داعش والقاعدة: الإرهاب بين الحقيقة والصورة والمصلحة

كيف نشأت الظاهرة، ولماذا بقي الاسمان حاضرين حتى عندما تراجعت قدرتهما الفعلية؟

هناك سؤال يبدو بسيطاً لكنه يكشف جانباً مهماً من طريقة فهم العالم للإرهاب الحديث:

لماذا كلما وقع هجوم مسلح في مكان بعيد، أو ظهرت جماعة متطرفة في دولة مضطربة، أو انهارت منطقة أمنياً، ظهرت في الخلفية كلمتا داعش أو القاعدة؟

هل يعني ذلك أن التنظيمين موجودان فعلاً في كل مكان؟ أم أن العالم أصبح يستخدم اسميهما كعنوان جاهز لمجموعة واسعة من الظواهر المختلفة؟ الحقيقة تقع بين الأمرين.

داعش والقاعدة ظاهرتان حقيقيتان، ولهما فروع وتنظيمات وأتباع وعمليات حقيقية، وبعضها شديد الخطورة. لكن الصورة التي تشكلت حولهما تجاوزت في أحيان كثيرة حجم التنظيمين الفعلي، حتى أصبح اسماهما يؤديان وظيفة سياسية وإعلامية تتجاوز مجرد وصف جماعة إرهابية.

وهنا يجب الفصل بين ثلاثة أشياء مختلفة:

وجود التنظيم، وصورة التنظيم، واستغلال صورة التنظيم.

فالخلط بينها هو الذي جعل داعش والقاعدة يبدوان أحياناً وكأنهما قوة عالمية واحدة تقف خلف كل اضطراب على وجه الأرض.

البداية لم تكن عالمية

  • القاعدة لم تظهر باعتبارها «منظمة إرهابية عالمية» جاهزة منذ البداية. نشأت في سياق الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي، ثم تطورت خلال التسعينيات إلى تنظيم عابر للحدود، مستفيدة من شبكات المقاتلين الذين تحركوا بين مناطق النزاع.
  • أما داعش فكان تطوره مختلفاً، إذ خرج من البيئة الجهادية العراقية التي تشكلت بعد الغزو الأمريكي عام 2003، ثم استفاد لاحقاً من الحرب السورية وانهيار مؤسسات الدولة في العراق وسوريا.

وهنا تظهر القاعدة المشتركة بين التجربتين: الحروب والانهيارات السياسية كانت أكثر أهمية في نموهما من مجرد قدرتيهما التنظيمية. لم يكن التنظيم قادراً على اختراع البيئة التي احتاج إليها. لقد وجدها جاهزة.

العراق وسوريا كانا نقطة التحول الكبرى

كان الغزو الأمريكي للعراق واحداً من الأحداث التي وفرت للقاعدة في العراق بيئة استثنائية. ثم جاءت الحرب السورية، وانهيار أجزاء واسعة من الدولة، وفتح الحدود، وتدفق السلاح والمقاتلين. في هذه البيئة ظهر داعش بصورته الأكثر قوة، وتمكن من السيطرة على أراضٍ واسعة وإقامة مؤسسات وموارد خاصة به.

وهنا حدث التحول التاريخي. قبل ذلك كان التنظيم الجهادي يحتاج إلى الاختباء. أما داعش فقد حاول أن يصبح دولة. احتل المدن، وسيطر على النفط والموارد، وجمع الضرائب، وأدار مؤسسات، وأنشأ جهازاً أمنياً، وفرض نظامه على السكان.

ومن هنا جاءت شهرته العالمية. لم يعد مجرد تنظيم ينفذ هجمات. لقد أصبح مشروعاً سياسياً وإقليمياً. ثم جاءت الهزيمة التي لم تنه الظاهرة

  • انهارت «الخلافة» الإقليمية. 
  • استعادت القوات العراقية والسورية والتحالف الدولي معظم الأراضي التي سيطر عليها داعش.
  • قُتل عدد كبير من قياداته.
  • اختفت المدن التي كان يسيطر عليها.
  • وانهارت قدرته على إدارة دولة فعلية.

لكن داعش لم يختف. وهنا بدأ العالم يواجه نسخة جديدة من التنظيم. بدلاً من الدولة، أصبحت هناك شبكة. بدلاً من مركز واحد، أصبحت هناك فروع. وبدلاً من السيطرة على مدن، أصبح التنظيم قادراً على العمل من المناطق الريفية والحدودية، أو الاستفادة من جماعات محلية أعلنت الولاء له. وهذا هو أحد أسباب بقاء الاسم. فحتى عندما يفقد التنظيم أرضه، يستطيع الاحتفاظ بعلامته.

الاسم أصبح أصلاً استراتيجياً

وهنا نصل إلى نقطة غالباً ما لا تحظى بما يكفي من الاهتمام. «داعش» و«القاعدة» لم تعودا مجرد أسماء تنظيمية. أصبح الاسم نفسه أداة قوة

  • بالنسبة إلى التنظيم، إعلان البيعة لداعش قد يمنح جماعة محلية صغيرة شهرة عالمية، ويجذب مقاتلين، ويساعد في الوصول إلى شبكات دعاية وتمويل وخبرة.
  • وبالنسبة إلى جماعة مرتبطة بالقاعدة، فإن الانتساب إلى شبكة معروفة عالمياً يمنحها هوية أكبر من حدودها المحلية.

أي أن التنظيم المحلي يستطيع استخدام الاسم. لكن الاسم أيضاً يستطيع استخدام التنظيم المحلي. إنها علاقة متبادلة.

ومن هنا يمكن أن يبدو التنظيم أكبر مما هو عليه فعلياً.

فجماعة صغيرة في منطقة نائية قد تصبح في غضون ساعات خبراً عالمياً بمجرد إعلان ارتباطها بداعش. وهذا بالضبط ما تريده الجماعات الجهادية. فالشهرة جزء من القوة. الإرهاب يحتاج إلى جمهور

هذه نقطة أساسية في فهم الإرهاب. العملية الإرهابية ليست فقط عملية قتل أو تدمير. إنها أيضاً عملية اتصال. الفاعل يريد أن يعرف الآخرون أنه موجود. ولهذا فإن الإعلام بالنسبة إلى الإرهاب ليس مجرد ناقل للخبر؛ يمكن أن يصبح، من دون قصد، جزءاً من آلية التأثير. تنظيم صغير يستطيع تنفيذ هجوم محدود، لكنه يحصل على تأثير أكبر بكثير إذا انتشر اسمه في وسائل الإعلام العالمية. 

وهكذا يصبح: الهجوم صغيراً، لكن الجمهور ضخماً. وتعرف الجماعات ذلك جيداً. ولهذا استثمر داعش بصورة استثنائية في الإعلام والدعاية الرقمية، ولم يكن هدفه فقط تجنيد المقاتلين، بل خلق صورة عن نفسه باعتباره قوة عالمية. حتى الهجمات التي لا تكون لها قيمة عسكرية كبيرة يمكن أن تكون ذات قيمة دعائية هائلة.

لكن الإعلام ليس وحده المسؤول

من الخطأ القول إن وسائل الإعلام «اخترعت» داعش والقاعدة. هذا غير صحيح. كانت هناك جماعات حقيقية، وقتل حقيقي، وتفجيرات حقيقية، وحروب حقيقية. لكن المشكلة في شيء آخر: الخبر الإعلامي يحتاج إلى اسم سريع ومفهوم.

عندما يقع هجوم غامض في بلد بعيد، فإن عبارة «مسلحون مرتبطون بداعش» أسهل كثيراً من شرح شبكة محلية معقدة تضم صراعاً قبلياً واقتصاد تهريب وانشقاقات داخل الجيش وتاريخاً من النزاعات.

وهكذا يتحول اسم داعش إلى:

  • اختصار إعلامي.
  • أحياناً يكون الاختصار دقيقاً.
  • وأحياناً يكون صحيحاً جزئياً.
  • وأحياناً تكون العلاقة مجرد إلهام أو إعلان ولاء.

لكن الجمهور يتلقى النتيجة نفسها: داعش هاجم مرة أخرى. وهكذا تتضخم الصورة.

هناك فرق هائل بين «نفذ داعش الهجوم» و«أعلن شخص ولاءه لداعش»

هذه من أهم الفروق التي تضيع في الخطاب العام.

يمكن أن يكون هناك:

  • تنظيم مركزي أصدر الأمر.
  • فرع رسمي نفذ العملية.
  • جماعة محلية أعلنت البيعة.
  • خلية صغيرة استلهمت الأيديولوجيا.
  • فرد متطرف استخدم اسم التنظيم.
  • أو جهة تدعي الارتباط بالتنظيم لأغراض دعائية.

هذه الحالات ليست متساوية تنظيمياً. لكنها قد تظهر في العنوان نفسه. والنتيجة أن الحدود بين التنظيم المركزي والامتداد المحلي والمتعاطف الفردي تصبح غير واضحة لدى الجمهور. وهذا يمنح الاسم قوة أكبر من بنيته الفعلية.

لكن من يستفيد من تضخيم هذا الاسم؟

هنا تصبح المسألة أكثر حساسية.

  • لا توجد «جهة واحدة» تتحكم في صورة داعش والقاعدة.
  • هناك أطراف مختلفة قد تستفيد، لأسباب مختلفة، من وجود تهديد جهادي أو من تضخيمه.
  • الحكومات تستطيع استخدام خطر الإرهاب لتبرير زيادة الإنفاق الأمني والعسكري.
  • الأنظمة الضعيفة تستطيع استخدامه لتبرير إجراءات استثنائية أو تأجيل إصلاحات سياسية.
  • القوى الأجنبية تستطيع استخدام وجود الجماعات المسلحة لتبرير وجودها العسكري في دولة أخرى.
  • الأجهزة الأمنية تستطيع الحصول على موارد وصلاحيات أكبر.
  • الأطراف السياسية تستطيع وصف خصومها بأنهم متساهلون مع الإرهاب.
  • والتنظيم نفسه يستفيد من كل ذلك لأنه يحصل على الدعاية التي يريدها.

وهنا تظهر مفارقة غريبة: قد تتعارض مصالح هذه الأطراف تماماً، لكنها تستطيع جميعاً الاستفادة من بقاء «الإرهاب» كعنوان دائم. وهذا لا يعني أنها تتعاون سراً. بل يعني أن ظاهرة واحدة يمكن أن تخدم أطرافاً مختلفة بطرق مختلفة. 

الدول تستخدم التهديد الحقيقي أحياناً لأهداف تتجاوز مكافحة الإرهاب. هذه ليست فكرة نظرية. التاريخ السياسي مليء بالحالات التي استخدمت فيها الحكومات تهديدات أمنية حقيقية لتوسيع صلاحيات الدولة. لكن يجب الحذر من القفز إلى استنتاج أن كل عملية إرهابية «مفيدة للحكومة» وبالتالي الحكومة تقف وراءها. هذا استنتاج لا يصح دون أدلة.

الفرق كبير بين: استغلال حدث بعد وقوعه وبين: صناعة الحدث أو تدبيره.

  • الأول شائع في السياسة.
  • الثاني ادعاء خطير يحتاج إلى أدلة مستقلة وقوية.

وهذا التفريق مهم جداً لأن النقاش حول داعش والقاعدة كثيراً ما يقع في أحد طرفين متناقضين:

  • طرف يرى كل شيء مؤامرة.
  • وطرف آخر يرى كل تفسير رسمي حقيقة مكتملة.

والواقع أكثر تعقيداً. الحرب على الإرهاب أصبحت صناعة مؤسساتية

بعد هجمات 11 سبتمبر، أصبح الإرهاب جزءاً مركزياً من السياسة الأمنية الدولية. نشأت ميزانيات ضخمة، وأجهزة متخصصة، وبرامج مراقبة، وقواعد بيانات، وتحالفات عسكرية، ومؤسسات دولية. هذا لم يكن بلا سبب. التهديد كان حقيقياً. لكن عندما تصبح هناك بنية مؤسساتية كاملة مرتبطة بوجود التهديد، فإن استمرار التهديد يصبح مهماً أيضاً من ناحية عملية.

ليس بمعنى أن هذه المؤسسات تريد الإرهاب. بل بمعنى أن المؤسسات التي نشأت لمحاربته تحتاج إلى إثبات أن المشكلة ما زالت قائمة. وهذا يحدث في مجالات كثيرة من السياسة العامة، وليس الإرهاب وحده. الجماعات المسلحة نفسها تعرف كيف تستفيد من ذلك

المفارقة أن داعش والقاعدة تحتاجان إلى عدو قوي بقدر حاجتهما إلى أتباع. 

  • وجود الولايات المتحدة أو فرنسا أو أي قوة أجنبية في منطقة معينة يمكن أن تستخدمه الجماعة لإقناع السكان بأن هناك «احتلالاً» أو «حرباً على الإسلام».
  • وجود قوات أجنبية يعطي الدعاية الجهادية مادة جاهزة. وهكذا يمكن للتدخل العسكري أن يضعف الجماعة عسكرياً لكنه يمنحها في الوقت نفسه مادة للتجنيد إذا لم يكن مصحوباً بحل سياسي مقنع.

وهذا أحد أعقد تناقضات الحرب على الإرهاب.

القاعدة وداعش لا يعيشان فقط من السلاح

هما يعيشان أيضاً من السردية. 

  • القاعدة تقول إن العالم يخوض حرباً ضد المسلمين.
  • داعش يقول إن الدول القائمة فاقدة للشرعية وإن مشروع «الخلافة» هو البديل.

هذه السرديات قد تكون منفصلة عن الواقع، لكنها تصبح أكثر قابلية للتصديق عندما يعيش الناس حرباً أهلية أو احتلالاً أو فساداً أو انهياراً اقتصادياً. ولهذا لا يمكن فهم استمرار التنظيمات الجهادية من خلال التطرف الديني وحده. ولا يمكن فهمه من خلال الفقر وحده. ولا من خلال التدخل الأجنبي وحده. إنها نتيجة تفاعل بين الأيديولوجيا والسلطة والحرب والاقتصاد والإعلام وانهيار الدولة.

لماذا بقي الاسمان بعد كل هذه السنوات؟ لأنهما أصبحا أكبر من مؤسسيهما.

  • القاعدة اليوم ليست قاعدة بن لادن القديمة.
  • وداعش اليوم ليس دولة البغدادي.

لكن الاسم بقي. والشبكة بقيت. والأيديولوجيا بقيت. والبيئات التي تسمح بإعادة إنتاج التنظيمات بقيت في مناطق مختلفة من العالم. ولهذا تستطيع جماعة جديدة أن تظهر، وتعلن الولاء، وتحصل فوراً على هوية عالمية.

إنها طريقة شبيهة بانتقال العلامة التجارية. لكنها في هذه الحالة علامة مرتبطة بالعنف والإرهاب.

ولهذا لا يكفي أن نسأل: هل داعش موجود؟ السؤال الأدق: ما مستوى علاقته بهذه الجماعة؟

  • هل هي فرع حقيقي؟
  • هل هناك قيادة مشتركة؟
  • هل هناك تمويل؟
  • هل هناك تدريب؟
  • هل هناك عمليات مشتركة؟
  • أم أنها مجرد جماعة محلية تستخدم الاسم؟
  • أم فرد استلهم الدعاية؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من مجرد وضع كلمة «داعش» في العنوان.

وماذا عن نظرية أن جهات ما أبقت داعش والقاعدة عمداً؟

هذه الفكرة تظهر باستمرار لأن وجود التنظيمات يخدم أحياناً مصالح سياسية مختلفة. لكن يجب الفصل بين أمرين.

  • الأول مؤكد تاريخياً: الدول والقوى السياسية تستغل التهديدات الحقيقية لتحقيق أهداف أوسع.
  • والثاني يحتاج إلى إثبات في كل حالة على حدة: أن جهة ما أنشأت التنظيم أو مولته عمداً أو تعمدت إبقاءه حياً.

لا يمكن الانتقال من الأول إلى الثاني بمجرد الاستنتاج. لكن هناك مساحة وسطى أكثر واقعية وأهمية: 

  • قد تكون دولة ما قدمت دعماً لجماعة مسلحة في سياق حرب معينة، ثم فقدت السيطرة عليها لاحقاً.
  • وقد تسمح دولة بمرور الأموال أو المقاتلين لأسباب تكتيكية.
  • وقد تتسامح حكومة مع جماعة لأنها تستهدف خصماً لها.
  • وقد تستخدم قوة أجنبية خطر الإرهاب لتبرير وجودها.
  • وقد تستخدم حكومة محلية التنظيم لتبرير القبضة الأمنية.

هذه الوقائع لا تعني وجود «مؤامرة عالمية لإدارة داعش والقاعدة». لكنها تعني أن الإرهاب يدخل أحياناً في لعبة المصالح بين الدول والجماعات، حتى عندما يكون الجميع ظاهرياً في معسكر محاربته. المشكلة أن التنظيمات نفسها قد تكون آخر من يسيطر على مسار الأحداث وهذا أيضاً مهم.

داعش والقاعدة يمكن أن تستفيدا من الفوضى، لكنهما لا تتحكمان دائماً فيها.

  • قد تبدأ الحرب لأسباب لا علاقة لها بهما.
  • ثم يدخل التنظيم.
  • وقد يدعم طرف محلي جماعة مسلحة لأسباب سياسية.
  • ثم تنقلب الجماعة عليه.
  • وقد يستخدم نظام ما جماعة متطرفة ضد خصم.
  • ثم تصبح الجماعة نفسها تهديداً للنظام.

وهكذا يتحول الصراع إلى سلسلة من النتائج غير المقصودة. التاريخ الحديث مليء بجماعات مسلحة بدأت كأداة في صراع أكبر ثم أصبحت مشكلة مستقلة عن كل من ساعدها. 

ولهذا فإن «من صنع داعش؟» سؤال أقل فائدة من «كيف استطاع داعش أن يصبح مستقلاً؟» لأن السؤال الأول يدفع إلى البحث عن جهة واحدة. أما السؤال الثاني فيكشف الشبكة الحقيقية: حرب. سلاح. حدود. تمويل. تجنيد. إعلام. أيديولوجيا. انهيار دولة. وتنافس دولي. هذه العناصر مجتمعة تستطيع إنتاج تنظيم أقوى من مجموع أجزائه.

داعش والقاعدة ليسا في كل مكان

وهذه ربما أهم نتيجة. الاسمان عالميان، لكن وجودهما ليس متساوياً في العالم. 

  • هناك مناطق أصبحت فيها الجماعات المرتبطة بهما قوة مسلحة حقيقية.
  • وهناك مناطق أخرى لا يتجاوز وجود الاسم فيها أفراداً متأثرين بالدعاية.
  • وهناك دول لا تكاد الجماعات تمتلك فيها أي قدرة عملياتية.

لكن الإعلام العالمي يستطيع أن يجعل هذه الحالات تبدو متشابهة. وهنا يصبح الخطر الحقيقي مزدوجاً: إذا بالغنا في حجم التنظيم، منحناه القوة الدعائية التي يريدها. وإذا قللنا من وجوده، تجاهلنا تهديداً حقيقياً.

الحل هو التمييز.

  • ليس كل هجوم يحمل بصمة داعش.
  • وليس كل جماعة ترفع رايته فرعاً مركزياً.
  • وليس كل متطرف جزءاً من التنظيم.
  • وليس كل عملية إرهابية نتيجة لأوامر قيادة خارجية.

وفي المقابل، ليس كل حديث عن استغلال سياسي للإرهاب «نظرية مؤامرة». هناك فرق بين الإرهاب كظاهرة حقيقية والإرهاب كأداة خطابية وسياسية وإعلامية. والأول لا يلغي الثاني.

الخلاصة: الاسم الذي أصبح أكبر من التنظيم

ربما يكون أعظم نجاح حققته داعش والقاعدة، حتى بعد هزائمهما العسكرية، هو أنهما نجحا في تحويل اسميهما إلى رمزين عالميين. هما لا يحتاجان دائماً إلى السيطرة على مدينة. ولا يحتاجان دائماً إلى إرسال مقاتل إلى بلد آخر. أحياناً يكفي أن يقول شخص إنه تابع لهما.

  • فيصبح الحدث أكبر.
  • وتصبح التغطية أوسع.
  • وتصبح الحكومات أكثر قدرة على تبرير الإجراءات الأمنية.
  • وتحصل الجماعة على دعاية مجانية.
  • ويصبح الجمهور مقتنعاً بأن التنظيم موجود «في كل مكان».

وهكذا يدخل الجميع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في دائرة واحدة:

الجماعة تريد الشهرة، والإعلام يريد القصة، والحكومة تريد تفسيراً أمنياً، والسياسي يريد خصماً واضحاً، والقوة الأجنبية تريد مبرراً للتدخل، والجمهور يريد إجابة بسيطة.

والنتيجة اسم واحد يتكرر: داعش. أو: القاعدة.

لكن وراء الاسم توجد عشرات التنظيمات المحلية، ومئات السياقات السياسية، وآلاف المقاتلين، وشبكات اقتصاد غير رسمي، وحروب أهلية، وصراعات على السلطة، وحدود منهارة. لذلك فإن السؤال الأكثر نضجاً ليس: «هل كان داعش وراء الحادث؟» بل: ما العلاقة الدقيقة بين الحادث والتنظيم؟

  • ومن يملك مصلحة في وصفه بهذه الطريقة؟
  • ومن يستفيد من انتشار الرواية؟
  • وما الذي كان موجوداً قبل ظهور التنظيم؟
  • وما الذي سيبقى إذا اختفى التنظيم غداً؟

عندها فقط نخرج من عالم العناوين السريعة إلى فهم الظاهرة. فداعش والقاعدة حقيقيان. لكن الصورة التي صنعها العالم عنهما أصبحت ظاهرة بحد ذاتها. وفي بعض الأحيان، قد يكون فهم تلك الصورة أهم من معرفة اسم الجماعة التي نفذت الهجوم.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.