الطقوس الغريبة: طقوس يصعب على الإنسان المعاصر فهمها: عندما يصبح المألوف غريبًا

الغرابة ليست دائمًا في الطقس

عندما يسمع الإنسان عن طقس ديني لم يعتد عليه، تكون ردة الفعل الطبيعية أن يسأل: كيف يمكن لأحد أن يفعل هذا؟ قد يرى شخصًا يرقص لساعات، أو يمشي مسافة طويلة إلى مكان مقدس، أو يصوم لفترة طويلة، أو يحلق شعره، أو يضع لباسًا معينًا، أو ينحني أمام رمز مقدس، فيبدو له الفعل غير منطقي أو مبالغًا فيه. 

لكن هناك مشكلة في هذه النظرة، وهي أننا نفترض أن ما نراه مألوفًا في حياتنا هو المعيار الطبيعي الذي ينبغي أن تقاس عليه أفعال الآخرين.

والحقيقة أن الإنسان لا يعيش داخل «مقياس عالمي للغرابة». ما يبدو طبيعيًا في مجتمع قد يبدو غريبًا تمامًا في مجتمع آخر، وما يبدو ضروريًا لأحدهم قد يبدو بلا معنى للآخر. ولذلك فإن دراسة الطقوس الدينية لا تكشف لنا فقط غرابة بعض الممارسات، بل تكشف أيضًا أن الأشياء التي نمارسها نحن بصورة تلقائية قد تبدو غريبة جدًا إذا نظر إليها شخص من الخارج.

لو نظر إلينا شخص لا يعرف ثقافتنا

تخيل إنسانًا يصل لأول مرة إلى مجتمع حديث ولا يعرف شيئًا عن عاداته. سيرى الناس يقفون في طوابير طويلة لدخول ملعب لمشاهدة مباراة، ويرتدون قمصانًا تحمل ألوان فرق معينة، ويرددون الهتافات معًا، ويحتفلون عندما تدخل كرة إلى شبكة، وقد يغضب بعضهم أو يبكي بسبب النتيجة، ثم يعودون إلى حياتهم الطبيعية في اليوم التالي.

قد يبدو له هذا السلوك غريبًا جدًا. وسيرى أيضًا أشخاصًا يقضون ساعات في صالات الرياضة يرفعون أوزانًا ثقيلة أو يركضون فوق أجهزة ثابتة، وآخرين يدفعون مبالغ كبيرة لقطع ملابس تحمل شعارًا معينًا، وأشخاصًا يصطفون ساعات للحصول على منتج جديد، أو يسافرون آلاف الكيلومترات لحضور حفل موسيقي، أو يجتمعون كل عام في مناسبات محددة لأداء أفعال متكررة يعرف الجميع معناها.

لن يكون من السهل عليه فهم هذه التصرفات إذا لم يعرف القصة التي تقف خلفها. وهنا نصل إلى الفكرة الأساسية: المألوف يصبح طبيعيًا لأننا تعلمنا معناه، لا لأنه يحمل في ذاته صفة «الطبيعية».

لماذا لا نرى غرابة ما اعتدنا عليه؟

الاعتياد واحد من أقوى الأشياء التي تجعل الإنسان يتوقف عن طرح الأسئلة. فالطفل الذي يولد داخل مجتمع معين يتعلم منذ سنواته الأولى أن هناك أشياء «هكذا تُفعل». يتعلم كيف يسلم على الآخرين، وكيف يحتفل، ومتى يصمت، ومتى يتحدث، وكيف يرتدي ملابسه في المناسبات، وما الذي يعتبر محترمًا أو غير محترم. ومع مرور الوقت تختفي الأسئلة التي كانت يمكن أن تبدو طبيعية في البداية.

لا يعود الإنسان يقول: لماذا نفعل هذا؟ بل يصبح السؤال: لماذا لا يفعل الآخرون الشيء نفسه؟ وهذا التحول مهم جدًا لفهم الطقوس الدينية، لأن معظم الممارسات لا تبدو غريبة لمن نشأ داخلها. إنها جزء من البيئة الثقافية التي تشكل وعيه منذ البداية.

الطقس لا يأتي وحده

إذا شاهدنا طقسًا من الخارج، فإننا نرى الحركة، لكننا لا نرى دائمًا المعنى الذي يجعل الحركة مهمة.

  • نرى شخصًا ينحني، لكننا قد لا نعرف لماذا ينحني.
  • نرى شخصًا يصوم، لكننا قد لا نعرف ماذا يعني الصيام بالنسبة إليه.
  • نرى شخصًا يمشي إلى مكان بعيد، لكننا قد لا نرى السنوات من الذاكرة والتقاليد والقصص التي جعلت ذلك المكان مهمًا.
  • نرى النار، أو الدم، أو القناع، أو اللباس، أو الرقص، لكننا لا نرى بالضرورة النظام الرمزي الذي يربط هذه العناصر بعقيدة أو تاريخ أو جماعة.

ولهذا فإن مشاهدة الطقس وحدها تشبه مشاهدة كلمة بلغة لا نعرفها. يمكننا وصف الصوت، لكننا لا نفهم المعنى.

الغريب هو الذي لا نملك قاموسه

يمكن القول إن كل مجتمع يمتلك نوعًا من «قاموس المعاني» الذي يجعل أفعاله مفهومة لأفراده. الإشارة التي تعني الاحترام في مجتمع قد تعني شيئًا مختلفًا في مجتمع آخر. واللون الذي يرتبط بالحزن في ثقافة قد يرتبط بالاحتفال في ثقافة أخرى. والطعام الذي يمثل مناسبة سعيدة عند جماعة قد يكون مرتبطًا بطقس ديني أو اجتماعي مختلف عند جماعة أخرى.

الأمر نفسه ينطبق على الطقوس. عندما لا نملك قاموسها، نرى الحركة ولا نرى المعنى. وهنا تتحول العبادة إلى مشهد غريب، بينما قد يكون الشخص الذي يؤديها غير قادر على فهم سبب استغرابنا أصلًا.

حتى الأشياء الدينية التي نعرفها يمكن أن تصبح غريبة

الأمر لا يتعلق فقط بالديانات البعيدة عن ثقافتنا. حتى داخل الدين الواحد، قد تبدو ممارسة معينة غريبة لشخص لم يعتد عليها، بينما تبدو طبيعية تمامًا لشخص آخر. فالاختلاف بين المناطق والمذاهب والجماعات والتقاليد المحلية يمكن أن يخلق درجات مختلفة من الاعتياد.

وهذا يوضح أن «الغريب» ليس دائمًا اسمًا لطقس بعينه، بل قد يكون وصفًا للعلاقة بين المشاهد والشيء الذي يشاهده. الشيء نفسه قد يكون عاديًا جدًا بالنسبة إلى شخص، وغريبًا جدًا بالنسبة إلى آخر.

ماذا لو قلبنا السؤال؟

بدل أن نسأل: «لماذا يفعل هؤلاء هذا الشيء الغريب؟» يمكن أن نسأل: «لماذا يبدو لنا هذا الشيء غريبًا؟» هذا التغيير البسيط في السؤال يفتح بابًا مختلفًا تمامًا. في السؤال الأول، نفترض أن المشكلة موجودة في الطقس. أما في السؤال الثاني، فنحن ندرس العلاقة بين الطقس وبين نظرتنا إليه.

وهذا لا يعني أن كل طقس يجب أن نعتبره صحيحًا أو مقبولًا لمجرد أنه تقليد ثقافي. هناك ممارسات يمكن أن تتضمن أذى حقيقيًا أو إكراهًا أو انتهاكًا لحقوق الإنسان، ويمكن نقدها أخلاقيًا حتى لو كانت قديمة أو مقدسة بالنسبة إلى أصحابها. لكن فهم سبب الغرابة شيء، والحكم الأخلاقي على الممارسة شيء آخر.

أشياء تبدو لنا طبيعية وهي في الحقيقة رموز

نحن أيضًا نستخدم الرموز طوال الوقت، لكننا لا نسميها دائمًا طقوسًا. بدلة معينة في مناسبة رسمية يمكن أن تعني الاحترام والمكانة.

  • خاتم الزواج يمكن أن يعني الالتزام. 
  • الوقوف في لحظة معينة يمكن أن يعني الاحترام.
  • الصمت في جنازة يحمل معنى.
  • رفع علم دولة يمكن أن يعبر عن الانتماء.

الاحتفال بتخرج شخص من مؤسسة تعليمية، وارتداء الملابس الخاصة بهذه المناسبة، والتقاط الصور، وتسليم الشهادة، كلها أفعال رمزية تتجاوز قيمتها المادية المباشرة. ولو اختفى المعنى الاجتماعي لهذه الأشياء، لبقيت الحركات نفسها تقريبًا، لكننا لن نراها بالطريقة نفسها.

لماذا لا نسميها طقوسًا؟

لأن كلمة «طقس» ترتبط في أذهاننا غالبًا بالدين. لكن الطقس بمعناه الأوسع هو فعل متكرر ومنظم يحمل معنى يتجاوز الحركة نفسها، وغالبًا ما يكون مرتبطًا بانتقال أو مناسبة أو هوية أو جماعة.

بهذا المعنى، الحياة الاجتماعية الحديثة مليئة بالطقوس. بعضها ديني، وبعضها سياسي، وبعضها اجتماعي، وبعضها رياضي، وبعضها عائلي. الفرق أن الإنسان الحديث قد يصف بعض هذه الأفعال بأنها «عادات» أو «مراسم» أو «تقاليد»، بينما يستخدم كلمة «طقس» عندما يكون السياق دينيًا.

المألوف قد يصبح غريبًا بمجرد تغيير السياق

تخيل أنك دخلت إلى غرفة ورأيت عشرات الأشخاص يرتدون الملابس نفسها ويقفون بطريقة واحدة ويكررون الكلمات نفسها في توقيت محدد.

  • إذا قيل لك إنهم يؤدون عبادة دينية، فستفهم الأمر ضمن إطار ديني.
  • لكن إذا قيل لك إنهم يتدربون في مؤسسة عسكرية، فسوف تفسر السلوك بصورة مختلفة.
  • وإذا قيل لك إنهم أعضاء في فريق رياضي، فستبحث عن معنى آخر.

الحركات نفسها تقريبًا قد تتغير دلالتها بالكامل بمجرد أن يتغير السياق الذي نضعها فيه. وهذا يوضح أن المعنى لا يوجد في الحركة وحدها، بل في القصة التي تحيط بها.

الغرابة تكشف حدود خبرتنا

عندما نشاهد طقسًا غريبًا، قد نكتشف شيئًا عن أنفسنا أكثر مما نكتشفه عن الآخرين.

  • نكتشف ما الذي اعتدنا عليه.
  • نكتشف القواعد غير المكتوبة التي نعيش وفقها.
  • نكتشف الأشياء التي نعتبرها «طبيعية» من دون أن نسأل لماذا.

ونكتشف أن الإنسان يستطيع أن يتكيف مع عدد هائل من الأنظمة الرمزية طالما أنه يتعلم معناها منذ الصغر أو يجد تفسيرًا يمنحه إحساسًا بالانتماء. ولهذا فإن الاختلاف بين الطقوس ليس دائمًا دليلًا على اختلاف طبيعة الإنسان، بل قد يكون دليلًا على قدرة الإنسان نفسها على إنتاج المعاني.

لكن هل كل شيء نسبي؟

هنا يجب الحذر من الوقوع في الطرف المقابل. ليس معنى أن العادات تختلف بين المجتمعات أن كل شيء صحيح لمجرد أنه تقليدي، أو أن كل ممارسة دينية يجب أن تُعفى من النقد. هناك فرق بين أن تقول: «أريد أن أفهم لماذا يفعلون ذلك»، وبين أن تقول: «إذن لا يجوز لي أن أحكم على أي شيء».

  • الأولى ضرورة لفهم الإنسان.
  • أما الثانية فليست نتيجة منطقية.

يمكننا أن نفهم الطقس من داخله، وأن ندرك معناه بالنسبة إلى أصحابه، ثم نناقش آثاره الأخلاقية والاجتماعية من موقع نقدي مستقل. وهذا أكثر عدلًا من السخرية منه لمجرد أنه غير مألوف لنا.

ربما نحن أيضًا نعيش داخل طقوس لا نراها

أخطر ما يمكن أن يفعله الاعتياد هو أن يجعلنا نعتقد أن عاداتنا ليست عادات. فنحن نرى طقوس الآخرين بوضوح لأنها جديدة علينا، بينما تختفي طقوسنا داخل الحياة اليومية لأنها مألوفة. وهذا يشبه اللغة.

الشخص الذي يتحدث لغته منذ طفولته لا يشعر بأنه يؤدي فعلًا ثقافيًا معقدًا عندما يتحدث. لكنه لو استمع إلى لغة لا يعرفها، فسوف يلاحظ فورًا الأصوات والإيقاعات والقواعد التي لم يكن يلاحظ وجودها في لغته. الطقوس تعمل بطريقة مشابهة.

ما نراه في الآخرين كطقس، قد نراه في أنفسنا كحياة طبيعية.

الخلاصة

ربما لا توجد قائمة ثابتة للأشياء الغريبة في العالم، بل توجد علاقات مختلفة بين الإنسان وما اعتاد عليه. الطقس الذي يبدو لنا غير مفهوم قد يكون بالنسبة إلى صاحبه فعلًا طبيعيًا ومألوفًا ومحمّلًا بالمعنى، بينما قد توجد في حياتنا أفعال تبدو لنا طبيعية فقط لأننا نشأنا على فهمها.

وهذا لا يعني أن كل الطقوس متساوية أو أن النقد غير مشروع، وإنما يعني أن الحكم على شيء بأنه «غريب» لا يكفي وحده لفهمه. فالغرابة غالبًا هي المسافة بين الفعل ومعناه في عيون من يشاهده.

وعندما نقترب من هذه المسافة، يتغير السؤال من «كيف يمكن أن يفعل الإنسان هذا؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «ما الذي جعل هذا الفعل طبيعيًا ومهمًا ومقدسًا بالنسبة إليه؟» 

وربما تكون هذه إحدى أهم فوائد دراسة الطقوس الدينية. فهي لا تجعلنا نفهم الآخرين فقط، بل تجعلنا ننظر إلى حياتنا اليومية بعين مختلفة، ونسأل عن الأشياء التي اعتدنا عليها حتى نسينا أنها هي الأخرى تحمل تاريخًا ومعاني ورموزًا.

فأحيانًا لا يكون أغرب طقس هو ما يفعله الآخرون، بل ما نفعله نحن دون أن نتساءل لماذا.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.