مظلوم عبدي في قصر الشرع: كيف انتهى مشروع قسد من ورقة جيوسياسية إلى جزء من الدولة السورية؟

من حماية واشنطن إلى الاندماج في الدولة السورية: لماذا تغيرت حسابات الأكراد وتركيا وأمريكا وإسرائيل؟

لم يكن تعيين الرئيس السوري أحمد الشرع مظلوم عبدي مستشارًا رئاسيًا مجرد تسوية بين دمشق وقيادة كردية، كما أن قصة قسد لا يمكن تفسيرها باعتبارها مجرد حركة كردية تريد حكمًا ذاتيًا أو دولة مستقلة. ما جرى خلال السنوات الماضية كان جزءًا من معادلة أكبر بكثير، تشابكت فيها سوريا وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وروسيا، وتحولت فيها منطقة شمال وشرق سوريا إلى واحدة من أهم ساحات إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا قبلت قسد الاندماج؟ بل: لماذا تغيرت البيئة الجيوسياسية التي سمحت لقسد أصلًا بأن تصبح قوة عسكرية وإدارة سياسية تسيطر على مساحة واسعة من سوريا؟

قسد لم تكن مجرد قوة لمحاربة داعش

صحيح أن الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية كانت المدخل الأساسي للشراكة الأمريكية مع قسد، لكن اختزال العلاقة في هذا الهدف وحده لا يفسر استمرارها بعد انهيار دولة داعش الإقليمية.

مع مرور الوقت تحولت قسد إلى قوة عسكرية وإدارة مدنية تسيطران على منطقة واسعة من شمال وشرق سوريا، تشمل موارد نفطية ومائية وزراعية وممرات حدودية مهمة. وهكذا أصبحت المنطقة ورقة نفوذ أمريكية في سوريا، وأصبح وجود قسد جزءًا من ميزان القوى، وليس مجرد عملية عسكرية ضد تنظيم متطرف.

لكن قسد لم تتحول رسميًا إلى دولة، ولم تحصل على اعتراف دولي بحدودها أو سيادتها. كانت أقرب إلى كيان شبه دولتي يعتمد على مزيج من القوة المحلية والحماية الأمريكية والظروف التي فرضتها الحرب السورية.

وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية: الكيان كان قويًا بما يكفي ليحكم منطقة واسعة، لكنه لم يكن محميًا بضمانة دولية تجعله قادرًا على البقاء كدولة مستقلة.

تركيا: الدولة التي رفضت قيام هذا الكيان منذ البداية

بالنسبة إلى تركيا، لم تكن قسد مجرد شريك أمريكي في الحرب على داعش. كانت أنقرة تنظر إلى وحدات حماية الشعب، التي تشكل العمود الفقري لقسد، باعتبارها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وبالتالي رأت في نشوء كيان كردي مسلح على حدودها الجنوبية تهديدًا أمنيًا واستراتيجيًا مباشرًا.

لهذا لم تتعامل تركيا مع قسد باعتبارها ظاهرة سورية مؤقتة، بل سعت طوال سنوات إلى منع تحولها إلى كيان دائم.

نفذت تركيا عمليات عسكرية داخل سوريا، واستهدفت قيادات وبنية قسد، واحتفظت بوجود عسكري في الشمال، وضغطت على الولايات المتحدة ودمشق لمنع قيام جيب كردي مسلح ومستقل.

وكانت المشكلة بالنسبة لأنقرة أعمق من الحدود السورية. فقيام منطقة كردية مستقلة نسبيًا في سوريا، مرتبطة جغرافيًا وسياسيًا بأكراد العراق، كان يمكن أن يخلق مركزًا كرديًا قويًا جديدًا في المنطقة، ويؤثر في القضية الكردية داخل تركيا نفسها.

ولهذا كانت تركيا أحد أهم الأسباب التي جعلت مشروع قسد يصطدم بسقف جغرافي وسياسي لا تستطيع تجاوزه.

أمريكا: الحماية التي صنعت القوة ولم تصنع الدولة

هنا ظهرت المفارقة الأمريكية.

واشنطن دعمت قسد بالسلاح والتدريب والغطاء الجوي، ووفرت لها حماية عسكرية وسياسية حالت دون إسقاطها بسهولة. لكنها لم تقدم لها في المقابل ما يكفي لتحويلها إلى دولة.

الولايات المتحدة أرادت قوة محلية تحارب داعش، لكنها استفادت أيضًا من وجودها في شمال شرق سوريا كورقة نفوذ في بلد تتنافس عليه قوى عديدة.

وهكذا نشأت علاقة تبادلية: قسد تحتاج الحماية الأمريكية، وأمريكا تحتاج قسد كقوة محلية ونقطة ارتكاز.

لكن هذه العلاقة لم تكن تحالفًا من النوع الذي يفرض على واشنطن الدفاع عن قسد مهما تغيرت الظروف.

وعندما تغيرت الأولويات الأمريكية، أصبح السؤال مختلفًا: هل يستحق الحفاظ على كيان عسكري كردي مستقل الدخول في مواجهة طويلة مع تركيا ودمشق، والاستمرار في انتشار عسكري أمريكي في سوريا؟

لم تكن الإجابة الأمريكية نعم.

وهنا بدأ المشروع الذي عاش طويلًا تحت المظلة الأمريكية يفقد أهم عنصر في قوته.

إسرائيل: الورقة التي لا ينبغي تجاهلها

إسرائيل بدورها لم تنظر إلى المسألة الكردية في سوريا باعتبارها قضية قومية فقط. بالنسبة إليها كان وجود قوى غير عربية، وغير خاضعة لدمشق أو لإيران، جزءًا من معادلة أوسع للأمن الإقليمي.

لطالما اهتمت إسرائيل بإقامة علاقات مع الأقليات والقوى التي تستطيع موازنة خصومها في المنطقة. وفي الحالة السورية، كان إضعاف الدولة المركزية القديمة، ومنع عودة سوريا إلى موقع قوة إقليمي مرتبط بإيران، من المصالح الإسرائيلية الأساسية.

ولهذا وجدت إسرائيل في الوجود الكردي ورقة مفيدة، وأبدت تعاطفًا واضحًا مع الأكراد، بينما ظهرت في بعض الأوساط الكردية دعوات لطلب الدعم الإسرائيلي، بل ورفعت أعلام إسرائيل في بعض الفعاليات.

لكن يجب عدم المبالغة في ذلك.

إسرائيل لم تكن مستعدة لخوض حرب مع تركيا من أجل إقامة دولة كردية في سوريا، ولم تقدم ضمانة عسكرية لبقاء قسد. كانت ترى في الورقة الكردية عنصرًا مفيدًا في توازن القوى، لا التزامًا استراتيجيًا مطلقًا.

وهذا يفسر لماذا لم تستطع العلاقة الإسرائيلية-الكردية منع انهيار المشروع العسكري لقسد عندما تغير الموقف الأمريكي.

سقوط الأسد غيّر وظيفة قسد نفسها

المفارقة الكبرى أن سقوط نظام بشار الأسد لم يكن بالضرورة مكسبًا دائمًا لقسد.

قبل سقوط الأسد، كانت دمشق ضعيفة، وإيران موجودة بقوة، وروسيا لاعبًا رئيسيًا، وتركيا في مواجهة مع قسد، والولايات المتحدة تحتاج إلى وجود عسكري في سوريا.

وسط هذه الفوضى كان بإمكان قسد أن تعيش ككيان شبه مستقل.

لكن سقوط الأسد أعاد ترتيب اللوحة.

ظهرت سلطة سورية جديدة تسعى إلى استعادة كامل أراضي الدولة، بينما تراجعت إيران وروسيا، وأصبحت تركيا أكثر قدرة على التأثير في مستقبل سوريا، وبدأت الولايات المتحدة تنظر إلى دمشق الجديدة باعتبارها شريكًا يمكن التعامل معه بدل الاستمرار في إدارة منطقة منفصلة عبر قسد.

وهنا أصبحت قسد، من وجهة نظر واشنطن، أقل ضرورة من السابق.

إيران: الغائب الحاضر في الحسابات

لا يمكن فهم هذه التحولات من دون إيران.

سوريا في عهد الأسد كانت جزءًا أساسيًا من شبكة النفوذ الإيراني الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان. وكانت السيطرة على الأراضي السورية ذات أهمية كبيرة للممر الإيراني نحو حزب الله.

قسد، بحكم موقعها شرق سوريا وعلاقتها بالولايات المتحدة، كانت تقع داخل هذه الجغرافيا المتنازع عليها.

لكن عندما تراجع النفوذ الإيراني الإقليمي، تغيرت قيمة هذه الورقة. لم تعد الولايات المتحدة مضطرة إلى الحفاظ على بنية كردية مستقلة بالدرجة نفسها لمواجهة منظومة إيرانية قوية داخل سوريا.

وهكذا لم تكن نهاية مرحلة قسد نتيجة صفقة كردية-سورية منفردة، بل جزءًا من تراجع منظومة إقليمية كاملة كانت قد تشكلت خلال الحرب السورية.

النفط والفرات: لماذا كانت المنطقة مهمة أصلًا؟

هناك جانب مادي في المسألة لا ينبغي إغفاله.

شمال وشرق سوريا ليس مجرد منطقة ذات غالبية كردية. إنه يضم جزءًا مهمًا من موارد النفط والغاز والزراعة والمياه، إضافة إلى الحدود مع العراق وموقعه بين بلاد الرافدين والداخل السوري.

لذلك فإن استعادة دمشق لهذه المنطقة تعني أكثر من استعادة أراضٍ.

إنها استعادة جزء أساسي من الموارد الاقتصادية للدولة، وإعادة السيطرة على نهر الفرات، والمعابر، والحدود الشرقية، ومصادر الطاقة.

ومن هنا يمكن فهم إصرار دمشق على ألا يبقى هناك جيش مستقل يسيطر على هذه الجغرافيا.

لماذا رضيت قسد في النهاية؟

لأن ميزان الخيارات تغير.

في ذروة القوة، كانت قسد تستطيع أن تفاوض وهي تعرف أن القوات الأمريكية موجودة خلفها، وأن تركيا لا تستطيع بسهولة شن حرب شاملة عليها، وأن دمشق ليست في وضع يسمح لها باستعادة المنطقة بالقوة.

لكن عندما تراجعت المظلة الأمريكية، وأصبحت دمشق أقوى، واستمرت تركيا في الضغط، أصبح الحفاظ على كيان مستقل مكلفًا للغاية.

لم تعد المسألة بين خيارين هما الاستقلال أو الاستسلام.

أصبح أمام القيادة الكردية خيار أكثر واقعية: الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والثقافية والأمنية عبر الدخول في الدولة السورية، بدل خسارة تلك المكاسب في حرب لا تملك مقومات الانتصار فيها.

ولهذا يمكن النظر إلى قبول عبدي بالاندماج باعتباره محاولة لإنقاذ النفوذ الكردي بعد تراجع القدرة على حماية الاستقلال العسكري.

لماذا أصبح مظلوم عبدي مستشارًا للشرع؟

هنا تظهر براعة التسوية.

لو خرج عبدي من المشهد، لكان من الممكن أن يتحول إلى رمز لقيادة كردية مهزومة أو إلى مركز معارضة جديد.

لكن إدخاله إلى مؤسسة الرئاسة يغير المعادلة.

دمشق تقول للأكراد: لن يكون هناك جيش مستقل، لكن قيادتكم لن تُقصى من الدولة.

وتقول لتركيا: انتهت القوة العسكرية الكردية المستقلة.

وتقول لواشنطن: شريككم السابق لم يُسحق؛ لقد أصبح داخل الدولة السورية.

وتقول للأكراد أنفسهم: يمكنكم الحفاظ على جزء من حقوقكم ونفوذكم عبر المؤسسات السورية بدل محاولة بناء دولة لا توجد قوة دولية مستعدة لحمايتها.

أما عبدي، فيتحول من قائد كيان ينافس دمشق إلى شخصية يمكن أن تلعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع الكردي.

المفارقة الإقليمية

وهنا تكمن المفارقة الأكبر.

الولايات المتحدة دعمت قسد سنوات، لكنها لم تمنحها دولة.

إسرائيل دعمت الأكراد سياسيًا، لكنها لم تمنحهم ضمانة عسكرية.

تركيا حاربت قسد باستمرار، لكنها لم تكن بحاجة في النهاية إلى احتلال كامل مناطقها إذا أمكن تفكيك بنيتها العسكرية ودمجها في الدولة السورية.

دمشق رفضت بقاء جيش موازٍ، لكنها وجدت في إدخال القيادة الكردية إلى الدولة وسيلة أفضل من استمرار الحرب.

أما قسد، فقد أدركت أن القوة التي سمحت لها بالبقاء خارج سلطة دمشق لم تعد مضمونة.

وهكذا انتهت المعادلة التي سمحت لها بالنشوء.

ليست نهاية القضية الكردية

لكن انهيار مشروع الحكم الذاتي العسكري لا يعني انتهاء القضية الكردية في سوريا.

بل إن القضية انتقلت إلى مستوى آخر.

السؤال الآن لم يعد: هل ستنشئ قسد دولة؟

بل: ما شكل الدولة السورية الجديدة؟ وما حجم الحقوق السياسية والثقافية والإدارية التي سيحصل عليها الأكراد داخلها؟

وهذا أكثر واقعية من الحديث عن دولة كردية مستقلة في سوريا في ظل غياب قوة دولية مستعدة للاعتراف بها وحمايتها.

قد تكون نهاية قسد كجيش مستقل بداية لمرحلة سياسية كردية جديدة، إذا استطاعت القيادة الكردية تحويل ما تبقى من نفوذها العسكري إلى نفوذ مؤسسي ودستوري.

الخلاصة

قصة قسد ليست قصة حزب كردي حاول الانفصال وفشل. إنها قصة كيان نشأ في لحظة انهيار الدولة السورية، واستفاد من الحرب على داعش ومن الحماية الأمريكية، وتحول إلى ورقة في الصراع بين تركيا وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل ودمشق، ثم اصطدم بتغير النظام الإقليمي الذي سمح له بالبقاء.

كان وجود قسد مفيدًا لواشنطن عندما كانت سوريا ساحة مفتوحة أمام إيران وروسيا وتنظيم الدولة، وكانت تركيا عاجزة عن تغيير المعادلة بالقوة بسبب الوجود الأمريكي. لكن عندما تغيرت سوريا، وتراجعت إيران وروسيا، وأصبحت دمشق أكثر قبولًا دوليًا، وقررت واشنطن تقليص وجودها، وأصرت تركيا على إنهاء الكيان العسكري الكردي، أصبح استمرار قسد بوصفها دولة داخل الدولة أقل واقعية.

ولهذا فإن انتقال مظلوم عبدي إلى موقع مستشار لدى الشرع ليس مجرد نهاية قائد عسكري. إنه رمز لنهاية مرحلة جيوسياسية كاملة.

مرحلة كان فيها شمال شرق سوريا منطقة نفوذ أمريكية ذات إدارة كردية وقوة عسكرية مستقلة، وانتهت بعودة المنطقة إلى الدولة السورية، مع محاولة إبقاء الأكراد داخل المعادلة بدل إخراجهم منها.

والسؤال الذي يستحق المتابعة الآن ليس ما إذا كانت قسد ستعود، بل هل تستطيع دمشق تحويل هذا الانتصار الجغرافي إلى دولة سورية مستقرة تستوعب الأكراد، أم أن الصراع سينتقل من الجبهة العسكرية إلى الدستور والحقوق والهوية وشكل الدولة؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.