دولة واحدة بثلاثة شعوب

في بداية التسعينيات كانت يوغوسلافيا دولة اتحادية تضم ست جمهوريات، من بينها البوسنة والهرسك، وكانت تجمع شعوبًا وديانات وهويات مختلفة: الصرب الأرثوذكس، والكروات الكاثوليك، والبوشناق المسلمون، إلى جانب مجموعات أخرى. ولم تكن البوسنة مجرد دولة متعددة الأعراق؛ كانت إحدى أكثر جمهوريات يوغوسلافيا اختلاطًا سكانيًا، بحيث لم يكن من السهل رسم حدود تفصل شعبًا عن آخر. في تعداد 1991 كان المسلمون يشكلون نحو 43.7% من السكان، والصرب 32.4%، والكروات 17.3%، مع مجموعات أخرى.
وهنا تكمن إحدى المشكلات التي ستجعل تفكك يوغوسلافيا مختلفًا عن تفكك جمهوريات أخرى. في سلوفينيا مثلًا كان بالإمكان تصور دولة ذات أغلبية سلوفينية واضحة، وفي كرواتيا كان للصراع تركيبة مختلفة بسبب وجود مناطق ذات أغلبية صربية. أما البوسنة فكانت خليطًا سكانيًا متداخلًا؛ يعيش الصرب والبوشناق والكروات في مدن وبلديات متجاورة، وأحيانًا داخل المناطق نفسها.
لذلك لم يكن السؤال عند انهيار يوغوسلافيا مجرد: من يريد الاستقلال؟ بل سرعان ما أصبح: إذا استقلت البوسنة، فأين سيكون مكان الصرب الذين يعيشون فيها؟
عندما بدأ الإطار اليوغوسلافي ينهار
لم تبدأ الحرب فجأة عام 1992. كانت يوغوسلافيا قد دخلت منذ الثمانينيات في أزمة اقتصادية وسياسية عميقة، ومع انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية تراجع النظام الذي كان يحافظ على توازن الاتحاد. ضعفت السلطة المركزية، وظهرت الأحزاب القومية، وبدأت الجمهوريات تفكر في مستقبلها خارج الدولة الاتحادية. ويصف تاريخ المحكمة الدولية السابقة ليوغوسلافيا هذه المرحلة باعتبارها مزيجًا من الأزمة الاقتصادية والسياسية وصعود القومية وتراجع الهوية اليوغوسلافية المشتركة.
وكانت المشكلة أن انهيار الدولة لم يحدث في فراغ سياسي. فقد بدأ الصرب يرون في تفكك يوغوسلافيا خطرًا على مكانتهم وعلى المناطق التي يعيشون فيها خارج صربيا، بينما رأت قيادات في جمهوريات أخرى أن بقاء الاتحاد بصيغته القديمة يعني استمرار هيمنة بلغراد ومؤسساتها العسكرية والسياسية.
وهكذا بدأ كل طرف يقرأ الأحداث من زاوية مختلفة: بالنسبة إلى بعض القوميين الصرب كان تفكك يوغوسلافيا يعني تفكك الدولة التي ينتمي إليها الصرب في جمهوريات متعددة، وبالنسبة إلى القوميين الكروات والسلوفينيين كان يعني فرصة لإنشاء دول مستقلة، وبالنسبة إلى البوسنة كان يعني أن عليها أن تختار بين البقاء داخل اتحاد آخذ في الانهيار أو الانفصال عنه.
سلوفينيا وكرواتيا: البداية التي غيرت حسابات البوسنة
في يونيو 1991 أعلنت سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما. كانت تلك الخطوة نقطة تحول؛ فقد أثبتت أن يوغوسلافيا التي عرفها الناس لعقود لم تعد كيانًا مضمون الاستمرار. خاضت سلوفينيا حربًا قصيرة، بينما تحولت الأزمة في كرواتيا إلى حرب طويلة وأكثر دموية.
وهنا بدأت الحرب الكرواتية تؤثر مباشرة في البوسنة. فقد كان الصراع بين الصرب والكروات مثالًا حيًا لما يمكن أن يحدث عندما تنهار الدولة المشتركة، كما أدى إلى استقطاب الأحزاب والقوميات داخل البوسنة نفسها. وتظهر شهادات وأدلة أمام المحكمة الدولية أن حرب كرواتيا ساهمت في زيادة التوتر بين الأحزاب القومية داخل البوسنة خلال 1991 و1992.
لم يعد تفكك يوغوسلافيا احتمالًا نظريًا. أصبح واقعًا يجري أمام الجميع، وبات على البوسنة أن تتخذ قرارها.
البوسنة أمام الخيار الأصعب
كانت القيادة السياسية في البوسنة نفسها منقسمة. حزب العمل الديمقراطي بقيادة علي عزت بيغوفيتش، والحزب الكرواتي، كانا يميلان إلى استقلال البوسنة، بينما عارض الحزب الديمقراطي الصربي استقلالها، وتمسك ببقائها ضمن يوغوسلافيا أو ضمن صيغة تضمن بقاء المناطق الصربية مرتبطة بالدولة التي يهيمن عليها الصرب.
وهنا لم يكن الخلاف مجرد خلاف دستوري. فقد كان لكل طرف تصور مختلف تمامًا لمستقبل الأرض.
إذا بقيت البوسنة داخل يوغوسلافيا، فإن الصرب البوسنيين سيكونون جزءًا من دولة ذات مركز صربي قوي. وإذا أصبحت البوسنة مستقلة، فسيتحول صرب البوسنة من شعب مكوّن للدولة اليوغوسلافية إلى جماعة قومية داخل دولة بوسنية جديدة.
وهذا التحول كان بالنسبة إلى القيادة الصربية البوسنية مسألة وجود سياسي، وليس مجرد تغيير إداري.
وتظهر أحكام المحكمة الدولية لاحقًا أن القيادة السياسية للصرب البوسنيين بدأت منذ 1991 في تنظيم البلديات ذات الأغلبية الصربية ضمن أطر سياسية خاصة، ثم تطورت هذه السياسة إلى الاستعداد للسيطرة على الأراضي بالقوة إذا أصبحت البوسنة مستقلة.
الاستقلال الذي لم يقبله الجميع
في 29 فبراير و1 مارس 1992 أُجري استفتاء حول استقلال البوسنة والهرسك. شارك فيه غالبية البوشناق والكروات، بينما قاطع الصرب البوسنيون الاستفتاء. وصوت أكثر من 60% من سكان الجمهورية لصالح الاستقلال. ثم أعلنت البوسنة استقلالها في مارس، واعترفت بها الولايات المتحدة ودول المجموعة الأوروبية في أبريل.
وهنا دخلت الأزمة مرحلة جديدة.
من منظور الحكومة البوسنية، كان الاستقلال نتيجة طبيعية لانهيار يوغوسلافيا وتصويت السكان. ومن منظور القيادة الصربية البوسنية، لم يكن الاستفتاء يمثل إرادة جميع مكونات البلاد، لأنها قاطعته أصلًا، وبالتالي لم تكن مستعدة لقبول دولة مستقلة تحت سلطة سراييفو.
وهذا الخلاف كان جوهر الانفجار القادم.
لم تعد المسألة:
هل تستمر يوغوسلافيا؟
بل أصبحت:
من يملك البوسنة إذا لم تعد يوغوسلافيا موجودة؟
لماذا تحولت الأزمة إلى حرب؟
هنا يجب تجنب التفسير السهل الذي يقول إن «ثلاث قوميات متعصبة قررت فجأة قتل بعضها». الواقع أكثر تعقيدًا.
كانت هناك دولة تنهار، وجيش اتحادي يفقد ولاءه السابق، وأحزاب قومية تتنافس على الأرض والسلطة، وحرب مشتعلة في كرواتيا، وسلاح موزع بين السكان، ومخاوف تاريخية متبادلة، وتدخلات من صربيا وكرواتيا، وقيادات بدأت تستعد لاحتمال الحرب قبل إعلان الاستقلال.
وفي الجانب الصربي البوسني تحديدًا، بدأ بناء هياكل سياسية وعسكرية موازية قبل اندلاع الحرب المفتوحة. وتشير الأدلة التي درستها المحكمة الدولية إلى أن القيادة الصربية البوسنية كانت قد بدأت منذ أواخر 1991 وأوائل 1992 في التحضير لانتزاع الأراضي بالقوة، بما في ذلك تنظيم وتسليح السكان الصرب بالتعاون مع عناصر من الجيش الشعبي اليوغوسلافي.
وهذا لا يعني أن الحرب كانت نتيجة قرار طرف واحد فقط؛ فالأزمة كانت متعددة الأطراف، وتطورت بسرعة إلى صراع على السلطة والأرض، ثم إلى عمليات عسكرية واسعة.
الجيش الذي لم يعد جيش دولة واحدة
كان أحد أكبر عناصر القوة لدى الصرب البوسنيين هو الإرث العسكري اليوغوسلافي. فقد كان الجيش الشعبي اليوغوسلافي يمتلك تفوقًا هائلًا في السلاح الثقيل والتنظيم والخبرة مقارنة بالقوى البوسنية الناشئة.
ومع تفكك يوغوسلافيا، لم تختفِ هذه القدرات ببساطة. انتقلت أجزاء كبيرة من البنية العسكرية والسلاح والكوادر إلى القوات الصربية البوسنية، بينما كانت الحكومة البوسنية تحاول بناء قوة عسكرية في ظروف صعبة وتحت حظر دولي على السلاح.
ولهذا دخلت الحرب بميزان عسكري غير متكافئ منذ البداية، وهو ما ساعد القوات الصربية البوسنية على السيطرة سريعًا على مساحات واسعة من البلاد. وتقدر المحكمة الدولية أن القوات الصربية البوسنية، بدعم من الجيش اليوغوسلافي وصربيا، تمكنت في وقت مبكر من السيطرة على أكثر من 60% من أراضي البوسنة.
لكن الصراع لم يكن ثنائيًا
من الأخطاء الشائعة تصوير حرب البوسنة على أنها حرب بين الصرب والبوشناق فقط.
في الواقع، دخل الكروات البوسنيون الحرب أيضًا، وظهرت جمهورية كروات البوسنة والهرسك، بينما دعمت كرواتيا القوى الكرواتية داخل البوسنة. وهكذا أصبح الصراع ثلاثي الأطراف في مراحل مهمة منه، مع تغير التحالفات والخصومات بمرور الوقت.
بل إن المحكمة الدولية خلصت في إحدى القضايا إلى أن تدخل كرواتيا جعل الصراع في وسط البوسنة ذا طابع دولي، وهو ما يوضح أن الحدود بين «الحرب الأهلية» و«الحرب التي تتدخل فيها دول خارجية» لم تكن واضحة كما قد يبدو من النظرة الأولى.
ولهذا كانت البوسنة منذ البداية أكثر من مجرد نزاع داخلي. كانت ساحة تتقاطع فيها مشاريع ثلاثة أطراف داخلية مع مصالح دولتين مجاورتين على الأقل، في وقت كانت فيه الدولة اليوغوسلافية نفسها تنهار.
من الخلاف السياسي إلى الصراع على الأرض
مع بداية الحرب في 1992، تغيرت طبيعة الصراع بصورة نهائية. لم تعد الأحزاب تتنافس فقط على شكل الدولة؛ أصبحت الجيوش تتنافس على الأرض.
وكانت المشكلة أن السيطرة على الأرض في البوسنة تعني في كثير من الأحيان السيطرة على السكان الموجودين عليها. لذلك ارتبط التقدم العسكري بالتهجير والاستيلاء على المدن والقرى وتغيير التركيبة السكانية.
وهنا ظهرت عمليات التطهير العرقي والقتل والاحتجاز والترحيل على نطاق واسع. ارتكبت جرائم خطيرة من جانب أطراف متعددة، وإن اختلف حجمها وطبيعتها وتوقيتها. وقد قدرت المحكمة الدولية لاحقًا أن الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من 100 ألف شخص وتشريد أكثر من مليوني شخص، أي أكثر من نصف سكان البلاد.
لكن هذه ستكون موضوعات مقالات لاحقة؛ لأن فهم لماذا بدأت الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى خلط بين أسباب الصراع وبين الحكم على كل جريمة ارتكبت خلاله.
لماذا كانت البوسنة أخطر جمهوريات يوغوسلافيا؟
السبب الجوهري أن البوسنة كانت تقريبًا صورة مصغرة ليوغوسلافيا نفسها.
إذا كانت يوغوسلافيا دولة متعددة القوميات، فالبوسنة كانت كذلك أيضًا. وإذا كان انهيار يوغوسلافيا يعني إعادة تعريف العلاقة بين القوميات والأرض، فإن انهيارها داخل البوسنة كان يعني إعادة تعريف تلك العلاقة داخل الجمهورية نفسها.
لم يكن هناك خط حدود طبيعي يمكن أن يقول: هنا ينتهي البوشناق ويبدأ الصرب، وهنا تبدأ مناطق الكروات. كانت المجتمعات متداخلة، ولذلك فإن مشروع تقسيم سياسي على أساس قومي كان يعني في كثير من الأحيان تحريك السكان بدل مجرد رسم الحدود.
وهذا هو السبب الذي جعل الحرب أكثر قسوة وتعقيدًا من حرب سلوفينيا، وأشد استمرارًا من الصراع الأول في كرواتيا.
الخلاصة
لم تبدأ حرب البوسنة لأن شعبًا واحدًا استيقظ فجأة وقرر الحرب، ولا لأن حادثة واحدة أشعلت البلاد. بدأت من انهيار دولة متعددة القوميات فقدت مركزها السياسي، في وقت كانت فيه القومية تتحول إلى البديل الأقوى للهوية اليوغوسلافية المشتركة.
لكن انهيار الدولة لم يكن كافيًا وحده لصناعة الحرب. ما جعل الانهيار يتحول إلى صراع مسلح كان أن كل طرف بدأ يتعامل مع مستقبل البوسنة باعتباره مسألة سيطرة على الأرض والسلطة، لا مجرد تفاوض على شكل الدولة. وعندما دخل السلاح والجيش والتنظيمات القومية إلى المعادلة، أصبح التراجع أصعب بكثير.
كانت البوسنة إذن المكان الذي اصطدمت فيه ثلاثة مشاريع في دولة واحدة: بقاء الصرب ضمن فضاء سياسي يوغوسلافي أو صربي، استقلال البوسنة بقيادة أغلبية بوشناقية وكرواتية، والمشروع الكرواتي داخل البوسنة.
ومن هنا بدأت الحرب التي ستجبر المجتمع الدولي لاحقًا على مواجهة سؤال أصعب بكثير من سؤال استقلال البوسنة: كيف تتعامل الأمم المتحدة مع حرب لا تستطيع إيقافها، داخل دولة تعترف بها، بينما تتغير حدودها بالسلاح أمام العالم؟
وهذا هو السؤال الذي يبدأ منه الفصل التالي.