حرب البوسنة: بداية الحرب وموقف الامم المتحدة: سربرنيتسا.. كيف سقطت المنطقة الآمنة؟

كيف سقطت المنطقة الآمنة؟

بعد أن أعلنت الأمم المتحدة سربرنيتسا «منطقة آمنة»، لم تعد المدينة مجرد جيب محاصر في شرق البوسنة. أصبحت اختبارًا مباشرًا لمصداقية المجتمع الدولي. كان القرار الأممي يقول إن المنطقة يجب أن تكون محمية، لكن الواقع العسكري كان يقول شيئًا آخر: جيب صغير محاط بالقوات الصربية البوسنية، وسكان مدنيون يعتمدون على المساعدات، وقوة أممية محدودة لا تملك وسائل حرب حقيقية.

ولهذا فإن سقوط سربرنيتسا في يوليو 1995 لم يكن حادثًا منفصلًا عن السنوات السابقة. كان النتيجة النهائية لتناقض ظل يتراكم منذ إنشاء المناطق الآمنة: التزام سياسي كبير، وقدرة عسكرية محدودة، وخصم بدأ يختبر حدود ذلك الالتزام.

جيب محاصر داخل مناطق صربية

كانت سربرنيتسا تقع في شرق البوسنة، في منطقة قريبة من الحدود مع صربيا، وأصبحت منذ بداية الحرب محاصرة تقريبًا بالأراضي التي تسيطر عليها القوات الصربية البوسنية. وبعد إعلانها منطقة آمنة عام 1993، أصبحت المدينة تستضيف أعدادًا كبيرة من المدنيين الفارين من مناطق أخرى، بينما بقيت القوات البوسنية المسلحة داخل الجيب.

كان هذا الوضع يحمل مشكلة عسكرية منذ البداية. فالجيب لم يكن متصلًا جغرافيًا بالمناطق الرئيسية التي تسيطر عليها الحكومة البوسنية، وكانت طرق الإمداد محدودة، بينما تستطيع القوات الصربية البوسنية التحكم بالمرتفعات والطرق المحيطة. وبالتالي، كان من الممكن إبقاء سربرنيتسا «موجودة» سياسيًا، لكن تحويلها إلى منطقة محمية عسكريًا كان أكثر صعوبة بكثير.

الحماية الأممية لم تعنِ جيشًا أمميًا

كانت الكتيبة الهولندية المعروفة باسم Dutchbat القوة الرئيسية للأمم المتحدة الموجودة داخل الجيب. لكن طبيعة مهمتها مهمة جدًا لفهم ما حدث. لم تُرسل الكتيبة لكي تخوض حربًا هجومية ضد القوات الصربية البوسنية، ولم تكن بحجم أو تسليح يسمح لها بمواجهة جيش كامل يهاجم المنطقة. كانت مهمتها مرتبطة بحماية المنطقة وتنفيذ تفويض الأمم المتحدة ضمن قواعد اشتباك محددة.

وهنا يجب التمييز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان في الحديث عن سربرنيتسا: الأمم المتحدة كانت قد قررت أن المنطقة آمنة. لكنها لم تنشئ داخلها قوة عسكرية تجعل احتلالها مستحيلًا. وهذا الفرق سيظهر بصورة مأساوية عندما بدأ الهجوم.

الضغط لم يبدأ في 11 يوليو

في 6 يوليو 1995 بدأت القوات الصربية البوسنية بقيادة راتكو ملاديتش هجومًا واسعًا باتجاه سربرنيتسا. لكن الهجوم لم يكن مجرد اندفاعة مفاجئة إلى المدينة. كان مسبوقًا بضغط طويل على الجيب، وتضييق على طرق الإمداد، وقيود على دخول المواد الغذائية والوقود، وتراجع قدرة القوات الموجودة داخله على الصمود.

وبحلول صيف 1995 كان الجيب في وضع هش للغاية. وهنا كان أمام القيادة الصربية البوسنية خيار عسكري واضح: إذا استطاعت عزل سربرنيتسا عن الخارج ثم التقدم تدريجيًا، فإن القوات الأممية الموجودة داخلها ستجد نفسها أمام أزمة يصعب حلها بالقوة. وهذا ما حدث.

لماذا لم توقف الضربات الجوية الهجوم؟

هنا نصل إلى أكثر النقاط تعقيدًا في سقوط المدينة. كان الناتو يملك القوة الجوية، لكن الطائرات لم تكن تعمل بصورة مستقلة عن الأمم المتحدة. كانت هناك آلية لطلب الضربات الجوية، وكان استخدام القوة مرتبطًا بتحديد الأهداف والتنسيق مع القوات الأممية الموجودة على الأرض. وفي 6 و8 يوليو طلبت القوات الأممية دعمًا جويًا في مواجهة التقدم الصربي، ونُفذت ضربات محدودة، لكنها لم توقف الهجوم.

وتفاقم الوضع مع صعوبة تحديد الأهداف المناسبة وخطر إصابة القوات الأممية، إضافة إلى القيود السياسية والعسكرية التي أحاطت باستخدام القوة الجوية. وهكذا حدث شيء بالغ الأهمية: التهديد الجوي الذي كان يفترض أن يردع الهجوم لم يتحول إلى قوة توقفه في بدايته. وبمجرد أن أصبح التقدم الصربي أمرًا واقعًا، ارتفعت تكلفة التدخل.

القوات الهولندية أصبحت بين طرفين

مع تقدم القوات الصربية، أصبحت وحدات Dutchbat في وضع شديد الصعوبة. 

  • كانت هناك قوات صربية تتقدم من الخارج، وقوات بوسنية داخل الجيب، ومدنيون يهربون، وقيادة أممية تحاول معرفة حدود التفويض الذي تستطيع استخدامه.
  • وكان على الجنود الهولنديين أن يقرروا متى يستخدمون القوة وكيف.

لكن المشكلة أن أي مواجهة مباشرة واسعة مع القوات الصربية كانت تعني احتمال تحول الكتيبة إلى طرف مقاتل، مع عدد محدود من الجنود والقدرات مقارنة بالقوة المهاجمة. وهذا لم يكن مجرد خوف من الخسائر. كانت هناك أيضًا مشكلة الرهائن.

فقد كانت تجربة مايو ويونيو 1995 لا تزال حاضرة: القوات الصربية البوسنية سبق أن احتجزت جنودًا أمميين واستخدمتهم كدروع بشرية. وبالتالي كانت القيادة الدولية تعرف أن التصعيد ضد القوات الصربية يمكن أن يعرض القوات الأممية في البوسنة كلها للخطر.

11 يوليو: دخول القوات الصربية

في 11 يوليو دخلت القوات الصربية البوسنية إلى سربرنيتسا. ظهر راتكو ملاديتش أمام الكاميرات داخل المدينة، في مشهد كان يحمل رسالة سياسية وعسكرية تتجاوز السيطرة على مدينة صغيرة. كان يريد أن يقول إن المنطقة التي أعلنتها الأمم المتحدة «آمنة» أصبحت تحت سيطرته. لكن السيطرة العسكرية على المدينة لم تكن نهاية العملية. كانت بداية الجزء الأكثر مأساوية.

المدنيون يتجمعون عند قاعدة الأمم المتحدة

هرب آلاف المدنيين باتجاه قاعدة الأمم المتحدة في بوتوتشاري، على أمل أن وجود القوات الدولية سيحميهم. لكن القاعدة لم تكن قادرة على استيعاب الأعداد الهائلة التي وصلت إليها. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 25 ألف مدني تجمعوا في بوتوتشاري، بينما حاول آلاف الرجال والفتيان الفرار عبر الغابات باتجاه المناطق التي تسيطر عليها الحكومة البوسنية.

وهنا انقسم السكان عمليًا إلى مسارين: النساء والأطفال وكبار السن اتجه كثير منهم إلى بوتوتشاري، بينما حاول عدد كبير من الرجال القادرين على القتال الخروج عبر الغابات. وهذه اللحظة ستكون بداية واحدة من أكثر جرائم الحرب توثيقًا في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

ماذا حدث للرجال؟

بعد سقوط المدينة، بدأت القوات الصربية البوسنية بفصل الرجال والفتيان عن بقية السكان. وأُخذ آلاف الأسرى إلى أماكن مختلفة في المنطقة. ثم بدأت عمليات قتل جماعي منظمة للرجال والفتيان البوشناق.

وهنا يجب أن نكون دقيقين في اللغة: سقوط سربرنيتسا كان عملية عسكرية، لكن عمليات القتل التي أعقبته أصبحت جريمة منفصلة ذات طبيعة جنائية واسعة النطاق. وهذا التمييز مهم لأن الهدف العسكري من السيطرة على الجيب لا يفسر وحده ما حدث بعد السيطرة عليه. 

فقد أثبتت المحاكم الدولية لاحقًا أن القوات الصربية البوسنية نفذت عملية منظمة لقتل آلاف الرجال والفتيان البوشناق، وأن هذه الجرائم شكّلت إبادة جماعية وفق الأحكام القضائية الدولية.

كم كان عدد الضحايا؟

تقدر الأمم المتحدة والمحاكم الدولية أن أكثر من 8,000 رجل وصبي بوسني مسلم قُتلوا في عمليات مرتبطة بسقوط سربرنيتسا. وتوزعت عمليات القتل على عدة مواقع، ولم تكن كلها في مكان واحد أو في يوم واحد. كان بعض الأسرى يُنقلون إلى مدارس ومستودعات ومبانٍ أخرى، ثم يُقتلون في مجموعات. وفي الوقت نفسه كانت فرق الدفن تعمل على إخفاء آثار الجريمة، بما في ذلك نقل بعض الرفات من المقابر الأصلية إلى مواقع أخرى.

وهذا ما جعل كشف حجم الجريمة يستغرق سنوات، مع الاعتماد على شهادات الناجين، والوثائق، والصور الجوية، والتحقيقات الجنائية، واستخراج الرفات وتحديد هوية الضحايا.

لماذا لم تستطع الأمم المتحدة منع ذلك؟

هذا هو السؤال الذي سيظل مرتبطًا بسربرنيتسا. والإجابة ليست أن القوات الأممية «لم تكن تعرف» ما يحدث. كانت تعرف أن الوضع ينهار، وكانت ترى تدفق المدنيين، وكانت تدرك أن القوات الصربية أصبحت داخل المدينة. لكن قدرتها على إجبار القوات الصربية على التراجع كانت محدودة للغاية. 

وهنا تظهر المشكلة التي ناقشناها في المقال السابق: إعلان المنطقة آمنة لم يساوِ امتلاك القدرة العسكرية على الدفاع عنها. وعندما قررت القوات الصربية تجاوز الخط الأحمر، وجدت الأمم المتحدة نفسها أمام خيارين كلاهما سيئ: إما استخدام قوة كبيرة لم تكن مجهزة لها، أو التراجع أمام قوة مسلحة أقوى. وقد حدث التراجع.

هل كان سقوط سربرنيتسا حتميًا؟

ليس بالضرورة. وهذه نقطة يجب ألا نحولها إلى حكم مبسط. كانت هناك خيارات عسكرية وسياسية مختلفة كان يمكن أن تغير النتيجة، مثل تعزيز الجيب بقوة أكبر، أو تغيير قواعد الاشتباك، أو استخدام القوة الجوية في وقت أبكر وبشكل أكبر، أو اتخاذ قرار سياسي واضح بأن محاولة احتلال المنطقة ستؤدي إلى مواجهة عسكرية واسعة.

لكن هذه الخيارات كانت تتطلب استعدادًا حقيقيًا لتحمل الحرب والمخاطر. وهذا هو الشيء الذي لم يكن المجتمع الدولي مستعدًا له قبل يوليو 1995. لذلك لا يمكن القول إن سقوط سربرنيتسا كان «قدرًا محتومًا»، كما لا يمكن القول إن منع سقوطها كان سهلًا. كان يمكن تغيير النتيجة، لكن ذلك كان يحتاج إلى قرار سياسي باستخدام قوة أكبر مما كانت الدول مستعدة لاستخدامه في ذلك الوقت.

المفارقة: سقوط سربرنيتسا لم ينهِ الحرب، لكنه غيرها

قد يبدو أن سقوط المدينة كان انتصارًا استراتيجيًا للقوات الصربية البوسنية. فقد أزيل جيب معادٍ من شرق البلاد، وأثبت الجيش الصربي البوسني قدرته على اختراق منطقة أعلنت الأمم المتحدة حمايتها. لكن النجاح العسكري تحول سريعًا إلى مشكلة استراتيجية. لأن سربرنيتسا لم تعد مجرد معركة محلية. أصبحت رمزًا لفشل سياسة المجتمع الدولي، وأصبحت الجرائم التي أعقبت سقوطها من أكبر أسباب التحول في الموقف الغربي. وهنا بدأت المعادلة تتغير.

لم تعد المسألة فقط: كيف نحافظ على وقف إطلاق النار؟ بل: هل يمكن استمرار النظام الدولي الذي سمح بسقوط منطقة آمنة أمام أعين قوات الأمم المتحدة؟ وكانت الإجابة ستأتي بعد أسابيع فقط، لكن هذه المرة بالقوة الجوية.

الخلاصة

سقطت سربرنيتسا لأن القوات الصربية البوسنية استطاعت استغلال ضعف الجيب عسكريًا، محدودية القوة الأممية، القيود المفروضة على استخدام القوة الجوية، والتردد الدولي في تحويل حماية المنطقة إلى حرب شاملة. لكن سقوط المدينة لا يفسر وحده ما حدث بعدها. فالاستيلاء على منطقة عسكرية شيء، وقتل آلاف الأسرى والمدنيين شيء آخر. وقد أثبتت المحاكم الدولية لاحقًا أن عمليات القتل التي أعقبت سقوط سربرنيتسا كانت منظمة وعلى نطاق واسع، وصنفتها قضائيًا ضمن الإبادة الجماعية.

وهنا تقع إحدى أكبر مفارقات الحرب: القيادة الصربية البوسنية حققت مكسبًا عسكريًا قصير الأجل، لكنها أنتجت من خلال الطريقة التي تعاملت بها مع سربرنيتسا أزمة دولية ستقوض قدرتها السياسية على الاستمرار في الحرب.

لكن السؤال الأكثر إثارة لم يعد: لماذا سقطت سربرنيتسا؟ بل: كيف استطاع راتكو ملاديتش أن يقرر مهاجمة منطقة أعلنت الأمم المتحدة حمايتها، وهو يعرف أن جنود الأمم المتحدة موجودون فيها؟ وهذا هو موضوع الحلقة التالية.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.