الطقوس الغريبة: ما وراء الغرابة: من يقرر أن هذا الطقس غريب؟

الغريب بالنسبة إلى من؟

عندما نصف طقسًا دينيًا بأنه «غريب»، فإننا نعتقد غالبًا أننا نصف الطقس نفسه. نرى مجموعة من الأشخاص يؤدون حركة معينة، أو يمارسون عادة لا نعرفها، فنقول ببساطة: هذا غريب. لكننا ننسى أن كلمة «غريب» لا تصف الشيء وحده، بل تصف العلاقة بين الشيء وبين الشخص الذي ينظر إليه.

فلا يوجد طقس يقف في العالم ويحمل فوقه بطاقة تقول: «أنا طقس غريب». الغرابة حكم يصدره المشاهد بناءً على ما يعرفه وما اعتاد عليه وما يعتبره طبيعيًا. وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: إذا كان طقس ما يبدو غريبًا بالنسبة إلينا، بينما يبدو طبيعيًا ومقدسًا بالنسبة إلى أصحابه، فمن الذي يملك المعيار؟

الإنسان لا يبدأ من نقطة محايدة

لا ينظر الإنسان إلى العالم بعين فارغة تنتظر المعلومات. كل شخص يحمل معه لغة وثقافة وذكريات وتقاليد وتجارب دينية واجتماعية وأخلاقية. وهذه الأشياء تشكل طريقة فهمه لما يراه. ولهذا فإن شخصين قد يشاهدان الطقس نفسه، لكنهما لا يريان الشيء نفسه تمامًا.

  • أحدهما قد يرى عبادة عميقة.
  • والثاني قد يرى عادة غريبة.
  • والثالث قد يرى عرضًا اجتماعيًا.
  • والرابع قد يرى ممارسة تاريخية مثيرة للاهتمام.

الاختلاف هنا ليس بالضرورة في المشهد نفسه، بل في المعنى الذي يضعه كل مشاهد فوق المشهد.

ما نعتبره طبيعيًا لم يكن طبيعيًا دائمًا

هناك مشكلة أخرى في كلمة «طبيعي». كثير من الأشياء التي نعتبرها اليوم طبيعية هي في الحقيقة نتاج تاريخ طويل من التعود والتغيير الاجتماعي.

  • طريقة اللباس.
  • شكل حفلات الزواج.
  • مراسم الجنازة.
  • طرق تحية الآخرين.
  • الأطعمة المرتبطة بالمناسبات.
  • طريقة الاحتفال بالأعياد.

حتى مفهوم «الاحتفال الطبيعي» نفسه يختلف من مجتمع إلى آخر. ولو أخذنا إنسانًا من مجتمع بعيد عن عالمنا ووضعناه فجأة في وسط مدينة حديثة، فقد يجد عشرات الأشياء التي نمارسها يوميًا شديدة الغرابة. وهذا لا يعني أن مدينتنا غريبة في ذاتها، وإنما يعني أن الطبيعي يحتاج إلى مجتمع يعرّفه ويكرره ويعلّمه.

الطفل لا يولد وهو يعرف الطقوس

الإنسان يتعلم معنى الأشياء قبل أن يبدأ في نقدها. الطفل الذي ينشأ داخل مجتمع ديني يتعلم منذ سنواته الأولى أن هناك أوقاتًا للعبادة، وأماكن مقدسة، وملابس معينة، وأطعمة مرتبطة بمناسبات، وأفعالًا تحمل احترامًا خاصًا.

ومع مرور السنوات، تتحول هذه الأشياء من سلوك متعلم إلى جزء من الحياة اليومية. وعندما يكبر، قد لا يشعر أنه يؤدي شيئًا غريبًا على الإطلاق. وهذا ينطبق حتى على الشخص الذي لا يمارس الدين. فالطفل يتعلم أيضًا كيف يحتفل بعيد ميلاده، وكيف يتصرف في المدرسة، وكيف يحترم المعلم، وكيف يحتفل بالتخرج، وكيف يتصرف في الجنازة، وكيف يشارك في المناسبات العائلية.

الإنسان إذن لا يتعلم الطقوس الدينية فقط، بل يتعلم نظامًا كاملًا من الطقوس الاجتماعية.

الغرباء يرون ما لا نراه

وجود الغريب داخل المجتمع قد يكشف أشياء لا يلاحظها أهل المجتمع أنفسهم. الشخص الذي يأتي من ثقافة أخرى يسأل أحيانًا أسئلة تبدو لأهل المكان سخيفة أو غير ضرورية: لماذا تفعلون هذا؟ لماذا تلبسون بهذه الطريقة؟ لماذا تقفون هنا؟ لماذا تقدمون هذا الطعام في هذه المناسبة؟

وقد تكون الإجابة الأولى: «هكذا نفعل». وهذه الإجابة تكشف شيئًا مهمًا. عندما تصبح الممارسة شديدة الاعتياد، لا يعود الإنسان بحاجة إلى تفسيرها لنفسه. أما الغريب فيراها للمرة الأولى، ولذلك يلاحظ البنية التي اختفت من أعين أهلها بسبب الاعتياد.

لكن الغريب قد يسيء الفهم أيضًا

وهنا يجب ألا نقع في الاتجاه المعاكس. كون الإنسان غريبًا عن ثقافة معينة لا يعني أنه يرى حقيقتها بصورة أفضل.

  • قد يرى جزءًا صغيرًا من الطقس، ثم يبني عليه تفسيرًا كاملًا.
  • وقد يلتقط صورة أو مشهدًا استثنائيًا ويعتبره ممثلًا للحياة اليومية كلها.
  • وقد لا يعرف الكلمات التي تقال، أو القصة المرتبطة بالمناسبة، أو الظروف التي تجعل الطقس مهمًا.

ولهذا يمكن أن تكون النظرة الخارجية مفيدة، لكنها ليست كافية. نحن نحتاج إلى عين الخارج لكي نلاحظ ما اعتدناه، ونحتاج أيضًا إلى صوت الداخل لكي نفهم لماذا يحمل ذلك الشيء هذا المعنى.

من داخل الطقس يبدو العالم مختلفًا

لنفترض أن شخصًا يؤدي طقسًا دينيًا يراه الآخرون مؤلمًا أو غير ضروري. إذا نظرنا إليه من الخارج، فقد نسأل: لماذا يعذب نفسه؟ لكن الشخص نفسه قد لا يرى الأمر بهذه الطريقة. 

  • قد يرى أنه يقدم تضحية.
  • أو يثبت التزامه.
  • أو يشارك جماعته في تجربة مشتركة.
  • أو يؤدي واجبًا دينيًا.
  • أو يمر بمرحلة انتقالية في حياته.

هنا لا يصبح الألم بالضرورة جميلًا أو مطلوبًا من وجهة نظرنا، لكنه يصبح مفهومًا داخل النظام الذي يعطيه المعنى. والفرق بين الفهم والموافقة مهم جدًا.

فهم الطقس لا يعني تبريره

قد نفهم لماذا يؤدي مجتمع ما طقسًا معينًا دون أن نعتقد أن الطقس صحيح أو أخلاقي.هذه نقطة ضرورية لأن محاولة فهم الثقافات الأخرى قد تنزلق أحيانًا إلى فكرة أن «كل شيء نسبي، وبالتالي لا يجوز الحكم على أي شيء». لكن هذا استنتاج غير صحيح. يمكننا أن نفهم أسباب ممارسة ما، ونفهم قيمتها بالنسبة إلى أصحابها، ثم نسأل بعد ذلك عن آثارها.

  • هل يوجد إكراه؟
  • هل يتعرض الأطفال للأذى؟
  • هل توجد مخاطر صحية كبيرة؟
  • هل يستطيع الشخص رفض المشاركة؟
  • هل تؤدي الممارسة إلى تمييز أو عنف؟

هذه أسئلة مشروعة، حتى عندما تكون الممارسة قديمة ومقدسة.

متى تتحول الغرابة إلى احتقار؟

هناك فرق كبير بين أن تقول: «هذا الطقس غير مألوف بالنسبة إليّ»، وبين أن تقول: «الأشخاص الذين يفعلونه متخلفون أو غير عقلانيين». 

  • الجملة الأولى تصف تجربة المشاهد.
  • أما الثانية فتحول الاختلاف الثقافي إلى حكم على الإنسان نفسه.

وهنا تصبح كلمة «غريب» خطيرة عندما تستخدم كوسيلة لتقسيم البشر إلى «نحن الطبيعيون» و«هم الغريبون». فالتاريخ مليء بأمثلة نظر فيها مجتمع إلى عادات مجتمع آخر باعتبارها دليلًا على نقص أو بدائية، ثم اكتشف لاحقًا أن الصورة كانت أكثر تعقيدًا بكثير.

الإعلام قد يصنع الغرابة

في العصر الحديث، لا نرى معظم الطقوس مباشرة. نراها من خلال الصور ومقاطع الفيديو والتغطيات الإعلامية. وهذا يغير طريقة فهمنا لها. 

  • الكاميرا قد تختار أكثر اللحظات غرابة لأنها الأكثر جذبًا للانتباه.
  • وقد تعرض مشهدًا مدته ثوانٍ دون أن تعرض الساعات التي سبقته أو المعنى الذي سيأتي بعده.
  • وقد تختزل جماعة كاملة في ممارسة استثنائية.

وبذلك لا يصبح الطقس وحده موضوعًا للنظر، بل يصبح اختيار ما نراه منه جزءًا من صناعة الغرابة.

الطقس الغريب قد يكون استثنائيًا حتى داخل جماعته

ليس كل ما نراه في مجتمع ديني يمثل جميع أفراده. 

  • قد توجد جماعات صغيرة تؤدي طقوسًا شديدة الخصوصية، بينما لا يعرفها معظم أفراد الدين نفسه.
  • وقد تكون ممارسة معينة مرتبطة بمنطقة جغرافية أو مناسبة سنوية أو مجموعة محددة.

لذلك فإن القول «هذا ما يفعله أتباع الدين الفلاني» قد يكون تبسيطًا شديدًا. الأديان الكبيرة، مثلها مثل الثقافات الكبيرة، تحتوي على تنوع داخلي هائل. وما يبدو لنا طقسًا دينيًا عامًا قد يكون في الحقيقة ممارسة محلية أو طائفية أو تاريخية محدودة.

حتى المؤمن قد يجد بعض الطقوس غريبة

ومن المفيد أن نتذكر أن «الداخل» ليس كتلة واحدة. 

  • قد ينتمي شخص إلى الدين نفسه لكنه لا يمارس طقسًا معينًا.
  • وقد يرى ممارسة موجودة لدى جماعة أخرى من أتباع دينه غريبة أو مبالغًا فيها.

وهذا يعني أن الثنائية البسيطة بين «الغريب» و«صاحب الطقس» ليست دقيقة دائمًا. هناك درجات كثيرة من القرب والبعد. وهناك مؤمنون يختلفون فيما بينهم حول معنى الطقوس وحدودها وضرورتها.

هل يمكن أن توجد غرابة موضوعية؟

نعم، ولكن يجب استخدام المصطلح بحذر. هناك أفعال قد تكون نادرة جدًا أو مخالفة بصورة واضحة للمعايير السائدة في مجتمع معين، ويمكن وصفها بأنها غير مألوفة وصفًا واقعيًا. وهناك ممارسات قد تتضمن أذى أو إكراهًا يمكن تقييمها وفق معايير أخلاقية وقانونية لا تتوقف فقط على اختلاف الثقافة. لكن حتى هنا يجب ألا نخلط بين أمرين: ندرة الفعل، وحكم قيمته.

  • كون شيء نادرًا لا يجعله خاطئًا.
  • وكونه شائعًا لا يجعله صحيحًا.

فالعدد لا يصنع الأخلاق.

لماذا نحتاج إلى هذه المسافة؟

لأن الهدف من دراسة الطقوس ليس أن نصل إلى نتيجة تقول إن كل شيء غريب جميل، ولا إلى نتيجة معاكسة تقول إن كل شيء غريب سخيف. الهدف هو أن نتعلم كيف نرى.

  • عندما نقترب من الطقس أكثر، نكتشف معناه الداخلي.
  • وعندما نبتعد عنه قليلًا، نرى كيف يبدو لمن لا يعرفه.
  • والجمع بين النظرتين يمنحنا صورة أكثر اكتمالًا.

وهذا ينطبق على عاداتنا نحن أيضًا. فإذا أردنا أن نفهم الآخرين بصدق، علينا أن نكون مستعدين للنظر إلى عاداتنا بالعين نفسها التي ننظر بها إلى عاداتهم.

المرآة التي تعيدها الطقوس إلينا

ربما تكون أهم فائدة من سؤال «من يقرر أن هذا الطقس غريب؟» أنه يعيد السؤال إلينا.

  • ما الأشياء التي نفعلها لأننا وجدنا الجميع يفعلونها؟
  • ما الأشياء التي نعتبرها طبيعية لأننا تعلمناها منذ الطفولة؟
  • ما الأشياء التي تبدو لنا بديهية بينما تحتاج في الحقيقة إلى قصة كاملة لكي نفهمها؟

عندما نطرح هذه الأسئلة، تتحول دراسة الطقوس من مشاهدة الآخرين إلى نوع من المرآة. ننظر إلى طقوسهم فنكتشف شيئًا عنهم. ثم ننظر إلى رد فعلنا تجاه طقوسهم فنكتشف شيئًا عن أنفسنا.

الخلاصة

لا يوجد قاضٍ عالمي للغرابة يقف خارج الثقافات ويقرر أن هذا الطقس طبيعي وأن ذاك غريب. الغرابة تبدأ غالبًا عندما نخرج من عالم المعنى الذي اعتدناه وندخل إلى عالم آخر له قواعده ورموزه وتقاليده. وهذا لا يعني أن علينا إلغاء الحكم الأخلاقي أو اعتبار جميع الممارسات متساوية، وإنما يعني أن وصف شيء بأنه غريب ليس تفسيرًا له، ولا حكمًا أخلاقيًا عليه. 

إنه فقط بداية السؤال. ومن الأفضل أن نقول: «هذا غريب بالنسبة إليّ، لماذا؟» بدل أن نقول: «هذا غريب، إذن لا معنى له». فربما يكون الطقس الذي نراه غريبًا مفهومًا تمامًا عندما نعرف قصته، وربما يكون بالفعل ممارسة تستحق النقد حتى بعد أن نفهمها.

وفي الحالتين، يبقى الفارق بين الإنسان المتعجل والإنسان الذي يحاول أن يفهم هو أن الأول يصدر الحكم قبل أن يعرف القصة، بينما يبدأ الثاني بالقصة قبل الحكم.

فالغرابة ليست دائمًا صفة في الشيء؛ أحيانًا تكون المسافة بين عالمين من المعنى.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.