
حرب لم تبدأ بميزان قوى متساوٍ
عندما اندلعت الحرب المفتوحة في ربيع 1992، لم تدخل الأطراف الثلاثة إلى المعركة بالقدرات نفسها. كانت القوات الصربية البوسنية تمتلك أفضلية عسكرية واضحة، مستفيدة من إرث الجيش الشعبي اليوغوسلافي من حيث الأسلحة الثقيلة والمدفعية والدبابات والضباط والتنظيم، بينما كانت الحكومة البوسنية لا تزال في طور بناء جيش قادر على مواجهة حرب واسعة.
وكان لهذا التفوق أثر مباشر على شكل الحرب الأولى. لم يكن الصراع في بدايته حربًا متكافئة تتقدم فيها الجيوش على جبهات متقابلة، بل كان أقرب إلى عملية سريعة لإعادة رسم السيطرة على الأرض، خصوصًا في المناطق التي يمكن للقوات الصربية الوصول إليها بسرعة.
وبحلول الأشهر الأولى، أصبحت القوات الصربية البوسنية تسيطر على مساحات واسعة من البلاد، مستفيدة من تفوقها في السلاح والتنظيم ومن الدعم القادم من صربيا. وفي المقابل، كانت القوات الحكومية تقاتل وهي تفتقر إلى السلاح الثقيل وإلى القدرة على فتح جبهات واسعة في الوقت نفسه.
لكن هذه الأفضلية لم تكن تعني أن الصرب قادرون على احتلال البوسنة كلها.
وهنا تبدأ المفارقة العسكرية الأساسية للحرب.
السيطرة على الأرض ليست السيطرة على الدولة
حققت القوات الصربية البوسنية مكاسب ضخمة في عام 1992، لكنها واجهت مشكلة جغرافية وسياسية لم يكن من السهل حلها: السيطرة على مساحة واسعة من البوسنة لا تعني القدرة على إخضاع كل مراكزها السكانية والسياسية.
كانت سراييفو، العاصمة، في يد الحكومة البوسنية، كما بقيت مناطق واسعة في وسط وغرب وشمال البلاد خارج السيطرة الصربية الكاملة. وظهرت جيوب محاصرة ومناطق معزولة، بينما أصبحت طرق الاتصال والإمداد جزءًا أساسيًا من الحرب.
وبذلك تحولت الحرب تدريجيًا من حرب حسم سريع إلى حرب استنزاف. أصبحت السيطرة على ممر أو طريق أو مدينة صغيرة قادرة على تغيير قدرة منطقة كاملة على الصمود.
وهذا ما جعل الجغرافيا البوسنية عاملًا حاسمًا: الجبال والوديان والطرق المحدودة جعلت السيطرة على خطوط الاتصال أهم أحيانًا من الاستيلاء على مدينة جديدة.
سراييفو: المعركة التي أصبحت رمزًا للحرب
منذ عام 1992 أصبحت سراييفو مركزًا للحرب سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا. حوصرت المدينة من القوات الصربية البوسنية، واستمر الحصار قرابة أربع سنوات، مع قصف مدفعي وقنص ونقص شديد في الغذاء والوقود والدواء.
لكن الحصار لم يكن مجرد معركة للسيطرة على العاصمة. كان يمثل مشكلة استراتيجية للطرفين.
بالنسبة إلى الحكومة البوسنية، كان بقاء سراييفو تحت سيطرتها يعني بقاء مركز الدولة ورمزها السياسي. أما بالنسبة إلى القوات الصربية البوسنية، فكان الضغط على العاصمة وسيلة لإضعاف الحكومة وإجبارها على تقديم تنازلات.
ومع ذلك، لم يسقط الحصار المدينة.
وهذه كانت إحدى أولى الإشارات إلى أن التفوق العسكري الصربي، رغم اتساعه، لم يكن كافيًا لتحقيق نصر نهائي.
لماذا لم ينتصر الصرب رغم تفوقهم؟
لأن الحرب لم تكن مسألة دبابات ومدفعية فقط.
كانت القوات الصربية البوسنية تستطيع احتلال مناطق واسعة، لكنها كانت تحتاج أيضًا إلى الاحتفاظ بها، وتأمين خطوط الإمداد، والسيطرة على المدن، ومواجهة مقاومة محلية، وإدارة مناطق يسكنها ملايين الأشخاص.
وفي المقابل، كانت الحكومة البوسنية تمتلك ميزة مختلفة: القدرة على الاستمرار داخل المناطق التي لم تستطع القوات الصربية إخضاعها.
ومع مرور الوقت بدأ الجيش البوسني يكتسب الخبرة والتنظيم، كما تمكن من بناء قدرات عسكرية أفضل رغم الحظر الدولي على الأسلحة.
وهكذا بدأ التفوق الصربي الأول يتحول تدريجيًا من طريق إلى النصر إلى مجرد أفضلية في حرب طويلة.
الجيوب المحاصرة: ساحة الحرب الأكثر تعقيدًا
من أكثر سمات الحرب غرابة ظهور عدد من الجيوب والمناطق المعزولة التي أصبحت محاصرة داخل مناطق يسيطر عليها الطرف الآخر.
ومن أبرزها سربرنيتسا وزيبا وغورازده في شرق البوسنة.
كانت هذه المناطق مرتبطة جغرافيًا بالمجال الذي تسيطر عليه القوات الصربية البوسنية، لكنها بقيت تحت سيطرة القوات البوسنية، وأصبحت مع مرور الوقت مشكلة عسكرية وسياسية وإنسانية في آن واحد.
فالسيطرة عليها كانت ستمنح الصرب البوسنيين اتصالًا جغرافيًا أكثر تماسكًا بين مناطقهم، بينما كان فقدانها يعني بالنسبة للحكومة البوسنية خسارة مناطق استراتيجية ورمزية.
لكن وجود السكان المدنيين بكثافة، ووجود المجتمع الدولي داخل بعضها لاحقًا، جعل محاولة حسمها بالقوة أكثر تعقيدًا.
وهنا ستظهر لاحقًا واحدة من أهم مفارقات الحرب: الجيوب التي كانت مشكلة عسكرية للصرب تحولت بعد إعلانها مناطق آمنة إلى اختبار مباشر لقدرة الأمم المتحدة على حماية ما تعهدت بحمايته.
لكن ذلك كان لا يزال في المستقبل.
دخول الكروات إلى الحرب ضد الصرب
لم تكن الحرب مستقرة على ثلاثة معسكرات ثابتة طوال الوقت. فبعد بداية القتال ضد القوات الصربية، دخل الكروات البوسنيون والحكومة الكرواتية في صراع مع الحكومة البوسنية نفسها، خصوصًا في وسط وجنوب البوسنة.
وأصبحت مناطق مثل موستار وسهل نيريتفا ووسط البوسنة مسارح لحرب كرواتية-بوشناقية إلى جانب الحرب الأكبر ضد القوات الصربية.
وهذا التطور مهم جدًا؛ لأنه جعل الحكومة البوسنية تقاتل في أوقات مختلفة على جبهات متعددة.
لكن الصراع بين البوشناق والكروات لم يستمر حتى النهاية. ففي 1994 تم التوصل إلى اتفاق واشنطن الذي أنهى الحرب بين الطرفين وأسس اتحاد البوسنة والهرسك.
وكان لهذا الاتفاق أثر عسكري بالغ الأهمية: بدل أن يستنزف البوشناق والكروات بعضهما، أصبح بإمكانهما توجيه قوتهما بصورة أكبر ضد القوات الصربية البوسنية.
وهنا بدأ ميزان القوى يتحرك فعلًا.
1994: بداية التحول
كانت سنة 1994 نقطة مهمة لأن الحرب بدأت تتحول من مرحلة التفوق الصربي الواضح إلى مرحلة أكثر توازنًا.
لم تكن القوات الصربية البوسنية قد انهارت، لكنها لم تعد الطرف الذي يستطيع فرض إيقاع الحرب بسهولة. وفي الوقت نفسه، أصبحت القوات البوسنية أكثر تنظيمًا، وبدأ التعاون العسكري والسياسي مع الكروات يغير شكل الجبهة.
كما أصبحت الولايات المتحدة أكثر انخراطًا في محاولة إنهاء الحرب، بينما استمرت الأمم المتحدة في الوجود على الأرض، وبدأ الناتو يستخدم القوة الجوية بصورة محدودة.
لكن التدخل الدولي في هذه المرحلة ظل شديد الحذر.
فالغرب لم يكن يريد الدخول في حرب شاملة ضد الصرب البوسنيين، ولم يكن مستعدًا بعد لتقديم التزام عسكري كبير.
ولهذا بقيت الحرب في حالة غريبة: القوى الخارجية موجودة، لكنها لا تزال تحاول إدارة الحرب بدل حسمها.
عام 1995: الحرب تدخل مرحلتها الأخيرة
مع بداية 1995 لم تكن أي من القوى قادرة على تحقيق نصر نهائي بسهولة. لكن التوازن الذي كان قائمًا في السنوات السابقة بدأ يتغير بسرعة.
وفي الصيف، تحركت القوات الصربية البوسنية ضد الجيوب الشرقية، وكان أبرزها هجومها على سربرنيتسا في يوليو.
سقوط سربرنيتسا لم يكن مجرد حدث إنساني مأساوي؛ كان أيضًا جزءًا من محاولة صربية بوسنية لإعادة تشكيل خطوط السيطرة في شرق البلاد.
لكن الهجوم أدى في الوقت نفسه إلى نتيجة لم تكن القيادة الصربية البوسنية ترغب فيها: تحويل قضية الحرب من أزمة دبلوماسية مزمنة إلى أزمة دولية كبرى.
ومن هنا ستنتقل الحرب إلى مرحلة مختلفة تمامًا.
من السيطرة الصربية إلى الهجوم المضاد
بعد سقوط سربرنيتسا، شهدت الجبهة تطورات عسكرية متسارعة. تقدمت القوات الكرواتية في غرب البوسنة، وتقدمت القوات الحكومية البوسنية في مناطق أخرى، بينما أصبحت القوات الصربية البوسنية تحت ضغط أكبر.
وفي أغسطس 1995 بدأت قوات الناتو حملة جوية واسعة ضد مواقع القوات الصربية البوسنية، في عملية عُرفت باسم Deliberate Force.
لكن من الخطأ تفسير التحول كله بالقصف الجوي وحده.
فالضربات الجوية جاءت في وقت كان فيه ميزان القوى على الأرض يتحرك أصلًا، وكانت العمليات البرية الكرواتية والبوسنية تضغط على مناطق خاضعة للصرب.
وهكذا أصبح لدى القيادة الصربية البوسنية لأول مرة منذ بداية الحرب سبب جدي للاعتقاد بأن استمرار الحرب قد يؤدي إلى خسارة أكبر مما يمكن تحقيقه عسكريًا.
عندما أصبح التفاوض أقل كلفة من القتال
هذه هي النقطة التي تفسر نهاية الحرب بصورة أفضل من القول إن أحد الأطراف «انتصر».
لم يحدث في 1995 احتلال كامل لمناطق الصرب البوسنيين، ولم ينهار جيشهم بصورة كاملة، ولم تستعد الحكومة البوسنية كل أراضيها.
لكن ميزان التكلفة تغير.
أصبحت المكاسب الإضافية التي يمكن أن يحققها الصرب البوسنيون من استمرار الحرب أقل من المخاطر التي بدأت تهدد مواقعهم. وفي المقابل، أدركت الحكومة البوسنية والكروات أن الاستمرار في القتال قد يحقق مكاسب إضافية، لكنه لن يؤدي بسهولة إلى إعادة توحيد البوسنة بالقوة.
وهنا أصبحت التسوية السياسية ممكنة.
لم يكن دايتون إذن سلامًا فرضه طرف منتصر بالكامل على طرف مهزوم بالكامل.
كان أقرب إلى تسوية فرضها تغير ميزان القوة على أطراف ما زالت تملك القدرة على القتال، لكنها لم تعد ترى في استمرار الحرب أفضل خيار لها.
الخلاصة
الحرب بدأت بتفوق عسكري واضح للقوات الصربية البوسنية، وتمكنت خلال 1992 من السيطرة على مساحات واسعة من البوسنة. لكن هذا التفوق لم يتحول إلى نصر نهائي، لأن السيطرة على الأرض كانت أسهل من الاحتفاظ بها وإخضاع مجتمع كامل شديد التعقيد.
ثم تغيرت الحرب تدريجيًا. تحسن أداء القوات البوسنية، وانتهى الصراع البوشناقي-الكرواتي، وأصبح التعاون بينهما عاملًا عسكريًا جديدًا، بينما بدأت كرواتيا نفسها تلعب دورًا أكبر في ميدان الحرب. وفي الوقت نفسه، تحول التدخل الدولي من مراقبة ومساعدات وحفظ سلام إلى ضغط عسكري متزايد.
لذلك لم تكن نهاية الحرب نتيجة حدث واحد. كان هناك انتقال تدريجي من تفوق صربي كبير إلى توازن، ثم إلى ضغط عسكري وسياسي على القوات الصربية البوسنية في 1995.
لكن قبل أن يصل العالم إلى القصف الواسع والتدخل الحاسم، كانت هناك تجربة مختلفة تمامًا: الأمم المتحدة حاولت أن تمنع الحرب من ابتلاع المدنيين، وأعلنت مناطق كاملة «آمنة» دون أن تمنح قواتها القدرة العسكرية الكافية للدفاع عنها.
ومن هنا تبدأ الحلقة التالية، حيث يصبح السؤال أكثر صعوبة:
كيف دخلت الأمم المتحدة حرب البوسنة، ولماذا اختارت حفظ السلام في حرب لم يكن فيها سلام أصلًا؟