عدن التي جعلت اليمن جزءًا من الإمبراطورية البريطانية
عندما نتحدث عن دخول البريطانيين إلى اليمن، يجب أن نبدأ بتصحيح صورة شائعة: بريطانيا لم تحتل اليمن كله كما فعلت قوى استعمارية في بلدان أخرى.
كان الهدف البريطاني الأساسي هو عدن، ثم تطور الوجود البريطاني إلى نفوذ أوسع في جنوب اليمن من خلال المعاهدات مع السلاطين والمشيخات المحلية.
ولهذا فإن «اليمن البريطاني» لم يكن في الواقع دولة يمنية كاملة تحت الاحتلال البريطاني، بل كان هناك مستعمرة عدن إلى جانب مجموعة واسعة من المناطق التي دخلت في شبكة من الحماية والنفوذ البريطاني.
والسبب الذي جعل بريطانيا تصل إلى عدن لم يكن البحث عن اليمن بحد ذاته، وإنما موقع عدن في واحدة من أهم طرق الملاحة في العالم.
لماذا أرادت بريطانيا عدن؟
الجواب يرتبط بالهند. في القرن التاسع عشر كانت الهند أهم ممتلكات الإمبراطورية البريطانية، وكانت بريطانيا تبحث باستمرار عن تأمين الطرق التي تربطها بأوروبا. ومع افتتاح قناة السويس سنة 1869م أصبح الطريق البحري بين أوروبا والهند أكثر أهمية بكثير.
لكن بريطانيا كانت قد وصلت إلى عدن قبل ذلك بثلاثة عقود. ففي سنة 1839م استولت القوات البريطانية على عدن، بعدما أدركت أهمية موقعها عند مدخل البحر الأحمر وقربها من طرق الملاحة نحو المحيط الهندي.
كانت عدن بالنسبة للبريطانيين أشبه بمحطة استراتيجية ضخمة: ميناء، ومحطة للفحم، وقاعدة بحرية، وموقعًا يمكن من خلاله مراقبة وتأمين الطريق البحري. لم تكن بريطانيا بحاجة إلى احتلال اليمن كله لتحقيق هذه الأهداف. كانت تحتاج إلى عدن.
لماذا لم يحتل البريطانيون اليمن الشمالي؟
لأن ذلك لم يكن ضروريًا لمصلحتهم. في الشمال كانت هناك قوى سياسية محلية قوية، ثم الدولة العثمانية التي عادت إلى اليمن في القرن التاسع عشر. وبريطانيا لم تكن تريد بالضرورة خوض حرب مكلفة للسيطرة على المرتفعات اليمنية.
لذلك اتبعت أسلوبًا أكثر مرونة: السيطرة المباشرة على عدن، والنفوذ غير المباشر في المناطق المحيطة بها.
وهذا كان أسلوبًا شائعًا في الإمبراطوريات البريطانية. بدلًا من إرسال جيش لاحتلال كل منطقة، كانت بريطانيا تعقد معاهدات مع السلاطين والزعماء المحليين، وتمنحهم الحماية مقابل اعترافهم بالنفوذ البريطاني.
كيف توسع النفوذ البريطاني؟
خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، دخلت سلطات محلية عديدة في جنوب اليمن في علاقات تعاهدية مع بريطانيا. وهكذا ظهرت شبكة واسعة من الكيانات المحلية المرتبطة ببريطانيا، عُرفت لاحقًا ضمن إطار محمية عدن. لكن يجب عدم الخلط بين المحمية والمستعمرة.
- في عدن نفسها كان الحكم البريطاني مباشرًا.
- أما في مناطق المحمية، فقد بقي السلاطين والمشايخ في مواقعهم، بينما تولت بريطانيا ملفات الأمن والسياسة الخارجية بدرجات مختلفة.
وهذا يفسر لماذا كانت الخريطة البريطانية في جنوب اليمن مختلفة تمامًا عن الخريطة العثمانية في اليمن.
وماذا عن العثمانيين؟
هنا أصبح اليمن مرة أخرى ساحة تنافس بين إمبراطوريتين. عاد العثمانيون إلى اليمن في القرن التاسع عشر، بينما كانت بريطانيا موجودة في عدن منذ 1839م. وأصبحت هناك حدود غير مباشرة بين نفوذ الطرفين. لكن الصراع العثماني–البريطاني في اليمن لم يكن حربًا شاملة بين الإمبراطوريتين على كامل البلاد. كان لكل منهما حساباته، وكان العثمانيون يواجهون مقاومة محلية في الشمال، بينما ركز البريطانيون على عدن والجنوب.
وانتهى الوجود العثماني من اليمن خلال الحرب العالمية الأولى، بينما بقي البريطانيون في عدن وجنوب اليمن حتى النصف الثاني من القرن العشرين.
ماذا حدث بعد خروج العثمانيين؟
هنا أصبحت الصورة أكثر وضوحًا. بعد الحرب العالمية الأولى، أصبح شمال اليمن مستقلًا عن العثمانيين، وبرزت المملكة المتوكلية اليمنية بقيادة الإمام يحيى. أما الجنوب، فظل تحت النفوذ البريطاني، وكانت عدن مركزه. وهكذا أصبح اليمن منقسمًا سياسيًا إلى مجالين مختلفين:
- شمال اليمن: دولة يمنية مستقلة بقيادة الإمامة.
- جنوب اليمن: عدن تحت الحكم البريطاني المباشر، ومناطق واسعة حولها ضمن شبكة من المحميات المرتبطة ببريطانيا.
وهذا الانقسام سيصبح لاحقًا جزءًا مهمًا جدًا من تاريخ اليمن الحديث.
لماذا بدأ اليمنيون في الجنوب بمقاومة البريطانيين؟
لأن العلاقة التي بدأت بالمعاهدات تغيرت مع مرور الوقت. في البداية استطاعت بريطانيا العمل من خلال السلاطين المحليين، لكن ظهور الأفكار القومية في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية غيّر طبيعة الصراع.
- لم يعد السؤال عند قطاعات متزايدة من السكان: أي سلطان يحكم هذه المنطقة؟
- بل أصبح: لماذا توجد قوة استعمارية أجنبية في عدن أصلًا؟
وهنا بدأت الحركة الوطنية في جنوب اليمن تتوسع. ظهرت قوى مختلفة، لكن أهمها في المرحلة الأخيرة كانت الجبهة القومية للتحرير وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، ثم أصبحت الجبهة القومية القوة الأكثر تأثيرًا.
لماذا لم تستطع بريطانيا الاحتفاظ بعدن؟
لأن تكلفة السيطرة بدأت ترتفع، بينما انخفضت فائدتها الاستراتيجية مقارنة بالماضي. بعد الحرب العالمية الثانية بدأت بريطانيا تواجه أزمة إمبراطورية واسعة.
الهند استقلت سنة 1947م، وتراجعت قدرة بريطانيا على الحفاظ على شبكة قواعد ضخمة حول العالم. وفي عدن نفسها تصاعدت المقاومة. وأصبح البريطانيون أمام مشكلة مزدوجة: تكلفة أمنية وسياسية متزايدة، مقابل قاعدة استراتيجية لم تعد ضرورية بالطريقة التي كانت عليها عندما كانت الهند جوهرة الإمبراطورية.
ثم جاءت أزمة السويس سنة 1956م لتكشف بصورة أكبر تراجع قدرة بريطانيا وفرنسا على فرض إرادتهما منفردتين في المنطقة.
ثورة عدن والحرب الأخيرة
في الستينيات تحولت المقاومة في جنوب اليمن إلى صراع مسلح أكثر حدة. كانت الجبهة القومية تنفذ عمليات ضد القوات البريطانية، ووقعت مواجهات واغتيالات واضطرابات في عدن والمناطق المحيطة. وأصبحت المدينة غير مستقرة بصورة متزايدة. وفي الوقت نفسه كانت بريطانيا تواجه ضغطًا ماليًا وإمبراطوريًا متزايدًا، ولم تعد مستعدة لدفع تكلفة الاحتفاظ بعدن إلى أجل غير محدد. وفي سنة 1967م اتخذت بريطانيا قرارها النهائي بالانسحاب.
كيف خرج البريطانيون؟
وهنا تختلف النهاية عن كثير من عمليات الانسحاب الاستعماري.
- لم تنتظر بريطانيا حتى تُهزم في معركة عسكرية تقليدية.
- بل وصلت إلى نتيجة مفادها أن استمرار الاحتلال لم يعد يستحق تكلفته.
- انسحبت القوات البريطانية من عدن في نوفمبر 1967م، وقبل الموعد الذي كان مخططًا له أصلًا.
- وبعد الانسحاب أصبحت جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ثم تغير اسمها لاحقًا إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وهكذا انتهى أكثر من قرن من الوجود البريطاني في عدن.
هل طرد البريطانيون عسكريًا؟
الإجابة تحتاج إلى بعض الدقة. نعم، المقاومة المسلحة كانت عاملًا أساسيًا في جعل استمرار الاحتلال مكلفًا، ولا يمكن فصل الانسحاب عن الحرب التي خاضتها القوى الوطنية في الجنوب.
لكن القول إن بريطانيا «هُزمت عسكريًا» بالمعنى التقليدي سيكون تبسيطًا أيضًا. بريطانيا كانت لا تزال قادرة عسكريًا على الاحتفاظ بعدن لفترة أطول، لكن لم تعد ترى أن ذلك يستحق التكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وهذا فرق مهم. فالانسحاب الاستعماري لا يحدث دائمًا لأن القوة المحتلة أصبحت عاجزة عن القتال؛ أحيانًا يحدث لأن معادلة الجدوى نفسها انهارت.
المفارقة التي تركها البريطانيون وراءهم
عندما غادر البريطانيون، لم يتركوا خلفهم دولة يمنية موحدة. بل تركوا جنوبًا مستقلًا بنظام سياسي جديد، في مقابل شمال مستقل منذ عقود. وبذلك أصبح اليمن دولتين فعليًا:
- الجمهورية العربية اليمنية في الشمال
- جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب.
واستمر الانقسام حتى سنة 1990م، عندما توحد الشمال والجنوب وأُعلنت الجمهورية اليمنية. لكن الوحدة لم تمحُ بسهولة آثار عقود طويلة من اختلاف التجربة السياسية بين الطرفين.
الخلاصة: بريطانيا دخلت من أجل عدن وخرجت لأن عدن لم تعد تستحق الثمن
إذا أردنا اختصار القصة بعيدًا عن الشعارات، فإن بريطانيا لم تدخل اليمن لأنها أرادت السيطرة على اليمن كله. دخلت عدن لأنها كانت موقعًا استراتيجيًا ممتازًا على الطريق إلى الهند، ثم بنت حولها شبكة من النفوذ والمعاهدات. وبقيت أكثر من قرن لأن عدن كانت تخدم مصالحها الإمبراطورية.
لكن العالم تغير. استقلت الهند، تراجعت الإمبراطورية البريطانية، تغيرت أهمية الطرق البحرية، تصاعدت القومية العربية، وظهرت مقاومة مسلحة جعلت استمرار السيطرة أكثر تكلفة.
وفي النهاية لم يكن السؤال: هل تستطيع بريطانيا البقاء؟ بل: هل يستحق بقاء بريطانيا في عدن كل هذه التكلفة؟ وكانت الإجابة البريطانية في الستينيات: لا.
وهكذا خرج البريطانيون سنة 1967م، لكن خروجهم لم يكن نهاية مشكلة اليمن، بل بداية مرحلة جديدة؛ لأن الجنوب دخل بعد الاستقلال في تجربة سياسية مختلفة جذريًا عن الشمال، قبل أن تعود قضية الوحدة اليمنية إلى الواجهة بعد أكثر من عقدين.
واللافت أن تاريخ اليمن الحديث ظل يدور حول المشكلة نفسها بأشكال مختلفة: قوة خارجية ترى في موقع اليمن مصلحة استراتيجية، وقوى محلية تريد تقرير مستقبل البلاد، ثم صراع داخلي على من يملك السلطة بعد رحيل القوة الخارجية.