حرب البوسنة: بداية الحرب وموقف الامم المتحدة: المناطق الآمنة.. عندما وعدت الأمم المتحدة بالحماية

فكرة تبدو بسيطة على الورق

مع استمرار حرب البوسنة، أصبح واضحًا أن المساعدات الإنسانية وحدها لن تحمي المدنيين من القتال. كانت مدن ومناطق كاملة محاصرة، والسكان يعيشون بين القصف ونقص الغذاء والدواء والخوف من الهجوم البري.

ومن هنا ظهرت فكرة المناطق الآمنة.

في أبريل 1993 أعلن مجلس الأمن سربرنيتسا منطقة آمنة، ثم وسّع القرار في مايو ليشمل خمس مناطق أخرى: سراييفو، وتوزلا، وزيبا، وغورازده، وبيهاتش. وفي يونيو أصدر المجلس القرار 836 الذي سمح لقوات الأمم المتحدة باستخدام القوة في الدفاع عن هذه المناطق، كما أجاز استخدام القوة الجوية بالتنسيق مع الناتو.

على الورق كان الأمر يبدو واضحًا: هناك منطقة يجب ألا تتعرض لهجوم، وهناك قوات دولية موجودة لحمايتها. لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا.

ما معنى «آمنة»؟

المشكلة الأولى أن كلمة «آمنة» كانت أقوى من القدرة العسكرية التي تقف خلفها. لم تكن الأمم المتحدة تنشئ قواعد عسكرية ضخمة حول المدن، ولم يكن هناك جيش دولي قادر على منع أي قوة مهاجمة من دخولها. كانت القوات الأممية محدودة العدد والتسليح، وكانت مهمتها مرتبطة بقواعد اشتباك معقدة.

وهذا خلق فجوة خطيرة بين المعنى السياسي للقرار والمعنى العسكري له. عندما يسمع المدني عبارة «منطقة آمنة»، يتوقع أن هناك قوة ستمنع المهاجم من دخولها. لكن عندما ينظر القائد العسكري إلى الخريطة، يرى شيئًا مختلفًا: قوات قليلة، أسلحة محدودة، مواقع دفاعية غير كافية، وقوة جوية تحتاج إلى إجراءات وموافقات قبل استخدامها.

ولهذا كانت «المنطقة الآمنة» في الواقع أقرب إلى التزام دولي بالردع منها إلى حصن عسكري محصن.

لماذا قبلت الأمم المتحدة بهذا الترتيب؟

لأن البديل كان أصعب بكثير. إنشاء مناطق آمنة حقيقية كان يتطلب إرسال قوات كبيرة، ونشرها على محيط واسع، وتأمين طرق الإمداد، والاستعداد لخوض معارك مباشرة ضد القوات الصربية البوسنية إذا رفضت الانسحاب.

وهذا كان يعني شيئًا آخر تمامًا: إدخال قوات الأمم المتحدة في حرب فعلية.

والدول الأعضاء لم تكن مستعدة بسهولة لتحمل هذا الثمن. ولهذا اختير حل وسط: وجود أممي على الأرض، مع إمكانية طلب دعم جوي من الناتو عند الضرورة. كان الهدف أن يكون وجود القوات الدولية كافيًا لردع الهجوم، من دون تحويلها إلى جيش احتلال. لكن الردع لا يعمل إلا إذا كان الخصم مقتنعًا بأن التهديد حقيقي. وهنا بدأت المشكلة.

سربرنيتسا: منطقة آمنة في أسوأ مكان ممكن

كانت سربرنيتسا تقع في شرق البوسنة، بالقرب من الحدود مع صربيا، ومحاطة تقريبًا بالمناطق التي تسيطر عليها القوات الصربية البوسنية. من الناحية العسكرية، كانت منطقة صعبة الدفاع. كانت القوات البوسنية داخلها محدودة، بينما كانت القوات الصربية البوسنية تملك أفضلية كبيرة في الأسلحة الثقيلة والقدرة على المناورة. كما أن المنطقة كانت تعتمد على طرق إمداد محدودة، وأصبحت مع مرور الوقت جيبًا معزولًا.

وهنا ظهر تناقض واضح: اختيرت سربرنيتسا لحماية السكان، لكن موقعها الجغرافي جعل حمايتها عسكريًا شديدة الصعوبة. كان يمكن إعلانها منطقة آمنة بقرار سياسي خلال ساعات، لكن تحويلها إلى منطقة آمنة فعليًا كان يحتاج إلى قدرات عسكرية أكبر بكثير.

القوة الأممية كانت صغيرة مقارنة بالمهمة

كانت الكتيبة الهولندية الموجودة في سربرنيتسا، المعروفة باسم Dutchbat، القوة الرئيسية للأمم المتحدة داخل الجيب. لكنها لم تكن جيشًا مكلفًا بخوض معركة كبيرة. كانت مهمتها الأساسية حفظ وجود الأمم المتحدة والمساعدة في حماية المنطقة ضمن الإمكانات المتاحة.

وهنا يجب تجنب فكرة شائعة تقول إن الجنود الهولنديين «كانوا يستطيعون هزيمة جيش ملاديتش لكنهم رفضوا». هذا غير دقيق. القوة الموجودة كانت محدودة مقارنة بحجم القوات الصربية البوسنية التي بدأت الهجوم، كما أن وضعها اللوجستي والعسكري كان صعبًا، وكانت قواعد استخدام القوة تقيد قدرتها على التصعيد.

وهذا لا يعفي الأمم المتحدة من مسؤولية القرار السياسي الذي وضع قوة محدودة في منطقة شديدة الخطورة، لكنه يوضح لماذا لم تكن النتيجة محسومة عسكريًا لصالح القوات الأممية.

وماذا عن الطيران؟

هنا يصبح الأمر أكثر تعقيدًا. قرار مجلس الأمن 836 سمح باستخدام القوة الجوية لدعم المناطق الآمنة، بالتنسيق مع الناتو. لكن استخدام القوة الجوية لم يكن تلقائيًا بمجرد تعرض المنطقة لهجوم. كانت هناك إجراءات وطلبات وموافقات، وكان على القوات الأممية الموجودة على الأرض أن تحدد الأهداف وتطلب الدعم.

وهذا يعني أن الطائرات الموجودة في السماء لا تعني بالضرورة أن القائد الموجود على الأرض يستطيع الاتصال بها فورًا وتوجيهها إلى أي هدف. كان النظام قائمًا على سلسلة قرار طويلة نسبيًا. وهذه السلسلة ستصبح لاحقًا واحدة من أهم أسباب الجدل حول سقوط سربرنيتسا.

المشكلة الأكبر: من الذي يدافع عن المنطقة؟

هنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات حرب البوسنة. الأمم المتحدة أعلنت المنطقة آمنة. لكنها لم تنزع سلاح القوات البوسنية الموجودة داخلها بالكامل، ولم تفرض على القوات الصربية البوسنية قدرة عسكرية تجعل الاقتحام مستحيلًا. وبالتالي أصبح الوضع بين نموذجين:

  • إذا كان الهدف منطقة منزوعة السلاح بالكامل، فإن وجود القوات البوسنية داخلها يمثل مشكلة.
  • وإذا كان الهدف الدفاع العسكري الكامل عنها، فإن القوات الأممية نفسها تحتاج إلى قوة كبيرة وتسليح مناسب.

لكن النظام الذي نشأ لم يكن هذا ولا ذاك. كان ترتيبًا سياسيًا وعسكريًا هجينًا. وهذا النوع من الترتيبات قد يعمل عندما يكون الطرف الآخر خائفًا من التصعيد. لكنه يصبح هشًا جدًا إذا قرر الطرف الآخر اختبار حدوده.

الصرب اختبروا الحدود تدريجيًا

لم يكن سقوط سربرنيتسا حادثة مفاجئة بدأت في يوليو 1995 من الصفر. كانت القوات الصربية البوسنية تضغط على الجيب وتقطع طرق الإمداد وتفرض حصارًا متزايدًا، بينما كانت الأمم المتحدة تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من تدفق المساعدات.

وكانت الرسالة التي يتلقاها الصرب البوسنيون من الواقع أكثر أهمية من نص القرار نفسه: هناك قوات أممية داخل المنطقة، لكن الرد العسكري على الخروقات ليس دائمًا سريعًا أو حاسمًا.

وهنا بدأ يتشكل حساب خطير. إذا كان اختبار المنطقة لا يؤدي إلى حرب مباشرة مع الأمم المتحدة، فإن تكلفة الاختبار تصبح أقل. وهذا بالضبط ما يجعل قصة سربرنيتسا لاحقًا مرتبطة بسؤالنا السابق عن ملاديتش.

لماذا لم تستخدم الأمم المتحدة القوة منذ البداية؟

السبب ليس أنها لم تكن تعرف أن القوات الصربية تضغط على المنطقة. بل لأن استخدام القوة كان يمكن أن يخلق مشكلة أكبر. لو قصفت الأمم المتحدة أو الناتو مواقع صربية بقوة، فقد ترد القوات الصربية باستهداف الجنود الأمميين في المنطقة أو في مواقع أخرى. وهذا لم يكن احتمالًا نظريًا.

في مايو ويونيو 1995، عندما تصاعد استخدام القوة الجوية، احتجزت القوات الصربية البوسنية أفرادًا من الأمم المتحدة واستخدمت بعضهم كرهائن ودروع بشرية. وبالتالي أصبح لدى القادة الدوليين خوف حقيقي من أن يؤدي استخدام القوة إلى تعريض آلاف الجنود الأمميين للخطر. وهنا وصل النظام إلى مأزقه الحقيقي:

القوة التي تحتاجها الأمم المتحدة لحماية المنطقة قد تجعل جنودها أنفسهم أكثر عرضة للخطر.

بيهاتش وغورازده وزيبا: المشكلة لم تكن سربرنيتسا وحدها

سربرنيتسا لم تكن الحالة الوحيدة.

كانت المناطق الآمنة موزعة في أماكن مختلفة، وكل منها يواجه ظروفًا عسكرية مختلفة. وكانت الأمم المتحدة تحاول إدارة هذه الجيوب في وقت كانت فيه خطوط الجبهة تتغير باستمرار.

وفي بعض الحالات نجحت القوة الدولية في ردع الهجمات أو الحد منها، لكن التجربة ككل أثبتت أن إعلان منطقة آمنة لا يساوي إنشاء منطقة لا يستطيع أحد مهاجمتها.

وكان غورازده مثالًا مهمًا؛ إذ تعرض لهجوم صربي في 1994، ونتيجة لذلك استخدم الناتو القوة الجوية ضد مواقع صربية، في أول استخدام قتالي واسع لطائرات الناتو في تاريخ الحلف. لكن تلك الضربات بقيت محدودة، ولم تتحول إلى حملة شاملة. وهكذا استمر الاعتقاد بأن المجتمع الدولي يريد الردع دون الحرب.

ثم جاءت أزمة الرهائن

في مايو 1995 بدأت القوات الصربية البوسنية باحتجاز أفراد من قوات الأمم المتحدة ردًا على الضربات الجوية. كان الهدف واضحًا من الناحية العسكرية: رفع تكلفة استخدام القوة الجوية.

وحققت الخطوة تأثيرًا مباشرًا؛ فقد أصبح القادة الغربيون أمام معضلة حقيقية: استمرار الضربات قد يعرض الجنود الموجودين على الأرض للخطر، ووقف الضربات يعني أن التهديد العسكري فقد جزءًا من مصداقيته.

لكن من زاوية استراتيجية أطول، كان هناك ثمن آخر. احتجاز جنود الأمم المتحدة أثبت أن القوات الدولية نفسها أصبحت رهينة لقدرتها على الرد. وهذا أضعف نموذج «حفظ السلام» الذي كان قائمًا.

المفارقة التي صنعت الطريق إلى يوليو 1995

بحلول صيف 1995 أصبحت الأمم المتحدة أمام ثلاثة خيارات سيئة:

  • الأول: الانسحاب من المناطق الآمنة، وهو اعتراف صريح بفشل السياسة.
  • الثاني: زيادة القوات والدخول في مواجهة برية واسعة، وهو أمر لم تكن الدول مستعدة له.
  • الثالث: الإبقاء على القوات الموجودة واستخدام القوة الجوية عند الضرورة، مع محاولة إبقاء التصعيد تحت السيطرة.

اختير الخيار الثالث.

وكان هذا الخيار قابلًا للاستمرار فقط ما دام الطرف الآخر يحترم الخطوط الحمراء. لكن القوات الصربية البوسنية قررت اختبار الخط الأحمر في سربرنيتسا. وفي يوليو 1995 بدأ الهجوم.

الخلاصة

كانت فكرة المناطق الآمنة واحدة من أكثر محاولات المجتمع الدولي طموحًا في حرب البوسنة، لكنها كانت تحمل تناقضًا منذ البداية.

الأمم المتحدة أرادت حماية المدنيين دون الدخول في حرب. وأرادت استخدام القوة عند الضرورة دون أن تصبح طرفًا كاملًا في الصراع. وأرادت ردع القوات الصربية البوسنية دون نشر جيش كبير. وكانت هذه الأهداف الثلاثة صعبة الجمع. لهذا لم تكن المشكلة في أن الأمم المتحدة أعلنت سربرنيتسا «آمنة» ثم نسيت أمرها. المشكلة الأعمق أن الصفة السياسية للمنطقة كانت أقوى من القدرة العسكرية المخصصة للدفاع عنها.

وهنا نصل إلى السؤال الذي سيشكل الحلقة التالية: ماذا حدث عندما قرر راتكو ملاديتش اختبار هذا الترتيب حتى نهايته؟ فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كيف سقطت سربرنيتسا؟ بل: ماذا كان ملاديتش يعرف عن حدود القوة الدولية عندما اتخذ قرار الهجوم؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.