
حين لا يكون السؤال: من يريد الحرب؟ بل من يستطيع التكيف مع السلام؟
من السهل أن ننظر إلى اليمن اليوم ونفترض أن الجميع يريد الشيء نفسه: أن تتوقف الحرب، ويعود الأمن، وتُبنى الدولة، وينهض الاقتصاد. ومن حيث المبدأ، لا توجد دولة عاقلة يمكن أن تعلن أن الفوضى في اليمن هي هدفها المفضل إلى الأبد. فالحرب مكلفة، والفوضى تعبر الحدود، والصواريخ تهدد الجيران، والملاحة البحرية تتأثر، والهجرة والأزمات الإنسانية لا تبقى داخل دولة واحدة.
لكن السياسة الدولية لا تعمل دائمًا وفق السؤال الأخلاقي البسيط: هل تريد السلام أم الحرب؟
السؤال الأكثر واقعية هو: أي نوع من السلام تريده؟ وأي يمن سيخرج من هذا السلام؟
فهناك فرق كبير بين يمن تتوقف فيه الحرب لكنه يبقى ضعيفًا ومقسمًا اقتصاديًا وسياسيًا، ويعتمد على الخارج، وبين يمن موحد ومستقر يمتلك دولة مركزية فعالة، واقتصادًا متنوعًا، وموانئ نشطة، وسياسة خارجية مستقلة.
الأول يريح المنطقة من الفوضى. أما الثاني فقد يغير توازناتها. وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
ليس كل استقرار يصنع قوة
يمكن أن يستقر بلد ما دون أن يصبح قوة. قد تتوقف الحرب، وتعمل المؤسسات بالحد الأدنى، وتصل المساعدات، وتتحسن الحياة، لكن الدولة تبقى ضعيفة اقتصاديًا، وتعتمد على جيرانها، ولا تملك قدرة حقيقية على اتخاذ قرار مستقل. هذا النوع من الاستقرار مريح للجميع تقريبًا. فهو يمنع الفوضى، لكنه لا يغير موازين القوى.
أما اليمن الذي يمكن أن يصبح مشكلة في الحسابات الجيوسياسية فهو يمن آخر: دولة تستمر في الاستقرار لعقود، تستثمر في الموانئ والطرق والتعليم والطاقة، وتبني جيشًا وطنيًا، وتوحد اقتصادها، وتستفيد من موقعها بين البحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج. هنا لا نتحدث عن بلد خرج من الحرب فقط. بل عن بلد دخل مرحلة جديدة.
الجغرافيا التي يمكن أن توقظ اليمن
المشكلة أن اليمن لا يقع في مكان عادي. إلى شماله السعودية، وإلى الشرق عُمان، وأمامه البحر الأحمر، وخليج عدن، وبحر العرب، وعلى مقربة منه القرن الأفريقي وأحد أهم طرق التجارة العالمية. ولديه عدن والحديدة والمخا والمكلا وسواحل طويلة وجزر ذات مواقع استثنائية.
في وضع الضعف، تتحول هذه الجغرافيا إلى مصدر تهديد: حدود صعبة، وسواحل يصعب ضبطها، وممرات يمكن أن تتحول إلى ساحات صراع.
لكن في وضع القوة، تصبح الجغرافيا نفسها مصدر نفوذ. وهذا هو التحول الذي يجعل مستقبل اليمن مهمًا خارج اليمن نفسه. فالدولة التي تسيطر على أرضها لا تنظر إلى البحر باعتباره نهاية حدودها، بل باعتباره طريقًا إلى العالم.
السعودية: بين الحاجة إلى الاستقرار والحذر من القوة
بالنسبة إلى السعودية، لا يمكن اختزال اليمن في فكرة المنافس أو الخصم. فاستقرار اليمن يمثل مصلحة سعودية واضحة. دولة مستقرة تعني حدودًا أكثر أمنًا، وتراجع تهديد الجماعات المسلحة، وانخفاض احتمالات الصواريخ والهجمات، وفرصًا أكبر للتجارة والتنمية في المناطق الحدودية.
لكن ذلك لا يعني أن كل سيناريوهات القوة اليمنية ستكون بلا تأثير في الحسابات السعودية. فتخيل يمنًا مستقرًا بعد ثلاثين عامًا، بعدد سكان كبير، واقتصاد متنامٍ، وموانئ دولية، وقدرة عسكرية موحدة، وسياسة خارجية مستقلة.
عندها لن تكون السعودية أمام الجار الذي عرفته خلال العقود الماضية. ستكون أمام دولة كبيرة نسبيًا، تقع على كامل حدودها الجنوبية تقريبًا، وتمتلك موقعًا بحريًا يمكن أن يجعلها بوابة مستقلة للتجارة والطاقة والخدمات.
وهذا لا يعني أن السعودية ستعمل بالضرورة ضد يمن كهذا. فالاقتصاد السعودي نفسه قد يستفيد من وجود جار مستقر ومزدهر. لكن من الطبيعي أن يتغير ميزان العلاقة. فالفرق كبير بين التعامل مع دولة تعتمد عليك اقتصاديًا وسياسيًا، والتعامل مع دولة تستطيع أن تقول «لا».
الإمارات: حين تصبح الموانئ جزءًا من السياسة
إذا كان اليمن يمتلك نقطة حساسة في علاقته بالقوى البحرية في المنطقة، فهي الموانئ. فالإمارات بنت خلال العقود الماضية حضورًا اقتصاديًا ولوجستيًا بحريًا كبيرًا، وأصبحت الموانئ وشبكات النقل جزءًا أساسيًا من قوتها الاقتصادية الإقليمية.
ومن هنا لا يمكن تجاهل السؤال الذي يفرضه اليمن المستقر: ماذا يحدث إذا عملت عدن بكل طاقتها؟ وماذا لو تطورت معها المكلا وموانئ أخرى على البحر الأحمر وبحر العرب؟
لا يعني هذا أن عدن ستقضي على موانئ الخليج أو أن التجارة لعبة صفرية يفوز فيها ميناء واحد ويخسر الآخر. هذا تبسيط غير واقعي. التجارة الحديثة تحتاج إلى شبكات متعددة، والاقتصادات المتنامية تخلق فرصًا جديدة للجميع.
لكن من الخطأ أيضًا الادعاء بأن ظهور مراكز بحرية جديدة لا يغير شيئًا. الميناء الناجح يجذب شركات وخدمات واستثمارات وحركة تجارية. وكل حركة تنتقل إلى ميناء ما تعني إعادة توزيع جزئية للقوة الاقتصادية.
ولهذا فإن اليمن القوي اقتصاديًا لن يكون مجرد شريك محتمل لدول الخليج، بل قد يصبح أيضًا منافسًا في بعض القطاعات. والعلاقة بين الشراكة والمنافسة ليست تناقضًا. يمكن أن توجد الاثنتان في الوقت نفسه.
عُمان: الجار الذي قد يرى فرصة مختلفة
الحالة العُمانية أكثر تعقيدًا وأقل صدامية.
فاليمن المستقر يمكن أن يكون فرصة كبيرة لعُمان، خصوصًا للمناطق القريبة من الحدود اليمنية. التجارة البرية، والاستثمار، والسياحة، والطرق، والتكامل بين الموانئ، كلها احتمالات يمكن أن تعود بالنفع على الطرفين.
لكن ظهور يمن قوي على بحر العرب سيغير أيضًا البيئة الاقتصادية المحيطة بالموانئ العُمانية. مرة أخرى، لا يعني هذا أن هناك سببًا للصراع. بل يعني أن الاستقرار يعيد توزيع الأدوار. فالاقتصاد لا يتوقف عندما تصبح دولة ما أقوى؛ بل تبدأ بقية الدول في إعادة حساب مواقعها بالنسبة إليها.
وقد تكون عُمان من أكثر الدول القادرة على الاستفادة من يمن مستقر، لأنها تستطيع النظر إليه كسوق وجار وشريك في فضاء بحر العرب بدل النظر إليه فقط باعتباره مصدرًا للخطر.
من يملك البحر يملك خيارات أكثر
المشكلة في الحديث عن اليمن هي أننا اعتدنا النظر إليه كدولة برية فقيرة. ننظر إلى الجبال والقبائل والحدود والحروب. لكن اليمن دولة بحرية أيضًا. بل إن أحد أكبر أسباب أهميته أنه يمتلك واجهات بحرية متعددة.
في يمن مستقر، يمكن لعدن أن تكون مركزًا لإعادة الشحن والخدمات البحرية، وللمكلا أن تتوسع في التجارة والثروة السمكية، ولموانئ البحر الأحمر أن تستعيد دورها، ولسقطرى أن تصبح نقطة اقتصادية وسياحية وعلمية ذات قيمة خاصة.
وهنا لا يصبح اليمن تابعًا لطريق التجارة. بل يصبح جزءًا من بنيته. والدول التي تصبح عقدًا في شبكات التجارة تمتلك هامشًا أكبر في السياسة.
باب المندب: من ساحة صراع إلى مصدر قوة
باب المندب هو المثال الأكثر وضوحًا. في اليمن الضعيف، يصبح المضيق مصدر قلق للعالم. تأتي السفن والجيوش والقواعد الدولية لحماية الملاحة من المخاطر التي تنطلق من الأراضي اليمنية أو من الصراع حولها. أما في اليمن القوي، فقد يصبح أمن المضيق نفسه مصلحة يمنية واقتصادية وطنية. لأن الدولة التي تستفيد من مرور التجارة لا مصلحة لها في تعطيلها.
وهنا يتغير موقع اليمن من مصدر للمشكلة إلى جزء من حلها. لكن هذا التحول يمنح صنعاء، أو أي عاصمة يمنية مستقبلية موحدة، صوتًا أكبر في قضايا البحر الأحمر. وهذا بالتحديد هو الفرق بين الدولة التي تقع قرب موقع استراتيجي، والدولة التي تستطيع استخدام هذا الموقع.
المشكلة ليست أن اليمن سيصبح قويًا... بل أنه قد يصبح مستقلًا
في السياسة الدولية، القوة وحدها ليست دائمًا مصدر القلق. الدولة الغنية التي تعتمد سياسيًا على قوة أكبر ليست مثل الدولة الأقل ثراءً لكنها قادرة على اتخاذ قرار مستقل. ولهذا فإن السيناريو الذي قد يغير حسابات المنطقة ليس مجرد يمن غني.
- بل يمن يستطيع أن يحدد مصالحه بنفسه.
- يمن لا يعتمد بالكامل على دولة واحدة في اقتصاده.
- ولا يحتاج إلى وصاية أمنية دائمة.
- ولا يضطر إلى اختيار معسكر واحد.
- ولا تصبح موانئه وممراته وموارده أوراقًا يقرر الآخرون كيف تستخدم.
هذا النوع من الاستقلال ليس سهلًا، بل قد يكون أصعب من تحقيق النمو الاقتصادي نفسه. لأن الاستقلال يحتاج إلى اقتصاد متنوع، ومؤسسات قوية، وقدرة على حماية القرار الوطني من الداخل والخارج.
هل تريد الدول المجاورة يمنًا ضعيفًا؟
هنا يجب مقاومة الجملة السهلة. القول إن «كل الدول المجاورة تريد تدمير اليمن» ليس تحليلًا سياسيًا، بل تفسير مريح لكل شيء.
فالدول المجاورة دفعت أيضًا أثمانًا كبيرة من عدم الاستقرار. الأمن تضرر، والتجارة تضررت، والاستثمارات تعطلت، والتهديدات العسكرية توسعت، وأصبحت المنطقة أكثر عرضة للتدخل الدولي. لذلك من غير المنطقي القول إن الجميع يستفيد من الحرب.
لكن من الممكن، وهذا هو السؤال الأهم، أن تكون بعض القوى أكثر ارتياحًا إلى يمن مستقر لكنه محدود القوة من يمن مستقر وقوي ومستقل بالكامل. وهذا ليس استثناءً يمنيًا.
فالدول الكبرى والإقليمية في كل أنحاء العالم تفضل عادة أن تكون البيئة المحيطة بها مستقرة بما يكفي لمنع الفوضى، لكنها تراقب بحذر ظهور قوى جديدة يمكن أن تغير التوازن.
المشكلة ليست في اليمن وحده.
المشكلة في طبيعة الجغرافيا السياسية نفسها.
اليمن الذي قد يغير المنطقة
إذا استقر اليمن فعلًا لعقود، فإن السؤال لن يكون فقط عن ارتفاع دخله أو انخفاض البطالة.
سيبدأ الحديث عن أشياء أكبر.
- كيف ستتغير التجارة بين السعودية وبحر العرب؟
- ما مستقبل عدن؟
- كيف ستتوزع حركة الموانئ في المنطقة؟
- هل يمكن لليمن أن يصبح بوابة لشرق أفريقيا؟
- كيف سيتعامل مع البحر الأحمر؟
- ما دوره في أمن باب المندب؟
- هل يستطيع بناء علاقة متوازنة مع الخليج وإيران والقرن الأفريقي والقوى الدولية؟
وهنا سيظهر يمن جديد. ليس قوة عظمى، وليس بالضرورة دولة تنافس السعودية أو الإمارات على كل شيء. بل دولة لا يمكن تجاهلها. وهذا في حد ذاته تغيير كبير.
السلام الذي قد يخلق لاعبًا جديدًا
ربما كانت المفارقة أن اليمن المستقر سيكون أفضل للجميع اقتصاديًا وأمنيًا على المدى الطويل. التجارة ستزداد، والحدود ستصبح أكثر أمنًا، والملاحة ستكون أكثر استقرارًا، وستظهر فرص للاستثمار والتكامل الاقتصادي. لكن على المدى القصير والمتوسط، سيضطر الجميع إلى التكيف مع واقع جديد.
- دولة كانت لعقود ساحة للمشكلات ستتحول إلى لاعب.
- ودولة كانت تستقبل سياسات الآخرين قد تبدأ في صياغة سياساتها الخاصة.
وهذا هو السبب في أن السؤال الحقيقي ليس: من يريد أن تبقى الحرب في اليمن؟ بل: هل الجميع مستعد فعلًا ليمن يخرج من الحرب أقوى مما كان قبلها؟
فربما لا يخاف أحد من سلام اليمن. لكن السلام الذي يصنع دولة يمنية قوية ومستقلة قد يكون أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد وقف إطلاق النار. وقد تكون هذه هي المفارقة الأكبر في قصة اليمن:
أن الجميع قد يريدون انتهاء الفوضى، لكن ليس بالضرورة أن يتخيل الجميع اليمن نفسه بالطريقة التي يتخيل بها اليمنيون مستقبل بلدهم.