حرب البوسنة: بعد الحرب والانقسام والارث: ماذا بقي من حرب البوسنة؟ من ذاكرة المجازر إلى دولة لم تتجاوز الماضي

ماذا بقي من حرب البوسنة؟ من ذاكرة المجازر إلى دولة لم تتجاوز الماضي

بعد خمسة عشر مقالًا، يمكن أن تبدو حرب البوسنة وكأنها انتهت منذ زمن بعيد. وهذا صحيح عسكريًا، لكنه غير صحيح تاريخيًا وسياسيًا. فالحرب انتهت في نوفمبر 1995، لكن آثارها لم تختفِ مع توقيع اتفاق دايتون. بقيت المقابر، واللاجئون، والمدن التي تغير تركيبها السكاني، والبيوت التي لم يعد إليها أصحابها، والذاكرة المتناقضة بين مكونات المجتمع، وبقي نظام سياسي صُمم لإنهاء الحرب ثم تحول إلى الإطار الدائم للدولة.

لكن اختزال البوسنة في أنها «بلد لم يتجاوز الحرب» سيكون أيضًا غير دقيق. فهناك أجيال كاملة ولدت بعد الحرب، ومدن عادت إلى الحياة، واقتصاد أعيد بناؤه، وحركة سكان طبيعية، ومؤسسات تعمل، ولم تعد البلاد إلى العنف واسع النطاق.

لذلك فإن السؤال الأدق ليس: هل تجاوزت البوسنة الحرب؟

بل: إلى أي حد استطاعت أن تتحول من بلد أوقف الحرب إلى بلد يعيش خارج منطقها؟

الحرب التي انتهت ولم تختفِ

الحروب لا تترك وراءها الدمار المادي فقط. في البوسنة، تغيرت ملكية المنازل، وتغير توزيع السكان، وفقدت عائلات أفرادًا منها، واختفت قرى أو تغيرت هويتها، وخرج ملايين الأشخاص من أماكنهم الأصلية. ثم جاءت عملية العودة وإعادة الإعمار. لكن إعادة بناء المنزل لا تعني بالضرورة إعادة بناء الحياة التي كانت داخله.

يمكن أن يعود شخص إلى مدينته بعد عشر سنوات، لكنه يجد جيرانه قد اختفوا، ومدرسته مختلفة، والحي الذي كان يعرفه قد أصبح ذا أغلبية أخرى. لهذا كان انتهاء الحرب أسهل من استعادة المجتمع الذي كان موجودًا قبلها.

سربرنيتسا: الجرح الذي لا يمكن تجاوزه بسهولة

تبقى سربرنيتسا الرمز الأوضح لذلك. المجزرة التي وقعت في يوليو 1995 لم تصبح مجرد حادثة تاريخية، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة السياسية والقانونية للبوسنة وأوروبا. تم التعرف على آلاف الضحايا ودفنهم على مراحل، واستمرت عمليات البحث عن رفات المفقودين. وهذا يعني أن الحرب لم تكن بالنسبة إلى كثير من العائلات حدثًا انتهى في 1995. كانت لا تزال موجودة في السؤال البسيط: أين دُفن أبي؟ أين أخي؟ أين ابني؟ ولهذا فإن الذاكرة في البوسنة ليست قضية أكاديمية. إنها قضية عائلية حية.

لكن الذاكرة ليست واحدة

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا. ليس لدى البوشناق والصرب والكروات رواية واحدة للحرب. هناك اتفاق على وقائع كثيرة ثبتت قضائيًا، لكن تفسير هذه الوقائع ودلالتها السياسية يظل مختلفًا. بالنسبة إلى البوشناق، كانت الحرب في جوهرها مأساة تعرضوا فيها للقتل والتهجير ومحاولة تدمير مجتمعهم في مناطق واسعة.

أما الذاكرة الصربية البوسنية فتشدد أيضًا على الجرائم التي تعرض لها الصرب وعلى ما تعتبره تجاهلًا لمعاناتهم في الخطاب الدولي. أما الكروات فلديهم روايتهم الخاصة عن دورهم في الحرب وصراعاتهم مع الأطراف الأخرى. وهكذا يمكن أن يعيش ثلاثة أشخاص في الدولة نفسها، ويخرج كل منهم من المدرسة والعائلة والإعلام وهو يحمل رواية مختلفة تمامًا عن معنى الحرب.

المحكمة قالت شيئًا، والسياسة قالت شيئًا آخر

كانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة محاولة لإخراج المسؤولية من منطق الانتقام الجماعي. فبدل أن تقول: «هذا الشعب مجرم»، قالت: هذا الشخص مسؤول عن هذه الجريمة وفق الأدلة. وكان هذا مبدأ مهمًا جدًا.

حُوكم قادة سياسيون وعسكريون من أطراف مختلفة، وأُدين بعضهم، وبُرئ آخرون، وأُغلقت قضايا لعدم كفاية الأدلة أو لأسباب إجرائية. لكن المحاكمات لم تستطع إجبار المجتمعات على الاتفاق على رواية واحدة. يمكن للمحكمة أن تقول إن جريمة معينة ثبتت. لكنها لا تستطيع أن تأمر مجتمعًا كاملًا بأن يشعر بالطريقة نفسها تجاه تلك الجريمة. وهنا تظهر حدود العدالة القانونية أمام الذاكرة السياسية.

هل أنصفت العدالة جميع الضحايا؟

لا. لكن هذا لا يعني أنها كانت بلا قيمة. المحكمة وثقت جرائم كثيرة، وحددت مسؤوليات فردية، وأنشأت سجلًا قضائيًا بالغ الأهمية. لكنها لم تستطع محاكمة كل من شارك في الحرب، ولم يحصل كل ضحية على محاكمة تخص الجريمة التي تعرض لها. وهذا أمر متوقع في حرب امتدت لسنوات وشملت مناطق واسعة وعددًا هائلًا من المشاركين. العدالة الدولية تستطيع أن تحاكم بعض المسؤولين. لكنها لا تستطيع أن تجعل كل ألم في الحرب قضية قضائية منفصلة.

لماذا بقيت السياسة قومية؟

لأن النظام نفسه يعطي القومية وزنًا مؤسسيًا. البوسنة بعد دايتون ليست دولة تقوم بالكامل على مفهوم الفرد كمواطن. إنها دولة تقوم أيضًا على التوازن بين مكونات قومية معترف بها. كان لهذا منطق واضح عام 1995: حماية كل مجموعة ومنع سيطرة مجموعة واحدة. لكن بعد انتهاء الحرب أصبحت الآلية نفسها تسمح للسياسيين بإعادة إنتاج الخوف.

يمكن للسياسي أن يقول: «إذا لم أصوت لكم، سيخسر شعبنا حقوقه.» وهذه طريقة قوية جدًا في بناء الولاء الانتخابي. ولا تحتاج إلى حرب. يكفي وجود ذاكرة الحرب.

الجغرافيا ما زالت مهمة

أحد آثار الحرب الأكثر وضوحًا هو أن الجغرافيا نفسها أصبحت سياسية. جمهورية صربسكا بقيت كيانًا سياسيًا داخل الدولة. واتحاد البوسنة والهرسك يضم بدوره نظامًا داخليًا معقدًا من الكانتونات. وهذا يعني أن المواطن لا يتعامل مع دولة مركزية واحدة فقط، بل مع طبقات متعددة من السلطة. قد تكون هذه البنية مفهومة تاريخيًا. لكنها تجعل الإصلاح صعبًا. فكل إصلاح يمس توزيع الصلاحيات يمس مصالح سياسية حقيقية.

لماذا لم يتم إلغاء دايتون؟

لأن البديل ليس واضحًا. يمكن القول إن النظام معقد جدًا. وهذا صحيح. لكن تغييره يتطلب اتفاقًا بين القوى التي تستفيد من هذا النظام أو تخشى فقدان ضماناته. وهنا تظهر المفارقة: النظام يحتاج إلى إصلاح لأنه نتاج الحرب، لكنه يصعب إصلاحه لأن الأطراف التي صنعته ما زالت ترى أن بعض عناصره ضرورية لحماية مصالحها. ولهذا استمر.

هل أصبحت البوسنة دولة طبيعية؟

جزئيًا. هناك حياة يومية طبيعية إلى حد كبير. الناس يعملون، ويدرسون، ويسافرون، ويتزوجون، ويعيشون في مدن وقرى لم تعد تعرف مشاهد الحرب. وهذا الجانب مهم جدًا لأنه يمنعنا من اختزال البوسنة في صورتها القديمة. لكن على مستوى الدولة، ما زالت السياسة شديدة الانقسام. وهذا يعني أن المجتمع قد يكون أكثر طبيعية من مؤسساته السياسية. فالناس يستطيعون العيش معًا، بينما تستطيع النخب السياسية أن تعيد إنتاج الانقسام بسهولة.

العامل الذي قد يغير كل شيء: الزمن

مرور الزمن هو أحد أهم العوامل التي تعمل لصالح البوسنة. كل سنة تمر تعني أن عدد الأشخاص الذين عاشوا الحرب بأنفسهم يتراجع نسبيًا، بينما يزداد عدد الذين ولدوا بعدها. وهذا يمكن أن يخلق هوية أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية من الحرب.

لكن الزمن ليس علاجًا تلقائيًا. إذا استمر التعليم المنفصل، والإعلام القومي، والخطاب السياسي القائم على الخوف، فإن الجيل الجديد قد يرث الانقسام دون أن يرث الحرب نفسها. وهنا يصبح السؤال: هل يرث الجيل الجديد ذاكرة الحرب أم نظامها؟

الهجرة: المشكلة التي لا تظهر في صور الحرب

هناك جانب آخر مهم في البوسنة الحديثة: الهجرة. كثير من الشباب غادروا البلاد بحثًا عن فرص اقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي وغيرها. وهذا يخفف بعض التوترات الاجتماعية، لكنه في الوقت نفسه يضعف قاعدة البلاد البشرية. فإذا كان الشاب يستطيع بناء مستقبله في ألمانيا أو النمسا أو سلوفينيا، فقد يصبح أقل اهتمامًا بالصراع السياسي الداخلي. وهذا قد يساعد على تهدئة القومية.

لكنه يعني أيضًا أن الدولة تخسر جزءًا من طاقتها البشرية. وبذلك أصبحت البوسنة تواجه مشكلة مختلفة عن مشكلة الحرب: كيف تحافظ على شبابها في دولة لا تزال مؤسساتها السياسية معقدة واقتصادها أقل جاذبية من أوروبا الغربية؟

أوروبا أصبحت جزءًا من الحل

بعد الحرب، لم يعد مستقبل البوسنة منفصلًا عن أوروبا. الاتحاد الأوروبي أصبح عامل جذب وضغط في الوقت نفسه. جذب لأن العضوية تعني سوقًا وفرصًا واستقرارًا أكبر. وضغط لأن الطريق إلى العضوية يتطلب إصلاح المؤسسات وسيادة القانون ومكافحة الفساد وتحسين الإدارة.

وهذا يخلق حافزًا مختلفًا عن الحوافز التي كانت موجودة في التسعينيات. لم تعد القضية: كيف ننتصر على الطرف الآخر؟ بل يمكن أن تصبح: كيف نصل جميعًا إلى مستوى أفضل من الدولة حتى نستفيد من الاندماج الأوروبي؟ وهذه نقلة سياسية مهمة، حتى لو لم تكن كافية وحدها.

الناتو غيّر البيئة الأمنية

هناك أيضًا عامل أمني مهم. بعد تجربة حرب البوسنة، لم تعد المنطقة تعيش في الفراغ الأمني نفسه الذي كان موجودًا في بداية التسعينيات. الناتو أصبح لاعبًا مركزيًا في المنطقة، وانضمت دول يوغوسلافية سابقة إلى الحلف، بينما بقيت البوسنة خارجه رغم تعاونها معه. وهذا يجعل العودة إلى حرب شاملة أكثر صعوبة. فالسياسة قد تتوتر، لكن البيئة الأمنية ليست بيئة 1992.

ماذا بقي من القادة؟

مع مرور الزمن، اختفى معظم قادة الحرب من المشهد.

  • ميلوشيفيتش مات أثناء محاكمته.
  • كاراديتش يقضي عقوبة السجن المؤبد.
  • وملاديتش يقضي العقوبة نفسها.

وهذا مهم رمزيًا. فالأشخاص الذين كانوا يملكون القدرة على إرسال آلاف الرجال إلى الجبهة انتهى بهم الأمر في السجون أو أمام المحاكم أو خارج الحياة السياسية. لكن سقوط القادة لم يسقط بالضرورة الأفكار التي غذت الحرب. وهذه نقطة مهمة في فهم التاريخ: هزيمة القائد لا تعني دائمًا هزيمة الفكرة.

هل يمكن أن تتكرر الحرب؟

  • لا توجد طريقة جادة للتنبؤ بالمستقبل، لكن الظروف الحالية مختلفة جدًا عن ظروف التسعينيات.
  • لا توجد اليوم يوغوسلافيا تتفكك بالطريقة نفسها، ولا جيوش جمهورية مشتركة تنهار أمام بعضها، ولا فراغ سياسي وأمني مماثل.

كما أن البوسنة تقع ضمن شبكة دولية مختلفة. لذلك فإن المقارنة المباشرة بين الحاضر و1992 ستكون مضللة. لكن هذا لا يعني أن الاستقرار مضمون إلى الأبد. فأي دولة تعاني من ضعف المؤسسات واستمرار الانقسامات السياسية تحتاج إلى إدارة هذه الانقسامات باستمرار. السلام ليس شيئًا يُخزن إلى الأبد.

ما الذي نجح إذن؟

  • نجحت أشياء كثيرة.
  • توقف القتال.
  • بقيت الدولة موحدة دوليًا.
  • عاد قسم كبير من النازحين.
  • أعيد بناء معظم البنية التحتية.
  • نشأت مؤسسات أمنية وسياسية مشتركة.
  • حُوكم عدد كبير من المسؤولين عن جرائم الحرب.
  • وعاش جيل كامل حياته دون حرب.

هذه ليست إنجازات صغيرة.

وما الذي لم ينجح؟

  • لم تُبنَ هوية سياسية مشتركة قوية بما يكفي لتجاوز الانتماءات القومية.
  • لم يُحل الخلاف حول شكل الدولة بصورة نهائية.
  • لم تختفِ آثار التهجير.
  • لم تتوحد رواية الحرب.
  • ولم يتحول النظام السياسي الذي صُمم في دايتون إلى نموذج فعال للدولة الحديثة.

ولهذا فإن البوسنة ليست قصة فشل، وإنما قصة نجاح ناقص.

الخلاصة

ربما يكون من الظلم أن نطلب من اتفاق دايتون أن يفعل أكثر مما صُمم ليفعله. فالاتفاق لم يُكتب لبناء مجتمع مثالي. كُتب لإنهاء حرب. وقد نجح في ذلك. لكن نجاح السلام الأولي خلق سؤالًا جديدًا لم يكن من السهل الإجابة عنه: كيف تنتقل من وقف الحرب إلى بناء دولة لا تحتاج إلى الحرب كمرجع دائم لهويتها السياسية؟

بعد ثلاثين عامًا، ما زالت البوسنة في منتصف هذه الرحلة. لقد خرجت من مرحلة الرصاص. لكنها لم تخرج بالكامل من مرحلة الذاكرة. وهذا هو الفرق بين السلام وطي صفحة الحرب

السلام يعني أن الناس لم يعودوا يقتلون بعضهم. أما طي صفحة الحرب فيعني أن الماضي لم يعد قادرًا على تحديد مستقبلهم. والبوسنة حققت الأول بوضوح، لكنها لا تزال تعمل على الثاني. وهنا تنتهي سلسلة حرب البوسنة، لكن ربما لا تنتهي أهميتها.

لأن هذه الحرب لم تكن مجرد مأساة أوروبية في نهاية القرن العشرين؛ كانت تجربة كشفت حدود الأمم المتحدة، وتحول دور الناتو من الردع إلى القوة، وحدود العدالة الدولية، وكيف يمكن لاتفاق سلام أن ينهي حربًا دون أن يحل كل ما صنعها.

والدرس الأوسع الذي تتركه البوسنة هو أن إيقاف الحرب قد يكون ممكنًا بقرار سياسي وعسكري، أما بناء السلام الحقيقي فهو مشروع أطول بكثير، وقد يحتاج إلى جيل كامل لا إلى مؤتمر واحد.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.