حرب البوسنة: بعد الحرب والانقسام والارث: هل كان دايتون سلامًا أم تجميدًا للحرب؟

هل كان دايتون سلامًا أم تجميدًا للحرب؟

بعد ثلاثة عقود تقريبًا من توقيع اتفاق دايتون، تبدو حرب البوسنة من الخارج وكأنها قصة انتهت بوضوح: حرب بدأت بتفكك يوغوسلافيا، تصاعدت إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، تدخلت فيها الأمم المتحدة ثم الناتو، انتهت بحملة جوية وضغط عسكري، ثم أُبرم اتفاق سياسي أوقف القتال.

لكن عند النظر إلى البوسنة نفسها، تظهر صورة أكثر تعقيدًا. فالدولة لم تعد إلى الحرب، لكنها لم تتحول أيضًا إلى دولة مركزية مستقرة تتجاوز الانقسامات التي صنعتها الحرب. لقد بقيت جمهورية صربسكا، وبقي النظام السياسي شديد التعقيد، وبقيت الهوية القومية عنصرًا أساسيًا في السياسة.

ومن هنا يأتي السؤال الأخير في هذه السلسلة: هل كان دايتون حلًا للحرب، أم مجرد طريقة لتجميد نتائجها ونقل الصراع من الجبهة العسكرية إلى السياسة؟

السلام ليس بالضرورة حلًا لكل شيء

هناك خطأ شائع في تقييم اتفاقات السلام: افتراض أن الاتفاق الناجح يجب أن يحل جميع أسباب الحرب. لكن هذا ليس ما تفعله معظم اتفاقات السلام. وظيفة اتفاق السلام الأولى هي وقف القتال، ومنع الأطراف من العودة إلى السلاح، وخلق إطار يسمح بمعالجة المشكلات لاحقًا. 

ومن هذه الزاوية، كان دايتون ناجحًا بوضوح. فقد أوقف حربًا استمرت أكثر من ثلاث سنوات، وأنهى القتال واسع النطاق، وأدخل الأطراف في نظام سياسي واحد. لكن نجاحه في إيقاف الحرب لا يعني أنه نجح بالدرجة نفسها في معالجة جذور الانقسام. وهنا يجب الفصل بين السؤالين.

لماذا كان من الصعب صنع سلام مختلف؟

لأن الاتفاق لم يُكتب في ظروف طبيعية. كان المفاوضون يتعاملون مع واقع خرج للتو من حرب واسعة، وكان لكل طرف جيش ومناطق سيطرة وذاكرة ضحايا ومطالب إقليمية. كان من الممكن نظريًا أن يقول المجتمع الدولي: «سنلغي كل الكيانات ونبني دولة مركزية موحدة». لكن من كان سيقبل بذلك؟

  • الصرب البوسنيون كانوا يملكون الأرض والقوة العسكرية.
  • والحكومة البوسنية كانت تريد الحفاظ على وحدة الدولة لكنها لم تكن قادرة على فرض نظام مركزي بالقوة.
  • والكروات كانت لديهم مطالبهم الخاصة.

لذلك كان الاتفاق الممكن هو الذي يستطيع إجبار الأطراف على ترك السلاح دون إجبارها على التخلي عن كل مصالحها دفعة واحدة.

دايتون لم يمنح النصر الكامل لأحد

هذه ربما أفضل طريقة لفهم الاتفاق. لو كان هناك طرف منتصر بالكامل، لكان بإمكانه فرض نظام سياسي مختلف. لكن الوضع في 1995 لم يكن كذلك.

  • القوات الصربية البوسنية كانت لا تزال قوة عسكرية كبيرة، لكنها تعرضت لضغط عسكري هائل.
  • القوات البوسنية والكرواتية حققت مكاسب كبيرة، لكنها لم تكن قادرة على حسم الحرب وحدها.
  • والولايات المتحدة والناتو لم يكونا يريدان احتلال البوسنة أو إعادة رسم المنطقة بالكامل.

لذلك جاءت التسوية في المنتصف. لا أحد حصل على كل ما أراد، ولذلك استطاع الجميع قبول شيء مما حصل عليه.

جمهورية صربسكا: ثمن السلام؟

من أكثر عناصر دايتون إثارة للجدل أن جمهورية صربسكا بقيت موجودة. بالنسبة إلى كثير من البوشناق، يمثل ذلك اعترافًا سياسيًا بنتائج حرب ارتبطت بالتطهير العرقي والتهجير. لكن من زاوية أخرى، كان إلغاء الكيان الصربي في نهاية الحرب قد يجعل الاتفاق مستحيلًا. وهنا تظهر إحدى أصعب مسائل صناعة السلام: هل من الممكن أحيانًا أن تضطر إلى الاعتراف بجزء من الواقع الذي صنعته الحرب حتى تمنع الحرب من الاستمرار؟

ليس هذا حكمًا أخلاقيًا على الحرب أو تبريرًا لجرائمها. إنه وصف للمشكلة التي يواجهها المفاوض عندما يجد نفسه أمام خريطة رسمتها القوة العسكرية.

هل أصبح التطهير العرقي دائمًا؟

ليس قانونيًا. وهذه نقطة مهمة. اتفاق دايتون لم يعترف بالتطهير العرقي باعتباره حقًا قانونيًا في الأرض، بل نص على حق اللاجئين والنازحين في العودة إلى منازلهم. لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا.

فإذا طُرد مئات الآلاف من منطقة ثم أصبحوا أقلية فيها، فإن إعادة العودة تحتاج إلى حماية وأمن وممتلكات وفرص عمل وقبول اجتماعي. وهكذا أصبح من الصعب إعادة الخريطة السكانية إلى ما كانت عليه قبل الحرب. وبقيت بعض آثار التطهير والتهجير واضحة لعقود.

العدالة لم تكن شرطًا سابقًا للسلام

وهذا يعيدنا إلى المقالات السابقة. لم يقل المجتمع الدولي: لن نوقف الحرب حتى تتم محاكمة جميع المسؤولين. بل فعل العكس تقريبًا. أوقف الحرب أولًا، ثم استمر مسار العدالة بالتوازي وبعدها. وهذا يكشف اختلافًا جوهريًا بين العدالة والسلام. السلام يحتاج إلى اتفاق يمكن للأطراف قبوله. أما العدالة فتحتاج إلى إثبات مسؤولية فردية وفق القانون.

وقد يتعارض توقيت المسارين أحيانًا. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن أحدهما يلغي الآخر.

لماذا بقي ملاديتش هاربًا كل هذه السنوات؟

لأن السلام لم يخلق فورًا دولة جديدة خالية من شبكات الحرب. كان هناك أشخاص ومؤسسات وعلاقات استمرت من مرحلة يوغوسلافيا والحرب إلى مرحلة ما بعد الحرب.  ومع بقاء هذه الشبكات، استطاع ملاديتش الاختفاء. لكن هذه الحماية بدأت تضعف مع تغير السياسة في صربيا، وسقوط ميلوشيفيتش، وظهور حكومات أكثر استعدادًا للتعاون مع المحكمة.

وهكذا وصل ملاديتش في النهاية إلى لاهاي. إنها مفارقة تكشف شيئًا أعمق: المحاكم تستطيع إصدار الأحكام، لكن التاريخ السياسي هو الذي يحدد غالبًا متى تصبح الأحكام قابلة للتنفيذ.

هل حققت المحكمة العدالة؟

حققت قدرًا مهمًا منها، لكنها لم تحقق عدالة شاملة لكل ضحايا الحرب. حُوكم عدد كبير من المسؤولين من أطراف مختلفة، ووُثقت جرائم كثيرة، وأصبح من الصعب إنكار بعض الوقائع التي كانت موضع جدل سياسي. لكن لم يُحاكم كل شخص شارك في الجرائم. ولم يحصل كل ضحية على شعور شخصي بالإنصاف. وهذا أمر طبيعي إلى حد ما في أي عملية قضائية واسعة. 

المحكمة ليست آلة لإعادة الزمن. لا تستطيع إعادة القتلى، ولا إعادة سنوات الأسر، ولا إعادة البيوت التي دُمرت، ولا إعادة حياة اللاجئين إلى ما كانت عليه. وظيفتها أضيق وأكثر تحديدًا: إثبات المسؤولية الجنائية وفق القانون.

ماذا بقي من التدخل الدولي؟

نجح الناتو في فرض وقف الحرب وتنفيذ الترتيبات العسكرية بعد دايتون. ثم تراجعت القوات الدولية تدريجيًا، وانتقلت المسؤولية الأمنية إلى مؤسسات بوسنية أكثر قدرة على إدارة البلاد. لكن النفوذ الدولي لم يختفِ.

بقي الاتحاد الأوروبي لاعبًا أساسيًا، واستمرت البوسنة تحت تأثير المؤسسات الأوروبية والأطلسية. وهذا أمر منطقي؛ فالبوسنة تقع في قلب أوروبا، والحرب أثبتت أن انهيار الدولة فيها لا يبقى مشكلة محلية فقط.

لماذا لم تنضم البوسنة سريعًا إلى الاتحاد الأوروبي؟

لأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يتطلب مؤسسات فعالة وإصلاحات قانونية وسياسية واقتصادية. وهذه تحديدًا هي المجالات التي يصعب فيها العمل داخل نظام دايتون المعقد. فالدولة تحتاج إلى توافق واسع لإجراء إصلاحات كبيرة، بينما تستطيع القوى السياسية استخدام بنية النظام نفسها لتعطيل التغيير. وهكذا أصبح الاندماج الأوروبي عامل ضغط للإصلاح، لكنه لم يكن قادرًا على إزالة الانقسامات بنفسه.

هل كان يمكن كتابة دستور أفضل؟

نظريًا نعم. لكن السؤال الواقعي هو: هل كان يمكن إقناع أطراف الحرب بقبوله عام 1995؟

هنا يصبح الحكم على دايتون أكثر إنصافًا. يمكن لأي باحث أن يصمم اليوم نظامًا دستوريًا أبسط وأكثر كفاءة. لكن المفاوضين في 1995 لم يكونوا يكتبون دستورًا في قاعة أكاديمية. كانوا يحاولون إنهاء حرب حقيقية، وكان عليهم التعامل مع أطراف مسلحة وقوى إقليمية ودولية ومجتمعات خرجت من المجازر والتهجير. ولهذا فإن عيوب دايتون ليست كلها أخطاء هندسية. بعضها ثمن سياسي لإنهاء الحرب.

المشكلة عندما يصبح الاستثناء دائمًا وهل البوسنة دولة فاشلة؟

ما كان مقبولًا كحل مؤقت في 1995 قد يصبح مشكلة عندما يستمر ثلاثين عامًا. وهذه ربما أكبر نقطة ضعف في النظام. فالترتيبات التي كان هدفها منع الحرب أصبحت مؤسسات دائمة، والانقسامات التي كان الهدف إدارتها أصبحت جزءًا من الحياة السياسية الطبيعية. وبالتالي أصبح من الصعب معرفة أين ينتهي «السلام المؤقت» ويبدأ «النظام السياسي الدائم».

ووصف البوسنة بالدولة الفاشلة سيكون مبالغة. لديها مؤسسات، وحدود معترف بها، واقتصاد، ونظام انتخابي، وأجهزة أمن، وعلاقات دولية، ومواطنون يعيشون حياتهم اليومية بعيدًا عن الحرب. المشكلة ليست غياب الدولة. المشكلة أن الدولة تعمل بكفاءة أقل مما يفترض أن تعمل به دولة طبيعية بسبب تعقيد بنيتها السياسية.  وهذا فرق مهم. فالبوسنة ليست دولة منهارة، لكنها دولة يصعب إصلاحها.

الدرس الأوسع

تقدم البوسنة درسًا مهمًا في صناعة السلام: عندما تكون الحرب قد وصلت إلى درجة عالية من الانقسام، فإن السلام المثالي قد يكون غير قابل للتحقيق. لذلك يبدأ المفاوض أحيانًا بالسلام الممكن، ثم يترك للأجيال اللاحقة مهمة تطويره.

لكن هناك خطرًا في ذلك. فالترتيب الذي ينهي الحرب قد يصبح مع مرور الزمن ترتيبًا يحافظ على أسباب الانقسام السياسي. وهنا يحتاج السلام إلى مرحلة ثانية: إصلاح المؤسسات، وعودة المهجرين، وبناء اقتصاد مشترك، وخلق هوية سياسية تتجاوز الانتماء القومي. إذا لم تحدث هذه المرحلة، يبقى السلام قائمًا لكنه هش سياسيًا.

ماذا تقول البوسنة اليوم؟

تقول إن غياب الحرب ليس شيئًا قليل القيمة. ثلاثة عقود من السلام في بلد خرج من واحدة من أعنف حروب أوروبا الحديثة إنجاز حقيقي. لكنها تقول أيضًا إن السلام ليس نقطة نهاية. 

  • قد تتوقف المدافع، لكن الحدود النفسية قد تبقى.
  • وقد تختفي الجبهة، لكن الذاكرة تستمر.
  • وقد تصبح الميليشيا حزبًا سياسيًا، وقد يتحول القائد العسكري إلى رمز، وقد تتحول نتائج الحرب إلى مواد دستورية.

ولهذا فإن إنهاء الحرب أسهل من إنهاء آثار الحرب.

الخلاصة النهائية للسلسلة

حرب البوسنة لم تبدأ بسبب عامل واحد، ولم تنتهِ بسبب ضربة جوية واحدة.

بدأت مع تفكك يوغوسلافيا وصراع على مستقبل الدولة والأرض والسلطة، ثم تحولت إلى حرب واسعة امتزج فيها القومي بالسياسي والعسكري بالعرقي، وفشلت الأمم المتحدة في تحقيق الحماية التي وعدت بها بالكامل، ثم تدخل الناتو تدريجيًا، إلى أن تحول في صيف 1995 من قوة ردع إلى قوة عسكرية مؤثرة في تغيير ميزان الحرب.

بعد ذلك جاء دايتون. لم يكن نصرًا كاملًا لأي طرف، ولم يكن عدالة كاملة، ولم يكن حلًا مثاليًا. كان تسوية أنهت حربًا لم يعد أي طرف قادرًا على إنهائها بالشروط التي يريدها.

ثم جاءت مرحلة مختلفة: المحكمة الدولية، مطاردة قادة الحرب، تغير السلطة في صربيا، اعتقال ميلوشيفيتش وكاراديتش وملاديتش، وإعادة بناء الدولة البوسنية تحت رقابة دولية واسعة.

وفي النهاية بقيت البوسنة دولة واحدة. وهذا بحد ذاته نتيجة مهمة. لكنها بقيت دولة تحمل في بنيتها السياسية آثار الحرب التي أنجبتها. وهنا ربما تكون خلاصة حرب البوسنة كلها في جملة واحدة: لقد نجح العالم في إيقاف الحرب، لكنه لم يستطع أن يجعل السلام يمحو نتائجها؛ فحوّل الجبهة إلى حدود سياسية، وحوّل البنادق إلى أحزاب، وحوّل قادة الحرب إلى متهمين، لكنه ترك المجتمع نفسه أمام المهمة الأصعب: أن يتعلم كيف يعيش مع ماضيه دون أن يعيد إنتاجه.

وهذا هو السبب في أن حرب البوسنة ليست مجرد فصل من تاريخ تفكك يوغوسلافيا. إنها تجربة كاملة في حدود القوة الدولية، وحدود الأمم المتحدة، ودور الناتو، وطبيعة العدالة الدولية، وحدود الاتفاقات التي تُصنع تحت ضغط الحرب. والدرس الأهم ربما لا يتعلق بالبوسنة وحدها: السلام الذي يوقف القتال قد يكون إنجازًا هائلًا، لكنه ليس بالضرورة السلام الذي يحل المشكلة.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.