النيجر: روسيا تدافع عن حليفها الأخير في الساحل

حين أصبحت موسكو خط الدفاع عن النظام الذي طرد الغرب

في النيجر، لم تكن أصوات الرصاص التي دوّت في العاصمة نيامي في أواخر أغسطس 2026 مجرد محاولة تمرد عسكري أخرى في بلد اعتاد الانقلابات. ما جعل الحدث مختلفاً هو أن النظام الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عام 2023 وجد نفسه مهدداً من داخل المؤسسة العسكرية، وفي اللحظة الحاسمة احتاج إلى قوة روسية كي تساعده على استعادة أحد أهم المواقع العسكرية في العاصمة.

تحرك جنود متمردون ضد مواقع استراتيجية في نيامي، بينها القاعدة الجوية 101، ومحيط القصر الرئاسي ومحطة التلفزيون الحكومية. وبعد ساعات من القتال، استعادت القوات الموالية للحكومة السيطرة على القاعدة، بمساندة عناصر من «Africa Corps» الروسية. وتشير التقارير إلى أن نحو 200 عنصر روسي شاركوا في العملية، بينما تحدثت مصادر أخرى عن استخدام طائرات مسيّرة روسية خلال استعادة القاعدة.

وهنا تكمن المفارقة السياسية الكبرى: النيجر التي أطاحت بالوجود العسكري الغربي باسم السيادة أصبحت تعتمد على روسيا لحماية السلطة التي قامت على تلك السيادة.

من فرنسا وأمريكا إلى موسكو

قبل انقلاب 2023، كانت النيجر واحدة من أهم نقاط الارتكاز الغربية في منطقة الساحل. كانت فرنسا موجودة عسكرياً، وكانت الولايات المتحدة تستخدم منشآتها العسكرية، وكانت نيامي تُنظر إليها باعتبارها شريكاً أمنياً مهماً في مواجهة الجماعات المرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة.

لكن انقلاب عبد الرحمن تياني قلب المعادلة.

أُجبرت القوات الفرنسية على مغادرة البلاد، ثم انتهى الوجود العسكري الأمريكي، واتجه النظام الجديد إلى موسكو. ومع وصول قوات «Africa Corps» الروسية، لم يكن الأمر مجرد شراء أسلحة أو توقيع اتفاقيات تدريب. لقد بدأ يتشكل ترتيب أمني جديد تكون فيه روسيا شريكاً مباشراً للنظام في حماية الدولة ومؤسساتها العسكرية.

وهذا هو السبب في أن تدخل روسيا في أحداث نيامي الأخيرة مهم أكثر من حجم القوة الروسية التي شاركت في العملية نفسها.

فموسكو لم ترسل قواتها فقط لمحاربة جماعة جهادية في الصحراء؛ بل استخدمت قواتها لحماية حكومة حليفة من خطر داخلي.

وهذا مستوى مختلف من الالتزام.

روسيا لم تدافع عن النيجر فقط

لو كان الهدف الروسي مجرد مكافحة الإرهاب، لكان من الممكن النظر إلى تدخل «Africa Corps» باعتباره عملية أمنية محدودة.

لكن الدفاع عن النظام في مواجهة تمرد داخل الجيش يحمل رسالة سياسية أكبر:

روسيا تقول لحلفائها في الساحل إن التحالف معها لا ينتهي عندما تصبح السلطة في خطر.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية سلسلة انقلابات أطاحت بحكومات كانت مرتبطة بالغرب.

في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ظهر نموذج سياسي متشابه: جيش يستولي على السلطة، يطرد أو يقلص النفوذ الفرنسي والغربي، ثم يقترب من موسكو.

ولذلك فإن نجاح روسيا في حماية الحكومة النيجرية لا يعني فقط إنقاذ تياني من محاولة تمرد؛ بل يرسل إشارة إلى الأنظمة العسكرية الأخرى بأن موسكو مستعدة للقيام بدور حارس خارجي للأنظمة التي أصبحت جزءاً من نفوذها.

وقد أصبح «Africa Corps»، الذي حل عملياً محل نموذج «فاغنر» السابق، أداة روسية أكثر ارتباطاً بالدولة الروسية ووزارة الدفاع، وليس مجرد مجموعة مرتزقة مستقلة.

لكن روسيا لا تستطيع إخفاء المشكلة الأساسية

هنا يجب ألا نخلط بين نجاح روسيا في إنقاذ النظام ونجاح النظام نفسه.

فالتمرد الأخير لم يأتِ من فراغ.

الجنود الذين تحركوا ضد القيادة العسكرية كانوا، بحسب التقارير، غاضبين من استمرار الهجمات الجهادية ومن الوضع الأمني المتدهور، وهي المفارقة الأكثر إحراجاً للمجلس العسكري.

لقد جاء تياني إلى السلطة في 2023 أساساً بحجة أن الحكومة السابقة فشلت في حماية البلاد من الجماعات المسلحة.

لكن بعد ثلاث سنوات، ما زالت جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة قادرة على مهاجمة القوات الحكومية والوصول إلى مناطق قريبة من العاصمة، بل تعرضت المنشآت العسكرية في نيامي نفسها لهجمات متكررة خلال 2026.

وهكذا بدأت المعادلة تنقلب:

الجيش أطاح بالحكومة لأنها لم تحقق الأمن، ثم بدأ بعض أفراد الجيش نفسه يتمردون على الحكومة العسكرية لأنها لم تحقق الأمن.

وهذه ليست مشكلة يمكن حلها بمجرد تغيير الحليف الخارجي.

هل تستطيع أوروبا العودة؟

من السهل النظر إلى الأزمة والقول إن فشل النموذج الروسي قد يفتح الباب أمام فرنسا وأوروبا للعودة.

لكن هذا الاستنتاج سابق لأوانه.

أوروبا فقدت الكثير من نفوذها السياسي والعسكري في الساحل خلال السنوات الماضية، وليس من السهل استعادة الثقة بمجرد أن تواجه الأنظمة العسكرية أزمة جديدة.

كما أن العودة الأوروبية ستصطدم بعقبة سياسية أساسية: السلطة الحالية في نيامي لا ترى أوروبا شريكاً أمنياً محايداً، بل جزءاً من النظام السابق الذي أطاح به الانقلاب.

ولذلك فإن أي محاولة أوروبية لإعادة النفوذ بالقوة أو عبر دعم تغيير النظام ستكون شديدة الخطورة، وقد تدفع النيجر أكثر نحو موسكو.

بل إن المفارقة أن الأزمة الأخيرة قد تجعل روسيا أكثر حضوراً، لا أقل.

فكلما شعر النظام في نيامي بأنه مهدد من الداخل، زادت حاجته إلى القوة الروسية.

وكلما زادت حاجته إلى روسيا، أصبحت موسكو أكثر قدرة على التأثير في قراراته.

القاعدة الجوية أهم مما تبدو

لا تكمن أهمية قاعدة 101 في كونها منشأة عسكرية داخل العاصمة فقط.

هذه القاعدة مرتبطة بالبنية الأمنية الجديدة لتحالف دول الساحل الذي يجمع النيجر ومالي وبوركينا فاسو. كما أنها تقع داخل واحدة من أهم مناطق الصراع بين القوات الحكومية والجماعات الجهادية.

والسيطرة على هذه المنشأة تعني عملياً السيطرة على عقدة مهمة من شبكة الأمن في منطقة الساحل.

ولهذا كان استيلاء المتمردين عليها مؤقتاً خطراً كبيراً على النظام.

وهو أيضاً ما يفسر سرعة التدخل الروسي.

روسيا لم تكن تحاول فقط منع سقوط حكومة حليفة؛ كانت تحاول منع انهيار أحد أهم مواقع نفوذها الجديدة في غرب أفريقيا.

لماذا النيجر مهمة للعالم؟

قد تبدو النيجر، بالنسبة إلى المراقب البعيد، دولة صحراوية فقيرة وبعيدة عن مراكز الاقتصاد العالمي.

لكن موقعها يجعلها أكثر أهمية بكثير من حجم اقتصادها.

تقع النيجر في قلب الساحل، بين شمال أفريقيا وغرب أفريقيا، وتجاور الجزائر وليبيا ومالي وبوركينا فاسو وتشاد ونيجيريا وبنين.

ومن أراضيها يمكن التأثير في مساحة جغرافية هائلة تمتد من الصحراء الكبرى إلى خليج غينيا.

ثم هناك الطاقة والموارد.

اليورانيوم كان تاريخياً أحد أهم عناصر العلاقة بين النيجر وأوروبا، ولا سيما فرنسا. كما أن البلاد تمتلك موارد معدنية أخرى، إضافة إلى موقعها في منطقة تشهد تنافساً متزايداً على الذهب والنفط والموارد الطبيعية.

لكن أهميتها لا تتوقف على الموارد.

الساحل نفسه أصبح منطقة تماس بين عدة دوائر استراتيجية:

روسيا تريد توسيع نفوذها في أفريقيا.

الصين تريد حماية تجارتها واستثماراتها وشبكاتها الاقتصادية.

أوروبا تريد الحد من الإرهاب والهجرة غير النظامية وتأمين مصالحها في شمال أفريقيا وغربها.

الولايات المتحدة تريد منع تمدد روسيا والصين والجماعات الجهادية.

والدول الإقليمية، خصوصاً الجزائر ونيجيريا والمغرب، تنظر إلى التحولات في الساحل باعتبارها مسألة أمن قومي.

لهذا فإن ما يحدث في نيامي لا يبقى داخل النيجر.

الجزائر تدخل المعادلة أيضاً

من اللافت أن الجزائر أظهرت دعماً للنيجر في أعقاب الأزمة، وتحدثت تقارير عن إرسال طائرات مقاتلة ومعدات للمساعدة.

وهذا يضيف بعداً آخر للمشهد.

فالجزائر لا تريد أن ترى انهياراً أمنياً على حدودها الجنوبية، ولا تريد بالضرورة أن ترى منطقة الساحل تتحول إلى مجال روسي خالص، لكنها في الوقت نفسه لا تنظر إلى العودة الفرنسية أو الغربية إلى المنطقة بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها قبل الانقلابات.

لذلك تتقاطع مصالح الجزائر وروسيا والسلطات العسكرية في نيامي في بعض الملفات، حتى وإن لم تكن أهدافها الاستراتيجية متطابقة.

وهنا تصبح النيجر جزءاً من شبكة أوسع بكثير من مجرد صراع روسي ــ أوروبي.

المعركة الحقيقية ليست على القصر

الحدث الأخير قد ينتهي عسكرياً خلال ساعات، لكن معناه السياسي سيستمر طويلاً.

المتمردون فشلوا في إسقاط النظام.

روسيا نجحت في مساعدة حليفها.

الحكومة استعادت القاعدة.

لكن السؤال الأصعب بقي دون إجابة:

هل تستطيع هذه السلطة أن تعالج السبب الذي جعل جنودها يتمردون عليها أصلاً؟

إذا استمر تدهور الوضع الأمني، فإن روسيا ستجد نفسها أمام معادلة صعبة: يمكنها حماية النظام من انقلاب أو تمرد، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة مستقرة أو القضاء على كل الجماعات المسلحة.

وهذا هو الحد الفاصل بين النفوذ والسيطرة.

روسيا تستطيع حماية حليفها.

لكن حماية الحليف لا تعني بالضرورة حل أزمته.

الساحل يدخل عصر التنافس المفتوح

ما يحدث في النيجر يمثل صورة مصغرة للتحول الأكبر في أفريقيا.

لم تعد القارة مجرد ساحة تتنافس فيها القوى الغربية على النفوذ الاقتصادي والسياسي.

لقد أصبحت مجالاً متعدد الأقطاب.

روسيا موجودة عسكرياً.

الصين موجودة اقتصادياً.

أوروبا تحاول الحفاظ على مصالحها الأمنية.

الولايات المتحدة تعيد حساباتها.

والقوى الأفريقية نفسها، من الجزائر إلى نيجيريا وجنوب أفريقيا وغيرها، أصبحت أكثر استعداداً للتحرك وفق مصالحها الخاصة بدلاً من الاصطفاف الكامل مع أحد المعسكرين.

ولهذا فإن خروج القوات الغربية من الساحل لم يكن نهاية الصراع على المنطقة.

كان بداية مرحلة جديدة منه.

فالفراغ الذي تركته فرنسا والولايات المتحدة لم يبقَ فراغاً طويلاً.

روسيا دخلت إليه.

لكن الأهم أن موسكو لم تدخل كقوة عسكرية فقط، بل كطرف مستعد لحماية الأنظمة التي أصبحت تعتمد عليها.

وهنا تكمن دلالة أحداث نيامي.

ففي اللحظة التي اهتز فيها النظام الذي طرد أوروبا من النيجر، لم تكن باريس هي التي وصلت لإنقاذه.

كانت موسكو.

وهذه الصورة وحدها تختصر التحول الجيوسياسي الذي شهدته منطقة الساحل خلال السنوات الثلاث الماضية.

لكنها تختصر أيضاً تناقضه الأكبر:

النيجر أرادت أن تتحرر من الاعتماد على الخارج، فانتهت إلى الاعتماد على شريك خارجي جديد.

وهذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل الساحل كله: هل استبدلت دول المنطقة نفوذ قوة بنفوذ قوة أخرى، أم أنها تبني فعلاً نظاماً مستقلاً قادراً على البقاء دون حماية خارجية؟

حتى الآن، الأدلة لا تسمح بالقول إن المرحلة الثانية قد بدأت بعد.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.