الطلاب يمثلون جيلًا جديدًا، لكن المعلم يستطيع أن ينقل تجربته إلى أجيال متتالية. لذلك يمكن أن يكون للبرنامج شبكة ترشيح للمعلمين مثل الطلاب تمامًا. في كل دورة يتم اختيار معلمين من دول مختلفة، ويعملون في المؤسسات التعليمية للدولة المضيفة، ثم يعودون إلى بلدانهم بعد انتهاء الدورة.

وبعد سنوات قد نجد مدرسًا في ماليزيا عاش في المغرب، ومدرسًا في المغرب عاش في أذربيجان، وأستاذًا في أذربيجان عاش في المالديف. كل واحد منهم لا يحمل فقط شهادة أو خبرة مهنية، بل يحمل قصة عن مجتمع آخر. وبذلك تصبح المعرفة بالآخر جزءًا من العملية التعليمية نفسها.

الوحدة لا تعني التشابه

وهنا يجب أن يكون المشروع حذرًا جدًا. ليس الهدف إنتاج ثقافة إسلامية واحدة تمحو الفوارق بين الشعوب. العالم الإسلامي لم يكن تاريخيًا ثقافة واحدة. فيه العرب والفرس والأتراك والأفارقة والآسيويون والقوقازيون وغيرهم، ولكل مجتمع لغته وموسيقاه وملابسه ومطبخه وتاريخه وذاكرته.

القيمة ليست في محو هذا التنوع، وإنما في أن يعرف كل شعب أن هناك تنوعًا هائلًا داخل العالم الذي ينتمي إليه.

  • أن يعرف الماليزي المغرب دون أن يصبح مغربيًا.
  • وأن يعرف المغربي أذربيجان دون أن يصبح أذربيجانيًا.
  • وأن يعرف الأذربيجاني السنغال دون أن يفقد خصوصيته.

الوحدة هنا معرفة، وليست ذوبانًا.

ماذا يحدث بعد عشرات السنين؟

هنا تبدأ الفكرة في اكتساب تأثيرها الحقيقي. إذا كانت كل دورة تستقبل آلاف الطلاب ومئات المعلمين والباحثين، ثم تنتقل إلى دولة أخرى، فإن الشبكة البشرية تتسع باستمرار. 

  • بعد عشرين أو ثلاثين عامًا سيكون هناك عشرات الآلاف من الخريجين الذين عاشوا مع شعوب أخرى.
  • وبعد نصف قرن قد يصبح لدينا جيل كامل لديه أصدقاء وزملاء في عشرات الدول.

لن يحتاج أحد إلى أن يقول لهم في مؤتمر: «أنتم شعوب متقاربة». هم يعرفون ذلك من حياتهم. وقد يكون هذا أقوى من أي اتفاق سياسي.

السياسة هنا ليست الهدف

يمكن أن يكون للمؤسسة مجلس تمثيلي للدول، ويمكن أن تكون هناك قمم سنوية وبيانات ومواقف مشتركة، لكن هذه ليست النقطة الأساسية. فإذا تحول المشروع إلى منظمة أخرى تتنافس فيها الحكومات على النفوذ، فقد يعود إلى المشكلة نفسها التي تعاني منها كثير من الاتحادات الإقليمية: اتحاد موجود فوق الورق، بينما تبقى الشعوب بعيدة عن بعضها.

القيمة الحقيقية للمشروع ستكون في مكان آخر: في الطالب، والمعلم، والباحث، والأسرة، والفنان، والرياضي، والسائح. في الإنسان الذي يخرج من بلده ويعيش فترة طويلة مع أناس مختلفين عنه.

من اتحاد الحكومات إلى جامعة الشعوب

ربما يكون هذا هو الفرق الجوهري. هناك مشاريع إقليمية تبدأ من الحكومات: قمة، ثم اتفاقية، ثم لجنة، ثم مؤسسة، ثم برامج ثقافية محدودة. لكن يمكن تخيل نموذج يبدأ من الإنسان نفسه.

  • طالب يسافر.
  • معلم يتبادل.
  • باحث يعمل.
  • فنان يعرض.
  • رياضي ينافس.
  • أسرة تستضيف.
  • وشاب يتعرف إلى أصدقاء من عشر دول.

ثم تتراكم هذه التجارب بمرور السنوات. عندها يصبح التعاون السياسي والاقتصادي مجرد طبقة فوق شبكة اجتماعية موجودة بالفعل.

هل يمكن أن يحدث هذا فعلًا؟

قد يبدو المشروع مثاليًا، وهناك بالفعل عقبات ضخمة أمامه: اختلاف الأنظمة السياسية، والفوارق الاقتصادية، والقيود على السفر والإقامة، وتباين المناهج، والحساسيات المذهبية والقومية، ومخاوف الحكومات من أي مؤسسة عابرة للحدود. لكن هذه العقبات لا تعني أن الفكرة مستحيلة، لأنها لا تتطلب في أصلها اتحادًا سياسيًا.

يمكن أن تبدأ بجزء صغير جدًا: برنامج تبادل طلابي، ثم برنامج للمعلمين، ثم منح بحثية، ثم مدينة ثقافية دورية. ولا تحتاج الدول إلى الاتفاق على كل شيء حتى يبدأ الناس في التعارف. فقد لا تستطيع الحكومات أن تجعل شعوبها متشابهة، لكنها تستطيع أن تجعلها تلتقي. والباقي قد تفعله السنوات.

ليست وحدة على الخريطة

ربما نخطئ عندما نقيس الوحدة بين الشعوب بعدد الاتفاقيات الموقعة أو عدد القمم التي عقدها القادة. هناك نوع آخر من الوحدة لا يظهر في الوثائق.

  • أن يكون لدى شاب في جاكرتا صديق في الدوحة.
  • وأن يعرف مدرس في المغرب زملاء له في أذربيجان.
  • وأن يدرس طالب من المالديف مع طالب من نيجيريا.
  • وأن يصبح السفر إلى بلد إسلامي آخر تجربة طبيعية لا رحلة إلى «أجانب».
  • وأن يعرف كل شعب أن العالم الذي ينتمي إليه أوسع بكثير من حدود دولته.

عندها لا نحتاج إلى إلغاء الدول، ولا إلى توحيد الحكومات، ولا إلى صناعة هوية واحدة للجميع. يكفي أن نبني جسورًا يعيش الناس فوقها، لا جسورًا يرسمها السياسيون على الورق.

وربما تكون هذه هي الصورة الأكثر واقعية للترابط الثقافي: ألا نحاول أن نجعل الشعوب شعبًا واحدًا، بل أن نجعلها شعوبًا تعرف بعضها بعضًا.

فالوحدة التي تُفرض من الأعلى يمكن أن تتغير بتغير الحكومات، أما الصداقة التي يصنعها طالب خلال أربع سنوات، والخبرة التي يحملها معلم من بلد إلى آخر، والذكريات التي يحملها جيل كامل، فهي أبطأ بكثير في البناء، لكنها أكثر قدرة على البقاء.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.