
لم تعد التجارة بعيدة عن الحرب
كان المماليك قد اعتادوا على التعامل مع التجارة باعتبارها أحد مصادر القوة والثروة الأساسية للدولة. فموقع مصر جعلها وسيطًا طبيعيًا بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، وكانت القوافل والموانئ والأسواق جزءًا من منظومة اقتصادية واسعة استفادت منها الدولة والتجار معًا. ولم تكن أهمية هذه التجارة في الأرباح التي تحققها فقط، بل في الموقع الذي منحته لمصر داخل النظام التجاري الممتد من الهند وشرق آسيا إلى العالم الإسلامي ثم إلى أوروبا.
لكن في نهاية القرن الخامس عشر ظهر نوع جديد من المنافسة، ولم يعد الخطر يأتي من دولة تريد احتلال مصر أو الشام مباشرة، وإنما من قوة بحرية تريد تغيير الطريق الذي تصل عبره ثروة الشرق إلى أوروبا. فقد وصلت البرتغال إلى المحيط الهندي، وبدأت تتعامل مع التجارة لا باعتبارها مجالًا للمنافسة التجارية وحدها، وإنما باعتبارها مجالًا يمكن السيطرة عليه بالقوة البحرية، من خلال التحكم في الموانئ والممرات وفرض شروط جديدة على حركة السلع.
وهنا تغيرت طبيعة المشكلة. لم يعد المماليك يواجهون تاجرًا منافسًا يمكن التعامل معه داخل النظام التجاري القائم، بل كانوا أمام قوة تحاول تغيير النظام نفسه. لقد دخل السلاح إلى طريق التجارة.
لماذا كان وصول البرتغاليين حدثًا مختلفًا؟
كانت التجارة بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا موجودة قبل البرتغاليين بقرون طويلة، وكانت شبكاتها تضم تجارًا عربًا وهنودًا وفرسًا وغيرهم، يتحركون في المحيط الهندي وفق شبكة معقدة من الموانئ والأسواق والطرق البحرية. ولم تكن هذه التجارة تحتاج إلى قوة أوروبية حتى تعمل؛ فقد كانت منظومة قائمة بذاتها، ولها قواعدها ومراكزها ومجتمعاتها التجارية.
لكن البرتغاليين دخلوا إلى هذا النظام بفكرة مختلفة نسبيًا. فبدل أن يندمجوا ببساطة في الشبكة التجارية القائمة، حاولوا السيطرة على نقاطها الرئيسية، وفرض رسوم وشروط جديدة، ومهاجمة المنافسين، واستخدام القوة البحرية لإجبار التجارة على المرور عبر الموانئ التي يسيطرون عليها. ولهذا لم يكن دخولهم مجرد إضافة لاعب جديد إلى سوق قديمة، بل كان محاولة لإعادة توزيع القوة داخل تلك السوق.
التحدي الحقيقي أن التجارة لم تعد تتحرك بالسلع وحدها؛ أصبحت تتحرك تحت حماية المدافع أيضًا.
الطريق حول إفريقيا
كان الوصول الأوروبي المباشر إلى الهند حلمًا قديمًا، لأن التجارة مع آسيا كانت شديدة الربحية، وكانت السلع الشرقية تصل إلى أوروبا بأسعار مرتفعة نتيجة طول الطريق وكثرة الوسطاء. وكان تجاوز هذه الشبكة يعني إمكانية الحصول على جزء أكبر من الأرباح، وفي الوقت نفسه تقليص أهمية القوى التي تسيطر على الطرق التقليدية.
وعندما تمكن البرتغاليون من الوصول إلى المحيط الهندي عبر الطريق البحري حول إفريقيا، أصبح لديهم لأول مرة طريق مباشر نسبيًا إلى آسيا. وعندما وصل فاسكو دا غاما إلى الهند سنة 1498م، لم يكن مجرد مستكشف قد وصل إلى وجهة جديدة، بل كانت رحلته بداية تحول استراتيجي واسع؛ فقد أصبحت أوروبا تملك طريقًا بحريًا جديدًا إلى آسيا، وطريقًا يمكنه، إذا تمكن البرتغاليون من تأمينه والسيطرة على نقاطه الأساسية، أن يتجاوز أجزاء مهمة من الشبكة التي كانت تمر عبر البحر الأحمر ومصر.
لكن لماذا يهم ذلك القاهرة؟
لأن القاهرة لم تكن معزولة عن المحيط الهندي، بل كانت جزءًا من سلسلة تجارية طويلة تربط مناطق إنتاج السلع بمراكز استهلاكها في أوروبا. كانت الهند وجنوب شرق آسيا تنتج السلع، والموانئ العربية تتولى جانبًا من نقلها وتداولها، ثم يحمل البحر الأحمر هذه السلع إلى مصر، ومن مصر تنتقل عبر طرق برية وموانئ المتوسط إلى الأسواق الأوروبية.
كان المماليك في قلب هذه السلسلة، ولذلك فإن أي محاولة لتغيير مسار التجارة البحرية ستؤثر في مصالحهم الاقتصادية بصورة مباشرة. لم تكن المسألة مجرد خسارة بعض التجار لأرباحهم، بل احتمال تراجع أحد أهم مصادر القوة التي جعلت مصر مركزًا تجاريًا وسياسيًا في المنطقة.
ولهذا فإن وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي كان، بالنسبة إلى القاهرة، خبرًا اقتصاديًا يحمل في داخله إنذارًا استراتيجيًا.
البحر الأحمر يتحول إلى جبهة استراتيجية
عندما بدأت السفن البرتغالية تظهر في المحيط الهندي، لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر تجاري. أصبح جزءًا من الصراع الدولي على التجارة، وأصبح الحفاظ على هذا الطريق يحتاج إلى أكثر من تأمين القوافل والموانئ؛ فقد أصبح المطلوب مواجهة قوة بحرية تستطيع مهاجمة السفن والموانئ وفرض نفوذها على مناطق بعيدة.
وكان على المماليك أن يقرروا: هل يتجاهلون الأمر؟ هل يتفاوضون؟ هل يرسلون أسطولًا؟ هل يتحالفون مع القوى الإسلامية في الهند؟ أم يحاولون استخدام كل هذه الأدوات معًا؟
لكن السؤال الأعمق كان أصعب من ذلك كله: هل تمتلك الدولة المملوكية أصلًا الأدوات التي تحتاجها لخوض هذا النوع من الصراع؟
قوة برية أمام خصم بحري
هذه من أهم النقاط لفهم الصراع. فقد كان المماليك قوة عسكرية هائلة على البر، وكانت خبرتهم التاريخية تقوم على الفرسان والحركة السريعة والحملات البرية والتحصينات وإدارة الجيوش في مصر والشام. وقد أثبت هذا النظام العسكري فعاليته في حروب كثيرة، حتى أصبح جزءًا من هوية الدولة نفسها.
أما البرتغاليون فقد جاءوا من عالم بحري مختلف؛ سفن بعيدة المدى، ومدافع مثبتة على السفن، وقدرة على القتال في البحر، وخبرة متراكمة في الملاحة حول السواحل الإفريقية والمحيط الهندي. ولذلك لم يكن الصراع متكافئًا من حيث طبيعة الخبرة.
لم يكن السؤال ببساطة: من يملك جيشًا أقوى؟
بل أصبح السؤال:
من يستطيع أن ينقل قوته إلى المكان الذي تجري فيه المعركة؟
وهذا فرق جوهري؛ فالقوة البرية العظيمة لا تصبح تلقائيًا قوة بحرية، كما أن امتلاك جيش قوي لا يعني القدرة على حماية طريق تجاري يقع آلاف الكيلومترات بعيدًا عن مركز الدولة.
المماليك اضطروا إلى تعلم حرب جديدة
لم يكن أمامهم خيار كبير. فإذا أرادوا حماية مصالحهم في البحر الأحمر، فعليهم امتلاك سفن قادرة على مواجهة السفن البرتغالية، لكن بناء هذه القدرة يتطلب أكثر من مجرد صناعة عدد من السفن. كانت الدولة تحتاج إلى نجارين متخصصين، وموانئ، ومدفعية، وبحارة، وتمويل، ومؤن، وخبرة في الملاحة، وشبكة إمداد، والأهم من ذلك قيادة عسكرية تفهم طبيعة الحرب البحرية.
أي أن الدولة كانت مطالبة ببناء مؤسسة بحرية شبه جديدة في وقت كانت فيه مؤسساتها البرية نفسها تحتاج إلى موارد وإصلاح، وكانت تواجه في الوقت نفسه منافسة عثمانية وضغوطًا سياسية ومالية داخلية.
وهنا يتضح أن التحدي البرتغالي لم يكن مجرد تحدٍ عسكري؛ لقد كان اختبارًا لقدرة الدولة على التكيف المؤسسي.
لم يكن البحر الأحمر سهلًا على البرتغاليين
ومع ذلك، لا ينبغي أن نبالغ في قوة الطرف البرتغالي أو نتصور أن الوصول إلى المحيط الهندي منحهم سيطرة تلقائية على كل موانئه. فالبحر الأحمر ليس محيطًا مفتوحًا، وله ظروف جغرافية وملاحية مختلفة، كما أن الرياح والمضائق والشعاب والموانئ المحلية كلها عوامل تجعل السيطرة البحرية أكثر تعقيدًا.
وكان البرتغاليون يعملون بعيدًا جدًا عن قواعدهم الأصلية، وكان عليهم الحفاظ على خطوط إمداد طويلة للغاية، كما واجهوا مقاومة من قوى محلية متعددة لها مصالح مباشرة في استمرار النظام التجاري القائم.
ولهذا لم يكن دخولهم إلى المحيط الهندي يعني أنهم أصبحوا قادرين تلقائيًا على السيطرة على كل موانئه أو إلغاء الشبكات التجارية القديمة. كانت لديهم قوة جديدة، لكن هذه القوة كانت تواجه بيئة معقدة ومقاومة واسعة.
ولذلك كانت المواجهة طويلة
بدأ البرتغاليون محاولاتهم للسيطرة على التجارة في المحيط الهندي، وواجهوا مقاومة من قوى محلية متعددة، ولم يكن المماليك وحدهم في مواجهة هذا التوسع. كانت هناك قوى في الهند واليمن وسواحل المحيط الهندي، إلى جانب جماعات تجارية لها مصلحة مباشرة في استمرار النظام القديم.
وهذا جعل الصراع أوسع من مجرد حرب مملوكية برتغالية. لقد أصبح صراعًا بين شبكة تجارية قديمة وقوة بحرية جديدة تريد إعادة تشكيلها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب دخول المماليك في المواجهة؛ فالدفاع عن البحر الأحمر لم يكن دفاعًا عن حدود الدولة بالمعنى التقليدي، وإنما دفاعًا عن موقعها داخل شبكة اقتصادية تمتد خارج حدودها السياسية بكثير.
المماليك يدخلون المواجهة
أدرك قانصوه الغوري أن تجاهل البرتغاليين لم يعد ممكنًا. فإذا نجحوا في السيطرة على تجارة المحيط الهندي، فإن آثار ذلك ستصل إلى مصر عاجلًا أو آجلًا، سواء من خلال تراجع التجارة أو انخفاض الإيرادات أو فقدان القاهرة جزءًا من موقعها الوسيط.
ولهذا بدأ المماليك في تجهيز حملات بحرية، وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية: الدولة التي كان العالم يعرفها بفرسانها اضطرت إلى إرسال قوتها إلى البحر.
لقد تغيرت طبيعة التهديد إلى درجة أجبرت النظام المملوكي على الخروج من منطقة تفوقه التقليدية. ولم يعد بإمكان القاهرة أن تكتفي بكونها قوة برية تحمي الموانئ من الداخل، لأن المنافس الجديد كان يتحرك في البحر نفسه.
حملة الغوري البحرية
في السنوات الأولى من القرن السادس عشر أرسل الغوري أسطولًا إلى البحر الأحمر لمواجهة التوسع البرتغالي. ولم تكن الحملة مجرد عملية عسكرية محدودة، بل كانت محاولة للدفاع عن شبكة اقتصادية كاملة؛ دعم القوى المحلية في المحيط الهندي، ومواجهة البرتغاليين، والحفاظ على الطريق التجاري الذي يمر عبر البحر الأحمر.
ودخل الأسطول المملوكي في مواجهات مع البرتغاليين، وكانت معركة شاول سنة 1508 من أبرز محطات هذا الصراع، حيث حققت القوات المملوكية وحلفاؤها نجاحًا مهمًا. لكن هذا النجاح لم يحسم الحرب، لأن المشكلة لم تكن في تحقيق انتصار واحد، وإنما في القدرة على تحويل الانتصار إلى تفوق مستمر.
وهنا تظهر الفجوة بين القدرة على خوض معركة والقدرة على بناء قوة استراتيجية.
النجاح لا يعني تغيير ميزان القوى
كان المماليك قادرين على تحقيق انتصارات بحرية، لكن بناء قوة بحرية مستدامة أصعب بكثير من تحقيق انتصار واحد. فالسفن تحتاج إلى صيانة، والطواقم تحتاج إلى تمويل، والمدفعية تحتاج إلى ذخيرة، والحملات تحتاج إلى إمداد، والأسطول يحتاج إلى قواعد، والبحرية تحتاج إلى خبرة تتراكم عبر الزمن.
وهنا تظهر مشكلة الدولة المملوكية مرة أخرى: كان المطلوب منها بناء قدرة استراتيجية جديدة، لا مجرد خوض معركة ناجحة.
فالانتصار العسكري يمكن أن يكون لحظة، بينما القوة البحرية مؤسسة تحتاج إلى موارد مستمرة وإدارة متخصصة وعقيدة عسكرية تتطور مع الخبرة. وهذه بالضبط هي النقطة التي جعلت المواجهة مع البرتغاليين اختبارًا أعمق من مجرد اختبار للبسالة القتالية.
لماذا لم تصبح مصر قوة بحرية كبرى؟
تمتلك مصر البحر الأحمر والمتوسط، وتمتلك موانئ وموقعًا جغرافيًا ممتازًا، لكن الموقع البحري وحده لا يصنع قوة بحرية. فالقوة البحرية تحتاج إلى ثقافة مؤسسية طويلة المدى، وطبقة من البحارة، وصناعة سفن متطورة، وتقنيات مدفعية بحرية، وقواعد، وتمويل مستمر، وخبرة متراكمة في الملاحة والحرب البحرية.
والدولة المملوكية لم تتطور تاريخيًا حول هذه المنظومة. كانت قوتها الأساسية برية، ومؤسساتها السياسية والعسكرية صُممت بدرجة كبيرة لخدمة هذا النمط من القوة. ولذلك فإن التحول إلى قوة بحرية كان يحتاج إلى تغيير مؤسسي كبير، لا إلى قرار سريع من السلطان.
وهنا نعود إلى الفكرة التي ظهرت في المقال السابق: امتلاك الموارد لا يعني امتلاك القدرة على إعادة تنظيمها عندما تتغير طبيعة التهديد.
مشكلة التمويل
كل ذلك يعيدنا إلى الاقتصاد المملوكي. فبناء الأسطول يحتاج إلى المال، والدولة كانت تواجه أصلًا ضغوطًا مالية، بينما لم تكن الحرب مع البرتغاليين الحرب الوحيدة التي تحتاج إلى تمويل.
هناك حدود الشام، وهناك العثمانيون، وهناك الحاميات، وهناك الأمراء، وهناك إدارة الدولة، وهناك تكاليف الجيش والتحصينات. وهكذا أصبح على السلطنة أن تمول أكثر من جبهة في وقت واحد، بينما كانت مواردها مطالبة أيضًا بالحفاظ على التوازن السياسي الداخلي.
ولهذا لم تكن مشكلة الغوري مجرد اختيار بين إرسال الأسطول أو عدم إرساله؛ فقد كان عليه أن يجد الموارد اللازمة لذلك من دولة لديها التزامات عسكرية وسياسية متزايدة.
البرتغاليون لا يحتاجون إلى احتلال مصر
وهذه نقطة استراتيجية شديدة الأهمية. لم يكن الهدف البرتغالي الأساسي احتلال القاهرة، ولم يكن عليهم دخول مصر حتى يضروا بالمصالح المملوكية. كان يكفي أن ينجحوا في تحويل جزء كبير من تجارة المحيط الهندي بعيدًا عن البحر الأحمر حتى تبدأ مصر في فقدان جزء من ميزتها الاقتصادية.
وهذا يجعل الصراع مختلفًا عن الحروب التقليدية. فقد تستطيع الدولة أن تنتصر عسكريًا على البرتغاليين في معركة، لكنها تخسر اقتصاديًا إذا استمر تحول التجارة بعيدًا عنها.
وهنا يظهر الفرق بين:
الانتصار في الحرب
و
الانتصار في الصراع الاستراتيجي.
فالحرب يمكن أن تُقاس بعدد المعارك والانتصارات والخسائر، أما الصراع الاستراتيجي فيُقاس أيضًا بمن ينجح في تغيير البيئة التي تجري فيها هذه المعارك.
التجارة الإسلامية ليست مجرد مصدر مال
كانت شبكة التجارة في المحيط الهندي مرتبطة بمجتمعات وموانئ ومدن وثقافات متعددة، وكان المسلمون يشكلون عنصرًا أساسيًا في هذه الشبكة التجارية. ولذلك فإن دخول البرتغاليين بالقوة لم يكن مجرد منافسة بين دولتين، بل كان أيضًا محاولة لإعادة ترتيب شبكة تجارية كانت قائمة منذ قرون.
ولهذا وجد المماليك حلفاء محليين لهم مصلحة مباشرة في مقاومة البرتغاليين، لأن استمرار النظام التجاري القديم لم يكن مصلحة مصرية وحدها. كانت هناك مدن وموانئ وتجار وقوى سياسية تستفيد من بقاء الطرق القديمة مفتوحة.
وبذلك أصبح البحر الأحمر والمحيط الهندي ساحة تحالفات واسعة، وليس مجرد مسرح لمواجهة بين أسطولين.
معركة ديو
بلغت المواجهة مرحلة مهمة في معركة ديو سنة 1509، وكانت النتيجة ضربة كبيرة للتحالف المناهض للبرتغاليين، وأثبتت أن التفوق البحري البرتغالي يمكن أن يكون حاسمًا عندما تتوافر له الظروف المناسبة.
وهنا ظهرت مشكلة المماليك بوضوح أكبر. حتى عندما يستطيعون بناء أسطول وإرساله إلى المحيط الهندي، فإنهم يدخلون إلى بيئة استراتيجية بعيدة عن مركز دولتهم، بينما يمتلك البرتغاليون خبرة بحرية متخصصة في هذا النوع من الحرب، ويعملون ضمن مشروع طويل المدى للسيطرة على طرق وموانئ استراتيجية.
لم تكن المسألة إذن مجرد تفوق في شجاعة المقاتلين، بل اختلافًا في نوع المؤسسة العسكرية والخبرة التي يحملها كل طرف إلى المعركة.
لكن معركة ديو لا تفسر وحدها سقوط المماليك
من الخطأ أن نقول إن المماليك خسروا معركة بحرية فسقطت الدولة. فقد استمرت الدولة بعد ديو عدة سنوات، وكانت لا تزال تملك جيشًا قويًا وقادرة على إدارة مصر والشام، كما أن المشكلة العثمانية كانت تتطور في اتجاه آخر.
لكن المواجهة البحرية كشفت شيئًا مهمًا: هناك نوع جديد من القوة بدأ يظهر في العالم، ولم يكن المماليك يملكون الأدوات المؤسسية نفسها التي يملكها خصومهم لمواجهته.
ولهذا فإن قيمة معركة ديو ليست في كونها سببًا مباشرًا لسقوط الدولة، وإنما في كونها واحدة من اللحظات التي كشفت حدود قدرتها على التكيف مع التحولات الجديدة.
من البحر إلى السياسة
لم تكن أزمة البرتغاليين اقتصادية فقط، بل كانت سياسية أيضًا. فحماية التجارة تتطلب علاقات مع القوى الموجودة على سواحل البحر الأحمر والمحيط الهندي، وهذا يعني أن القاهرة أصبحت مضطرة إلى النظر شرقًا بصورة أكبر.
لم يعد الشام والعثمانيون المجال الخارجي الوحيد المهم، بل دخلت الهند واليمن وسواحل المحيط الهندي في الحسابات الاستراتيجية المملوكية. وهذا التوسع في المجال الذي تحتاج الدولة إلى متابعته يعني بالضرورة توسعًا في تكاليفها وحاجتها إلى الموارد والمعلومات والتحالفات.
وهكذا أدى التحدي التجاري إلى توسيع المجال السياسي والعسكري للدولة في وقت كانت فيه الدولة نفسها تواجه صعوبة في إدارة مواردها المتزايدة الالتزامات.
المماليك كانوا يدافعون عن عالم كامل
عندما أرسل الغوري حملاته البحرية، لم يكن يدافع عن ميناء مصري واحد، وإنما كان يدافع عن منظومة واسعة تضم الموانئ والتجار والطرق والضرائب ومكانة القاهرة ومصالح القوى الإسلامية في المحيط الهندي وموقع الدولة في التجارة الدولية.
لكن الدفاع عن منظومة واسعة يحتاج إلى دولة تمتلك أدوات واسعة. وهنا بدأ الاختلال يظهر بوضوح؛ فالدولة المملوكية كانت تملك القوة اللازمة للدفاع عن مصالحها في بعض اللحظات، لكنها كانت تجد صعوبة متزايدة في تحويل هذه القوة إلى استراتيجية طويلة المدى قادرة على التعامل مع تغيرات متعددة في وقت واحد.
لماذا لم يكن العثمانيون هم المشكلة الوحيدة؟
لأن التركيز على الحرب العثمانية وحدها قد يجعلنا نعتقد أن الدولة سقطت بسبب هجوم من الشمال، بينما كانت السلطنة قبل المواجهة العثمانية النهائية تواجه تحولًا عالميًا آخر.
البرتغاليون كانوا يغيرون الاقتصاد البحري، والعثمانيون كانوا يغيرون ميزان القوى السياسي، والمدفعية كانت تغير طبيعة الحرب، والدولة المملوكية كانت تحاول التعامل مع هذه التحولات كلها في الوقت نفسه.
ولهذا فإن سقوطها لا يمكن فهمه من خلال معركة مرج دابق وحدها. فمرج دابق ستكون لحظة حاسمة، لكنها جاءت فوق أرضية كانت قد أصبحت أكثر هشاشة نتيجة تراكم أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية واستراتيجية.
خاتمة: عندما تغيرت الجغرافيا
كان البحر الأحمر أحد مصادر قوة الدولة المملوكية لقرون؛ فقد جعل مصر وسيطًا بين الشرق والغرب، وربطها بشبكة تجارية واسعة، وساهم في جعل القاهرة واحدة من أهم مدن العالم الإسلامي.
لكن الجغرافيا لا تعمل وحدها. فطالما بقيت التجارة تستخدم الطريق الذي يمر عبر البحر الأحمر، كان الموقع المملوكي ميزة استراتيجية هائلة، وعندما ظهر طريق بحري جديد حول إفريقيا، تحولت هذه الميزة إلى موقع يحتاج إلى الدفاع.
وهكذا اضطرت الدولة المملوكية إلى الدخول في حرب بحرية لم تكن قد بنت مؤسساتها أساسًا من أجلها. وحقق المماليك نجاحات مهمة، وأثبتوا أنهم قادرون على مقاومة البرتغاليين، لكنهم لم يستطيعوا تحويل هذه المقاومة إلى تفوق بحري مستدام.
وهنا تكمن أهمية المواجهة البرتغالية. لم تسقط الدولة بسبب البرتغاليين، لكنها كشفت حدود النظام المملوكي أمام نوع جديد من القوة.
والأخطر أن هذا التحول حدث في الوقت نفسه تقريبًا الذي كانت فيه قوة أخرى تتعاظم في الشمال: الدولة العثمانية.
لكن العثمانيين لم يكونوا مجرد خصم آخر. فقد كانوا يمثلون نموذجًا مختلفًا للدولة والجيش ومركزية السلطة، وسيصبح هذا الاختلاف أكثر أهمية عندما تنتقل المواجهة من البحر الأحمر والمحيط الهندي إلى مصر والشام نفسيهما.
وهنا يصبح السؤال التالي أكثر عمقًا من مجرد: لماذا انتصر العثمانيون؟
السؤال هو:
لماذا استطاع العثمانيون أن يحولوا القوة التي امتلكوها إلى دولة أكثر قدرة على التوسع والاستمرار، بينما بدأ النظام المملوكي يجد صعوبة متزايدة في تحويل قوته إلى قدرة على التكيف؟
وهذا هو السؤال الذي ستبدأ المرحلة التالية من السلسلة في الإجابة عنه.