
اليمن: الموقع الذي يمكن أن يصنع دولة مختلفة
اليمن من الدول التي تبدو على الخريطة أكبر مما تظهر عليه في الواقع السياسي والاقتصادي. فالدولة التي تقع في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، وتشرف على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، وتقف عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم، كان يمكن أن تكون واحدة من أكثر دول المنطقة اتصالًا بالتجارة الدولية. لكن الحروب والانقسامات والفقر وضعف مؤسسات الدولة جعلت هذه الميزة الجغرافية تبدو في كثير من الأحيان وكأنها عبء أكثر من كونها فرصة.
ولهذا فإن السؤال الافتراضي المهم ليس فقط: ماذا لو انتهت الحرب في اليمن؟ بل ماذا لو دخل اليمن في مرحلة طويلة من الاستقرار، امتدت لعشرين أو ثلاثين سنة، وبُنيت خلالها مؤسسات دولة قادرة على إدارة موارده وموانئه وحدوده وعلاقاته الخارجية؟
في هذه الحالة قد لا يصبح اليمن دولة غنية بالمعنى التقليدي، لكنه يستطيع أن يصبح دولة ذات وزن اقتصادي واستراتيجي أكبر بكثير من حجم اقتصادها الحالي.
الموقع الذي لم يتحول إلى اقتصاد
هناك دول بنت جزءًا كبيرًا من قوتها على موقعها الجغرافي. سنغافورة مثال واضح، وكذلك بعض المراكز التجارية في الخليج. لكن الموقع وحده لا يكفي. فهو يحتاج إلى دولة مستقرة، وموانئ فعالة، وقوانين واضحة، وبنية تحتية، وأمن، وقدرة على جذب رؤوس الأموال.
وهذا تحديدًا ما يجعل الحالة اليمنية مثيرة للاهتمام.
فاليمن لا يقع على طريق تجاري عادي، وإنما بالقرب من باب المندب، الذي يمثل بوابة بحرية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي. ومن جهة أخرى، يقع على مقربة من الخليج والسوق السعودية، بينما يمتلك سواحل واسعة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب.
بمعنى آخر، اليمن يقف عند نقطة التقاء عدة عوالم اقتصادية: الجزيرة العربية، والبحر الأحمر، وشرق أفريقيا، والمحيط الهندي.
لكن الحرب جعلت السؤال مختلفًا. بدل أن يسأل العالم: كيف يمكن استخدام اليمن كمنصة تجارية؟ أصبح السؤال: كيف يمكن عبور المنطقة بأقل قدر ممكن من المخاطر؟
وهنا يظهر الفرق بين الموقع الجغرافي والموقع الاقتصادي. الأول موجود على الخريطة، أما الثاني فلا يظهر إلا عندما توجد دولة قادرة على استثماره.
عدن: الفرصة الأكبر
إذا كان هناك مكان يمكن أن يغير الصورة الاقتصادية لليمن فهو عدن.
فالمدينة تمتلك تاريخًا طويلًا مع التجارة والموانئ، وموقعها على خليج عدن يجعلها قريبة من أحد أهم طرق الملاحة التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر.
في يمن مستقر، يمكن لعدن أن تتطور إلى مركز لوجستي وبحري كبير، ليس بالضرورة على طريقة سنغافورة، لأن المقارنة الكاملة بين البلدين غير واقعية، وإنما باعتبارها مدينة تقوم على اقتصاد الميناء والخدمات المرتبطة به.
الميناء لا يعني فقط استقبال السفن. حول الميناء يمكن أن تنشأ المستودعات، وشركات النقل، والتأمين البحري، وصيانة السفن، والخدمات التجارية، وإعادة التصدير، والمناطق الصناعية، والخدمات المالية، وربط البحر بالأسواق الداخلية والخارجية.
وهنا تتحول السفينة التي تمر بالقرب من اليمن من مجرد جسم في البحر إلى فرصة اقتصادية.
من دولة تصدر ما لديها إلى دولة تستفيد مما يمر بها
هذه ربما أهم نقطة في تصور اليمن المستقر. الدول الفقيرة غالبًا ما تفكر اقتصاديًا من خلال سؤال: ماذا نملك لنبيعه؟ لكن الدول التي تمتلك مواقع استراتيجية تستطيع أن تسأل سؤالًا آخر: ماذا يمر بالقرب منا، وكيف نستفيد من مروره؟
اليمن لا يحتاج إلى أن ينافس الدول الأخرى في إنتاج كل شيء. يكفي أن يصبح جزءًا من سلسلة التجارة التي تربط آسيا بالخليج وأفريقيا وأوروبا.
قد تدخل البضائع من شرق آسيا، وتصل إلى ميناء يمني، ثم يعاد تصدير بعضها، بينما تُخزن أخرى، وتُصنع بعض مكوناتها محليًا، ثم تنتقل إلى السعودية أو القرن الأفريقي أو أسواق أخرى. عندها يصبح الموقع نفسه مصدرًا مستمرًا للدخل. وهذا نموذج مختلف تمامًا عن اقتصاد يعتمد على مورد واحد ينضب أو تتقلب أسعاره.
السعودية ليست مجرد جار
الميزة الجغرافية الأخرى التي يمتلكها اليمن هي وجود السعودية على حدوده الشمالية. فالسوق السعودية تمثل واحدة من أكبر الأسواق في المنطقة، كما أن دول الخليج عمومًا قريبة جغرافيًا من اليمن.
في حالة الاستقرار، يمكن أن يتحول جزء من اليمن إلى قاعدة إنتاج وخدمات مرتبطة بالسوق الخليجية. ويمكن أن تنمو الصناعات الغذائية، والصناعات الخفيفة، ومواد البناء، والخدمات اللوجستية، والزراعة التجارية، وغيرها من القطاعات التي تستفيد من القرب الجغرافي.
وهنا يمكن أن تصبح العلاقة مع السعودية مختلفة عن العلاقة الأمنية التقليدية التي فرضتها الحروب. بدل أن يكون السؤال: كيف نحمي الحدود؟ يمكن أن يصبح السؤال: كيف نجعل الحدود نفسها منطقة حركة اقتصادية منظمة؟ فالحدود في الدول المستقرة ليست دائمًا جدارًا يفصل بين اقتصادين؛ يمكن أن تكون بوابة تربطهما.
اليمن الزراعي الذي ننساه
عند الحديث عن مستقبل اليمن، غالبًا ما يذهب التفكير مباشرة إلى النفط والغاز والموانئ. لكن اليمن يمتلك تنوعًا جغرافيًا ومناخيًا يجعل الزراعة جزءًا مهمًا من مستقبله، خصوصًا إذا انتقلت من نمط الإنتاج التقليدي إلى الزراعة ذات القيمة العالية.
البن اليمني مثال واضح على ذلك. فالقيمة المستقبلية للبن ليست فقط في زراعته، وإنما في بناء علامة تجارية يمنية عالمية، وتحسين المعالجة والتعبئة والتصدير، وربط المنتج بالمناطق التي تنتجه.
والأمر نفسه يمكن أن ينطبق على العسل وبعض الفواكه والخضروات والمنتجات الزراعية الأخرى. الفرق هنا بين اقتصاد زراعي فقير واقتصاد زراعي حديث هو أن الثاني لا يبيع المحصول فقط، وإنما يبيع سلسلة كاملة من القيمة حوله.
البحر ليس حدودًا
يمتلك اليمن ميزة أخرى لا تقل أهمية: البحر. الثروة السمكية يمكن أن تصبح قطاعًا اقتصاديًا حقيقيًا إذا جرى تنظيم الصيد وتطوير الموانئ والأسواق وسلاسل التبريد والتصنيع والتصدير. فالسمكة التي تُصاد ثم تُباع محليًا بسعر منخفض ليست مساوية اقتصاديًا لسمكة تدخل في سلسلة صناعية تشمل التجميد والتعليب والتغليف والتصدير.
وهنا يمكن أن تتحول مدن ساحلية مثل المكلا وغيرها إلى مراكز للصناعات البحرية، بدل أن تكون مجرد مدن تعيش على نشاط الصيد التقليدي. وفي بلد يعاني من محدودية الموارد المالية، يمكن للقطاعات التي تعتمد على البحر أن تكون جزءًا مهمًا من تنويع الاقتصاد.
النفط والغاز: بداية وليسا نهاية
لا ينبغي أن يكون تصور اليمن المستقر قائمًا على فكرة اكتشاف ثروة نفطية ضخمة ثم توزيع عائداتها. هذا النموذج قد يمنح الدولة دخلًا سريعًا، لكنه لا يبني بالضرورة اقتصادًا مستدامًا. الأفضل أن تتحول عائدات النفط والغاز إلى وسيلة لتمويل التحول الاقتصادي.
النفط يمول الطرق والموانئ والكهرباء والمياه والتعليم، وهذه البنية تساعد على قيام الصناعة والتجارة والخدمات. أي أن الهدف ليس أن يصبح اليمن دولة تعيش من النفط، وإنما أن يستخدم النفط لبناء دولة تستطيع أن تعيش بعد النفط. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الموارد الطبيعية لا تعوض غياب المؤسسات.
سقطرى: حين تكون الطبيعة ثروة
هناك أيضًا أصل مختلف تمامًا عن النفط والموانئ: سقطرى. الجزيرة تمتلك طبيعة استثنائية وتنوعًا بيئيًا يجعلها مؤهلة لتكون وجهة عالمية للسياحة البيئية والبحث العلمي والسياحة الطبيعية.
لكن النجاح هنا يتطلب مقاومة إغراء تحويل الجزيرة إلى مشروع سياحي ضخم. فالقيمة الحقيقية لسقطرى في ندرتها. كلما حافظ اليمن على طبيعتها، ارتفعت قيمة الجزيرة. أما إذا تحولت إلى امتداد عمراني وفندقي عادي، فقد تخسر الشيء الذي جعلها مميزة أصلًا.
لذلك يمكن أن تكون السياحة اليمنية مختلفة عن السياحة التقليدية في المنطقة: تاريخ، وجبال، ومدن قديمة، وطبيعة، وسواحل، وثقافة محلية، بدل الاعتماد على نموذج واحد قائم على الفنادق الضخمة.
لكن الموقع قد يكون لعنة أيضًا
هنا يجب ألا نقع في التفاؤل السهل. الموقع اليمني الذي يمكن أن يكون مصدر قوة اقتصادية هو نفسه الذي يجعله مهمًا للقوى الإقليمية والدولية. باب المندب ليس شأنًا يمنيًا داخليًا فقط. واستقرار الممر البحري يؤثر في التجارة بين آسيا وأوروبا، وفي حركة السفن في البحر الأحمر، وفي أمن دول المنطقة.
لذلك فإن اليمن المستقر سيكون دولة أكثر أهمية، وليس بالضرورة دولة أكثر استقلالًا عن الضغوط الخارجية. وهذا يفرض على الدولة اليمنية المستقبلية أن تتعامل مع موقعها بذكاء. لا يمكنها أن تتصرف وكأن موقعها غير مهم، ولا أن تحاول تحويله إلى أداة ابتزاز دائم للآخرين.
الأفضل أن تجعل استقرار اليمن نفسه مصلحة للجميع. عندما تحتاج السعودية إلى استقرار اليمن، وتحتاج دول الخليج إلى موانئه، وتحتاج التجارة الدولية إلى أمن ممراته، وتحتاج أفريقيا إلى خدماته، وتحتاج الشركات إلى الاستثمار فيه، يصبح استقرار اليمن جزءًا من مصالح أطراف كثيرة.
وهذه أقوى حماية يمكن أن تحصل عليها دولة صغيرة أو متوسطة في بيئة جيوسياسية معقدة.
اليمن لن يحتاج إلى أن يصبح نسخة من دولة أخرى
من الخطأ أن نقول إن اليمن يمكن أن يصبح «سنغافورة أخرى» أو «دبي أخرى». اليمن أكبر مساحة وسكانًا، وتضاريسه مختلفة، وتاريخه السياسي والاجتماعي مختلف، ومشكلاته أكثر تعقيدًا. لكن اليمن يستطيع أن يبني نموذجه الخاص.
يمكن أن تكون صنعاء مركز الدولة والإدارة والثقافة، وعدن مركزًا بحريًا وتجاريًا، وتعز مركزًا صناعيًا وتجاريًا، وحضرموت مركزًا للطاقة والزراعة والتجارة، والمكلا مركزًا بحريًا وسياحيًا، بينما تلعب مدن أخرى أدوارًا زراعية وصناعية ومحلية.
المهم ألا يُبنى مستقبل البلد كله حول مدينة واحدة أو مورد واحد.
ماذا يمكن أن يصبح اليمن بعد ثلاثين سنة؟
إذا افترضنا سيناريو متفائلًا لكنه واقعي: دولة موحدة ومستقرة، مؤسسات تعمل، أمن داخلي، علاقات إقليمية متوازنة، استثمارات في البنية التحتية، وإدارة أفضل للموارد، فإن اليمن بعد ثلاثين سنة يمكن أن يكون مختلفًا جذريًا عن صورته الحالية.
لن يكون بالضرورة أغنى دولة عربية، وربما لن يكون حتى من أغنى دول المنطقة.
لكن يمكن أن يصبح دولة ذات اقتصاد متنوع، وموانئ مهمة، وثروة سمكية وزراعية، وصناعة خفيفة، وسياحة، وطاقة، وخدمات لوجستية، وسوق داخلية كبيرة، وعلاقات اقتصادية واسعة مع الخليج وأفريقيا وآسيا.
والأهم أنه يمكن أن يتحول من دولة يُنظر إليها باعتبارها مشكلة إقليمية إلى دولة يُنظر إليها باعتبارها جزءًا من الحل الاقتصادي للمنطقة.
المشكلة الحقيقية ليست في الموقع
اليمن لم يكن يفتقد الموقع الجغرافي يومًا.
الموقع موجود منذ آلاف السنين، والتجارة مرت من هذه المنطقة قبل ظهور الدول الحديثة بوقت طويل.
ما كان ينقصه في العقود الأخيرة هو القدرة على تحويل الموقع والموارد البشرية والطبيعية إلى مؤسسات واقتصاد مستقر.
ولهذا فإن مستقبل اليمن لا يتوقف فقط على كمية النفط التي يمتلكها، ولا على عدد الموانئ التي يمكن تطويرها، ولا حتى على موقع باب المندب. إنه يتوقف قبل ذلك كله على سؤال أكثر بساطة وصعوبة:
هل يستطيع اليمن أن يبني دولة مستقرة بما يكفي لكي يستفيد من موقعه بدل أن يتحول موقعه إلى سبب جديد للصراع؟
إذا استطاع، فإن الجغرافيا التي كانت طوال عقود جزءًا من مأساة اليمن يمكن أن تصبح جزءًا من نهضته. فاليمن لا يحتاج إلى موقع جديد.
إنه يحتاج فقط إلى أن يستطيع أخيرًا استخدام الموقع الذي لديه.