
ولهذا تبدو تركمانستان اليوم مفارقة سياسية غريبة. فهي ليست دولة شيوعية، ولا تنتمي إلى المعسكر السوفيتي، ولا تخوض صراعًا أيديولوجيًا مع الغرب مثل كوريا الشمالية. ومع ذلك، فإن شكل الحياة السياسية والإعلامية فيها يجعلها واحدة من أكثر دول العالم انغلاقًا، حتى إن المقارنة مع كوريا الشمالية تصبح مفهومة، وإن كانت غير دقيقة إذا أخذنا الاقتصاد والأيديولوجيا والعلاقات الدولية في الاعتبار.
السؤال إذن ليس: لماذا بقيت تركمانستان شيوعية؟ فهي لم تبقَ كذلك.
السؤال الأدق هو: لماذا سقطت الشيوعية، بينما بقيت الدولة المغلقة؟ الاستقلال الذي لم يغيّر السلطة
كانت تركمانستان السوفيتية مختلفة عن بعض الجمهوريات التي امتلكت نخبًا وطنية قوية أو حركات استقلال واسعة. وعندما تفكك الاتحاد السوفيتي، لم يحدث انقلاب جذري في تركيبة السلطة. بقيت النخبة التي أدارت الجمهورية السوفيتية في مواقعها، وانتقل النظام من مرحلة إلى أخرى بدل أن يُعاد تأسيسه من الصفر.
كان صابر مراد نيازوف رئيسًا للجمهورية التركمانية السوفيتية، ثم أصبح رئيس تركمانستان المستقلة. وهكذا حدثت واحدة من أهم مفارقات مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي: الرجل الذي كان جزءًا من النظام السوفيتي أصبح قائد الدولة المستقلة التي خرجت من ذلك النظام.
لم تكن هناك قطيعة حقيقية بين الدولة القديمة والدولة الجديدة. تغير اسم الدولة، وتغير العلم، وتراجعت اللغة الشيوعية، لكن البيروقراطية والأجهزة الأمنية والنظام المركزي ونمط إدارة المجتمع بقيت إلى حد كبير. وهنا يمكن فهم جزء كبير من الحالة التركمانية. فانهيار نظام سياسي لا يعني بالضرورة انهيار مؤسسات السلطة التي بناها ذلك النظام. قد تسقط الأيديولوجيا، بينما تبقى أجهزة الدولة وعادات الحكم وموازين القوة. وهذا بالضبط ما حدث في تركمانستان.
من الشيوعية إلى عبادة الزعيم
لكن نيازوف لم يكتفِ بالحفاظ على الدولة القديمة؛ بل أعاد تشكيلها حول شخصه. أطلق على نفسه لقب «تركمانباشي»، أي «أبو التركمان»، وأصبح حضوره جزءًا من الحياة العامة. وانتشرت صوره وتماثيله، وأصبح كتابه «روحنامة» عنصرًا أساسيًا في التعليم والحياة العامة. وهنا حدث تحول مهم. لم تعد شرعية النظام قائمة على الماركسية اللينينية، كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي. ولم تعد الدولة بحاجة إلى تقديم نفسها باعتبارها جزءًا من مشروع شيوعي عالمي.
استُبدلت العقيدة القديمة بمزيج من القومية التركمانية، وتمجيد الدولة، وعبادة الزعيم، والسيطرة الأمنية. وهذا يفسر لماذا يمكن أن تبدو تركمانستان «سوفيتية» رغم أنها ليست شيوعية. فما بقي ليس الفكر الشيوعي نفسه، وإنما الطريقة التي تنظر بها الدولة إلى المجتمع.
- الدولة هي المركز.
- المجتمع تابع لها.
- الإعلام أداة رسمية.
- المؤسسات السياسية لا تنافس السلطة.
- والزعيم ليس مجرد موظف منتخب، وإنما مركز النظام السياسي.
لماذا لم يحدث الانفتاح بعد نيازوف؟
كان يمكن أن يتوقع المرء أن وفاة نيازوف عام 2006 ستفتح الباب أمام تغيير كبير. لكن ذلك لم يحدث. وصل قربانقولي بردي محمدوف إلى السلطة، واستمر جوهر النظام السلطوي، وإن تغيرت بعض مظاهره. ثم انتقلت الرئاسة لاحقًا إلى ابنه سردار بردي محمدوف. وهنا تظهر قاعدة مهمة في الأنظمة السلطوية: إذا كانت المؤسسات مصممة لحماية النظام بدل تقييد السلطة، فإن تغيير الرئيس لا يعني تغيير النظام.
فالمشكلة لم تكن في نيازوف وحده. لقد أصبح النظام نفسه قادرًا على إعادة إنتاج السلطة. وهذا يفسر لماذا لم يكن رحيل الزعيم الأول كافيًا لفتح البلاد.
الغاز: المورد الذي ألغى الحاجة إلى الإصلاح
هناك عامل اقتصادي مهم يجعل تركمانستان مختلفة عن كثير من الدول التي خرجت من الاتحاد السوفيتي. إنها دولة غنية بالغاز الطبيعي. وهذا يمنح الدولة مصدرًا كبيرًا من الإيرادات دون الحاجة إلى بناء اقتصاد مفتوح بالكامل أو الاعتماد على طبقة واسعة من رجال الأعمال المستقلين أو الشركات الخاصة أو السياحة أو الاستثمارات الغربية.
وهنا تظهر إحدى قواعد السياسة الريعية: كلما استطاعت الدولة الحصول على مواردها من الأرض بدل الحصول عليها من المجتمع، تقل حاجتها إلى المجتمع.
الدولة التي تحتاج إلى ضرائب المواطنين تحتاج إلى اقتصاد نشط، وطبقة وسطى، وشركات، ومؤسسات مستقلة، وبيئة أعمال مستقرة. أما الدولة التي تحصل على جزء كبير من مواردها من النفط أو الغاز، فيمكنها أن تحافظ على علاقة مختلفة تمامًا مع المجتمع. ولهذا لم يكن لدى السلطة التركمانية حافز اقتصادي قوي يشبه الحافز الذي دفع دولًا أخرى إلى الانفتاح. الغاز سمح لها بالاستمرار.
العزلة ليست نتيجة الفقر فقط
وهنا يجب الحذر من تفسير تركمانستان بأنها دولة مغلقة لأنها فقيرة أو متخلفة. هذا التفسير غير كافٍ. العزلة في تركمانستان خيار سياسي أيضًا. فالسلطة تفرض قيودًا واسعة على الإعلام، وتحد من الوصول إلى الإنترنت، وتحجب مواقع وخدمات كثيرة، وتراقب المجال المعلوماتي، وتضع قيودًا على النشاط السياسي والمدني.
والسبب ليس فقط منع المعارضة المنظمة. هناك سبب أكثر عمقًا: المعلومات نفسها يمكن أن تصبح مصدرًا للمقارنة.
عندما يرى المواطن كيف يعيش الناس في الخارج، وكيف تعمل الحكومات الأخرى، وما هي مساحة الحريات المتاحة في أماكن أخرى، تصبح رواية الدولة أقل قدرة على احتكار تفسير العالم. ولهذا فإن الإنترنت بالنسبة إلى الأنظمة المغلقة ليس مجرد وسيلة اتصال. إنه نافذة سياسية. ومن هنا تأتي حساسية السلطة تجاهه.
لكن لماذا تشبه كوريا الشمالية؟
المقارنة بين تركمانستان وكوريا الشمالية مغرية جدًا، لكنها تحتاج إلى ضبط. التشابه الحقيقي يقع في بنية السيطرة على المجتمع. في الدولتين توجد سلطة مركزية قوية، وقيود شديدة على الإعلام، ومساحة ضيقة جدًا للمعارضة السياسية، وسيطرة كبيرة على المعلومات، ودور قوي للأجهزة الأمنية، وشخصنة للسلطة. لكن الاختلاف كبير أيضًا.
- كوريا الشمالية بنت نظامها على أيديولوجيا ثورية وقومية عسكرية متطرفة، وعلى تعبئة المجتمع ضد الخارج، وعلى اقتصاد شديد الانغلاق، وعلى نظام سياسي وراثي صريح يتمحور حول عائلة كيم.
- أما تركمانستان فهي أكثر براغماتية. إنها تتعامل اقتصاديًا مع دول أخرى، وتصدر الغاز، وتحافظ على علاقات مع الصين وروسيا وتركيا وغيرها، وتتبنى رسميًا سياسة الحياد الدائم.
لذلك فتركمانستان ليست كوريا الشمالية في آسيا الوسطى. الأدق أنها تمثل نوعًا مختلفًا من النظام: دولة ما بعد سوفيتية سلطوية، مغلقة معلوماتيًا، غنية بالموارد، وشديدة الشخصنة. المفارقة الكبرى: سقوط الشيوعية لم يكن كافيًا
ربما تكمن أهمية تركمانستان في درس أكبر من حدودها. عندما انهار الاتحاد السوفيتي، ظن كثيرون أن نهاية الشيوعية ستؤدي تلقائيًا إلى نهاية الأنظمة التي بنتها الشيوعية. لكن التاريخ أثبت أن الأمر أكثر تعقيدًا.
- يمكن أن تسقط الأيديولوجيا، بينما تبقى البيروقراطية.
- يمكن أن يختفي الحزب الشيوعي، بينما تبقى أجهزة الأمن.
- يمكن أن تتحول الملكية من الدولة إلى القطاع الخاص جزئيًا، بينما تبقى الدولة مسيطرة على الاقتصاد.
- ويمكن أن تختفي صور لينين، لتحل محلها صور الزعيم الجديد.
وهكذا فإن الانتقال من نظام إلى آخر لا يتحدد فقط بما يحدث للأفكار، بل بما يحدث لمؤسسات القوة.
تركمانستان مثال شديد الوضوح على ذلك. لقد خرجت من الاتحاد السوفيتي، لكنها لم تمر بعملية تفكيك كاملة للدولة السوفيتية. بدلًا من ذلك، أعادت تدويرها.
من دولة سوفيتية إلى دولة تركمانية
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة.
- الاتحاد السوفيتي حاول صناعة «الإنسان السوفيتي».
- تركمانستان الحديثة حاولت صناعة «الإنسان التركماني».
- الاتحاد السوفيتي استخدم الإعلام والتعليم والمؤسسات والأجهزة الأمنية لتشكيل المجتمع وفق تصور الدولة.
- تركمانستان استخدمت الأدوات نفسها تقريبًا، لكن بعد استبدال العقيدة.
لم تعد الرسالة: المستقبل هو الشيوعية. أصبحت أقرب إلى:
الدولة هي حامية الأمة، والزعيم هو مركزها، والاستقرار أهم من التغيير. وهكذا لم تختفِ آليات الدولة القديمة؛ بل تغيرت اللغة التي تبرر استخدامها.
الخاتمة: عندما تسقط الأيديولوجيا وتبقى الدولة
تركمانستان تذكرنا بأن سقوط نظام سياسي لا يعني بالضرورة سقوط طريقة الحكم.
الاتحاد السوفيتي انهار في عام 1991، لكن بعض الجمهوريات لم تبدأ من الصفر. أخذت معها مؤسساتها القديمة، ونخبها القديمة، وأجهزتها الأمنية، وثقافة الإدارة المركزية، ثم أضافت إليها قومية جديدة واقتصادًا جديدًا وزعيمًا جديدًا.
وفي تركمانستان، وصلت هذه العملية إلى أقصى حدودها تقريبًا.
- لم تعد الدولة شيوعية، لكنها بقيت مغلقة.
- لم تعد موسكو مركز السلطة، لكن السلطة بقيت شديدة المركزية.
- اختفت الماركسية، لكن احتكار الدولة للمجال العام بقي.
وتغير اسم الأيديولوجيا، بينما بقيت الفكرة الأعمق: المجتمع موجود داخل الدولة، وليس الدولة موجودة لخدمة مجتمع مستقل عنها.
ولهذا تبدو تركمانستان أحيانًا وكأنها خرجت من الاتحاد السوفيتي سياسيًا، لكنها لم تخرج منه تمامًا في طريقة إدارة المجتمع.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة:
قد تسقط الإمبراطوريات في ليلة، وقد تختفي الأعلام والأحزاب والشعارات، لكن الدولة التي بنتها تلك الإمبراطوريات قد تعيش لعقود أخرى، إذا بقيت مؤسسات القوة في أيدي الأشخاص أنفسهم.