
لم تنتهِ الحرب في غزة بالمعنى السياسي، حتى لو تراجعت حدتها العسكرية مقارنة بمراحلها السابقة. فالهدنة التي دخلت حيز التنفيذ فتحت بابًا جديدًا، لكنها لم تغلق أبواب الصراع. وبينما يفترض أن تكون الهدنة مقدمة لوقف دائم للحرب، وإعادة الإعمار، وعودة السكان إلى حياتهم، تحولت غزة سريعًا إلى ساحة صراع من نوع آخر: صراع على شكل المرحلة المقبلة، وعلى من يملك حق تحديد مستقبل القطاع.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فالأطراف لم تعد تتفاوض فقط على وقف إطلاق النار، وإنما على ترتيب سياسي وأمني كامل لما بعد الحرب. وهذا الترتيب يصطدم بثلاث قضايا مترابطة: سلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي، ومن سيحكم غزة بعد انتهاء الحرب.
من وقف الحرب إلى التفاوض على ما بعدها
في الحروب التقليدية يكون وقف إطلاق النار مرحلة انتقالية نحو اتفاق سياسي. لكن حالة غزة أكثر تعقيدًا؛ لأن الطرفين لا ينظران إلى الهدنة باعتبارها النتيجة نفسها.
بالنسبة إلى إسرائيل، لا يمكن أن تصبح الهدنة نهاية للحرب ما دامت حماس تحتفظ بقدرتها العسكرية. ولذلك أصبح نزع سلاح حماس جوهر الرؤية الإسرائيلية للمرحلة المقبلة. وقد أكدت إسرائيل أنها لا تريد الانسحاب من المواقع التي تسيطر عليها في غزة قبل التأكد من نزع سلاح الحركة.
أما بالنسبة إلى حماس، فإن التخلي عن السلاح قبل وجود ضمانات حقيقية للانسحاب الإسرائيلي وإنهاء السيطرة العسكرية يعني عمليًا التخلي عن أهم أوراق القوة التي بقيت لديها. ولذلك فإن القضية ليست مجرد خلاف تقني حول كمية السلاح أو آلية تسليمه، بل خلاف على تسلسل الخطوات.
- هل تنزع حماس سلاحها أولًا ثم تنسحب إسرائيل؟
- أم تنسحب إسرائيل تدريجيًا مقابل نزع تدريجي للسلاح؟
الفرق بين الخيارين هائل. فالطرف الذي يقدم تنازله أولًا يخشى أن يفقد وسيلة الضغط التي يحتاج إليها لإجبار الطرف الآخر على تنفيذ الجزء المقابل من الاتفاق. وهذا تحديدًا هو أحد أسباب الجمود الحالي.
المشكلة الحقيقية: الثقة معدومة
يمكن التوصل إلى عشرات الاتفاقات على الورق، لكن الاتفاق يحتاج إلى شيء آخر حتى يعمل: الثقة بأن الطرف الآخر سينفذ ما وعد به. وهذه هي الحلقة المفقودة في غزة.
إسرائيل تخشى أن يؤدي الانسحاب إلى إعادة بناء حماس لقدراتها العسكرية، وبالتالي العودة إلى الحرب بعد فترة قصيرة. وحماس، من جهتها، لا تملك سببًا قويًا للاعتقاد بأن تسليم سلاحها سيضمن بالضرورة انسحابًا إسرائيليًا كاملًا أو نهاية فعلية للسيطرة العسكرية.
ولهذا يصبح كل بند في الاتفاق مرتبطًا بالبند الآخر.
الانسحاب مرتبط بنزع السلاح، ونزع السلاح مرتبط بالانسحاب، وإعادة الإعمار مرتبطة بالأمن، والأمن مرتبط بمن يحكم القطاع.
وبذلك تتحول عملية السلام إلى دائرة مغلقة.
الهدنة لم توقف الصراع العسكري بالكامل
المشكلة أن استمرار الضربات الإسرائيلية داخل غزة يجعل بناء الثقة أكثر صعوبة. ففي أغسطس، أدانت مصر وقطر وتركيا الضربات الإسرائيلية وطالبت إسرائيل بالالتزام بتعهداتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.
وهذا مهم سياسيًا أكثر مما يبدو. فالوسطاء الذين يفترض أن يساعدوا في نقل الأطراف من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية يجدون أنفسهم مضطرين في الوقت نفسه إلى منع انهيار المرحلة الأولى. أي أن الدبلوماسية لا تعمل الآن على بناء السلام فقط؛ بل تعمل على إنقاذ الهدنة نفسها.
وهنا تظهر هشاشة الترتيب الحالي: إذا استمرت العمليات العسكرية بوتيرة معينة، فإن الهدنة قد تتحول من مرحلة انتقالية إلى مجرد توقف مؤقت بين جولتين من الحرب.
دخول الولايات المتحدة بقوة في هندسة «اليوم التالي»
التحول الأهم ربما أن الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع غزة باعتبارها مشكلة بين إسرائيل وحماس فقط.
الخطة الأمريكية الحالية تربط بين نزع سلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة تنظيم إدارة القطاع. وقد أصبح المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر منخرطًا بصورة مباشرة في محاولة إنقاذ المسار، بما في ذلك لقاءات مع مسؤولين من حماس والجانب الإسرائيلي عبر الوساطة المصرية.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد: كيف نوقف الحرب؟ بل أصبح: كيف نبني نظامًا جديدًا في غزة يمنع عودة الحرب؟
والسؤال الثاني أصعب بكثير من الأول.
لأن وقف إطلاق النار يمكن أن توقعه الأطراف المتحاربة، أما بناء نظام سياسي وأمني مستقر فيحتاج إلى أطراف أخرى، ومؤسسات، وتمويل، وقوة أمنية، وضمانات دولية، وقبول فلسطيني وإسرائيلي وإقليمي.
مصر وقطر وتركيا: الوسطاء يتحولون إلى جزء من المعادلة
وجود مصر وقطر وتركيا في المسار ليس مجرد دور وساطة تقليدي.
مصر تملك الجغرافيا والحدود مع غزة، وقطر تملك قنوات اتصال واسعة مع حماس والولايات المتحدة، بينما تمتلك تركيا علاقة سياسية قوية مع الحركة وقد أصبحت لاعبًا إقليميًا رئيسيًا في القضية الفلسطينية.
ولهذا فإن الدول الثلاث تحاول منع انهيار الهدنة، لكنها في الوقت نفسه تحاول التأثير في شكل النظام الذي سيولد بعدها. وقد أصدرت الدول الثلاث بيانات مشتركة تؤكد ضرورة التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار ووقف الانتهاكات.
لكن هناك حدودًا لهذا الدور.
فالوسطاء يستطيعون تقريب المواقف، لكنهم لا يستطيعون وحدهم حل التناقض الأساسي: إسرائيل تريد ضمانًا أمنيًا طويل الأمد، بينما يريد الفلسطينيون إنهاء السيطرة الإسرائيلية وامتلاك سلطة فلسطينية حقيقية على القطاع.
ومن سيحكم غزة؟
هذه ربما أهم قضية يجري تجاهلها عندما يختصر النقاش في «سلاح حماس».
حتى لو اتفق الطرفان غدًا على صيغة لنزع السلاح، يبقى السؤال:
من يدير غزة؟
فالحركة التي حكمت القطاع لسنوات لا يمكن ببساطة أن تختفي سياسيًا بقرار تفاوضي. وفي الوقت نفسه، لا تبدو إسرائيل راغبة في إدارة غزة بصورة مباشرة ودائمة، لأن ذلك سيعني تحمل مسؤولية سياسية وأمنية واقتصادية ضخمة.
أما السلطة الفلسطينية، فتظل الخيار الطبيعي نظريًا في أي صيغة فلسطينية، لكن عودتها إلى غزة ليست مسألة إدارية بسيطة؛ فهي تحتاج إلى قبول إسرائيلي وأمريكي وإقليمي، والأهم إلى قبول فلسطيني داخلي.
ثم هناك احتمال إنشاء إدارة تكنوقراطية أو هيئة انتقالية مدعومة عربيًا ودوليًا.
وهنا تبدأ المشكلة من جديد:
- من يحمي هذه الإدارة؟
- من يمولها؟
- من يفرض قراراتها؟
- وما علاقتها بحماس؟
- وما علاقتها بالسلطة الفلسطينية؟
- ومن يضمن ألا تتحول إلى سلطة تعتمد في بقائها على القوة الإسرائيلية؟
هذه الأسئلة لم تجد إجابات نهائية بعد.
إعادة الإعمار ليست مجرد عملية اقتصادية
غزة المدمرة تحتاج إلى إعادة إعمار هائلة، لكن إعادة البناء نفسها أصبحت جزءًا من الصراع السياسي.
فالجهات التي ستدفع الأموال تريد ضمانًا بأن الأموال لن تتحول إلى تمويل عسكري جديد. وإسرائيل تريد آليات رقابة أمنية، بينما يريد الفلسطينيون أن تكون عملية الإعمار واسعة وسريعة وألا تتحول إلى أداة للسيطرة السياسية.
كما أن الوضع الإنساني لا يزال شديد الصعوبة؛ إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى استمرار النشاط العسكري والاحتياجات الإنسانية الكبيرة، رغم التحسن النسبي في بعض المؤشرات مقارنة بالمراحل الأكثر حدة من الحرب.
وهذا يضع المجتمع الدولي أمام معادلة صعبة:
لا يمكن بناء السلام من دون إعادة إعمار، ولا يمكن إعادة الإعمار من دون استقرار، ولا يمكن ضمان الاستقرار من دون حل سياسي وأمني.
وهكذا يعود كل شيء إلى النقطة الأولى.
إسرائيل نفسها ليست كتلة سياسية واحدة
هناك خطأ شائع في قراءة الموقف الإسرائيلي باعتباره موقفًا موحدًا.
الحكومة الإسرائيلية تريد ضمانات أمنية صارمة، ونتنياهو يصر على أن الانسحاب لا يمكن أن يسبق نزع سلاح حماس. لكن داخل إسرائيل نفسها توجد خلافات حول كيفية إنهاء الحرب، وحول حجم الانسحاب، وحول مستقبل غزة.
لذلك فإن نتنياهو لا يتفاوض مع حماس والوسطاء فقط؛ بل يتحرك أيضًا داخل نظام سياسي إسرائيلي شديد التعقيد.
وهذا يجعل الاتفاق أصعب. فأي تنازل إسرائيلي كبير يمكن أن يتحول إلى أزمة داخل الائتلاف، وأي تنازل فلسطيني كبير يمكن أن يضعف حماس أمام جمهورها.
وبالتالي فإن القيادات نفسها لديها قيود سياسية تمنعها من تقديم تنازلات سهلة.
غزة أمام ثلاثة احتمالات
إذا استمرت المعادلة الحالية، فأرى أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
الأول: صفقة تدريجية
وهو السيناريو الأكثر عقلانية.
نزع تدريجي للسلاح مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، مع إنشاء إدارة فلسطينية انتقالية وإدخال قوة أمنية أو دولية للمساعدة في تثبيت الوضع، ثم إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة.
هذا السيناريو لا يحتاج إلى ثقة كاملة بين الأطراف؛ بل يحتاج إلى آلية تجعل الغدر مكلفًا للطرفين.
وهو ربما الحل الأكثر واقعية.
الثاني: هدنة طويلة بلا تسوية
قد يستمر الوضع الحالي لفترة طويلة.
لا حرب شاملة، ولا سلام حقيقي.
إسرائيل تحتفظ بوجود أمني ومناطق سيطرة، وحماس تحتفظ بجزء من نفوذها وسلاحها، وتستمر المفاوضات دون الوصول إلى اتفاق نهائي.
وهذا السيناريو قد يكون أكثر احتمالًا مما يبدو، لأنه يسمح لكل طرف بتجنب التنازل الكبير.
لكن ثمنه سيكون استمرار غزة في حالة معلقة، مع إعادة إعمار بطيئة وأزمة سياسية مستمرة.
الثالث: انهيار الهدنة
إذا فشلت المفاوضات حول السلاح والانسحاب، وإذا استمرت الضربات والاحتكاكات، فقد تنهار الهدنة وتعود الحرب إلى مستوى أعلى.
وهذا السيناريو هو الأسوأ، لأنه يعني أن الأشهر التي استُثمرت في بناء الترتيبات الجديدة لم تنتج تسوية، بل مجرد استراحة عسكرية.
المشكلة ليست في غياب الاتفاق فقط
المشكلة الأعمق أن الأطراف لم تتفق حتى الآن على تعريف معنى انتهاء الحرب.
- إسرائيل يمكن أن تعتبر الحرب منتهية عندما تزول القدرة العسكرية لحماس.
- حماس قد تعتبرها منتهية عندما تنسحب إسرائيل وتُنهي سيطرتها.
- الفلسطينيون عمومًا قد يعتبرونها منتهية عندما تبدأ مرحلة سياسية تقود إلى تقرير المصير والدولة.
- والولايات المتحدة قد تعتبرها منتهية عندما يصبح القطاع قابلًا للإدارة من دون تهديد أمني لإسرائيل.
هذه أربعة تعريفات مختلفة لـ«نهاية الحرب».
ولهذا يمكن أن تتوقف العمليات العسكرية، ومع ذلك تبقى الحرب سياسيًا قائمة.
غزة دخلت مرحلة ما بعد الحرب قبل أن تنتهي الحرب فعليًا
وهذه هي المفارقة التي تختصر المشهد كله.
غزة بدأت تدخل مرحلة «ما بعد الحرب» بينما لم تُحسم بعد القضايا التي أنهت الحرب من أجلها.
- لم يُحسم مستقبل سلاح حماس.
- لم يُحسم الانسحاب الإسرائيلي.
- لم تُحسم السلطة التي ستدير القطاع.
- لم تُحسم آلية إعادة الإعمار.
- ولم تُحسم العلاقة بين غزة والسلطة الفلسطينية والمشروع السياسي الفلسطيني الأوسع.
لذلك فإن المرحلة الحالية ليست سلامًا، وليست حربًا بالمعنى التقليدي.
إنها مرحلة انتقالية معلقة بين الاثنين.
والخطر أن تتحول هذه المرحلة إلى وضع دائم: لا حرب شاملة تسمح بإغلاق الملف، ولا سلام حقيقي يسمح بفتح صفحة جديدة.
الخلاصة
المعركة المقبلة في غزة لن تكون بالضرورة معركة عسكرية كبرى. قد تكون معركة سياسية وأمنية على من يملك مفاتيح القطاع بعد الحرب.
فإذا استطاعت الأطراف الوصول إلى صيغة تربط نزع السلاح بالانسحاب، وتضع إدارة فلسطينية مقبولة، وتوفر ضمانات دولية وعربية، فقد تتحول الهدنة إلى بداية تسوية تاريخية.
أما إذا أصر كل طرف على الحصول على تنازل الطرف الآخر أولًا، فستبقى غزة في المنطقة الرمادية: هدنة بلا سلام، وإدارة بلا سيادة، وإعمار بلا استقرار، ونهاية للحرب لم تكتمل بعد.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية المرحلة الحالية؛ لأن السؤال لم يعد فقط: متى تتوقف الحرب؟
بل أصبح السؤال الأصعب: ماذا سيأتي بعد أن تتوقف؟