
كيف نجت دول عربية من موجة الربيع العربي؟
إذا كانت الأسباب التي صنعت الربيع العربي موجودة بدرجات مختلفة في معظم الدول العربية، فلماذا لم تحدث ثورة في الجميع؟ هذا السؤال مهم بقدر أهمية السؤال عن أسباب اندلاع الثورات نفسها. فبعد أن رأينا تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين والسودان والجزائر، قد يبدو للوهلة الأولى أن المنطقة كلها كانت تسير نحو الانفجار، وأن بعض الدول فقط نجت منه بالصدفة.
لكن الصورة أكثر تعقيدًا. فالدول التي لم تشهد ثورة شاملة لم تكن بالضرورة خالية من المشكلات التي ظهرت في الدول الثائرة. بعضها شهد احتجاجات فعلية، وبعضها شهد مطالب سياسية واجتماعية واضحة، وبعضها احتوى الأزمة بسرعة عبر زيادة الإنفاق والأجور والوظائف والدعم، وبعضها اعتمد على قوة الدولة والأجهزة الأمنية، وبعضها استفاد من شرعية سياسية أو اجتماعية مختلفة.
وفي حالات أخرى، لم يكن هناك أصلًا تحالف اجتماعي واسع قادر على تحويل الاحتجاج إلى حركة لإسقاط النظام. إذن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم توجد أسباب للثورة؟ بل: لماذا لم تتحول الأسباب الموجودة إلى ثورة قادرة على إسقاط النظام؟
الربيع العربي لم يكن عدوى تنتقل آليًا
أحدث سقوط بن علي ومبارك صدمة نفسية وسياسية هائلة في العالم العربي. فإذا كان رئيس يحكم منذ عقود يستطيع أن يسقط خلال أسابيع، فلماذا لا يحدث الأمر نفسه في دولة أخرى؟ لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.
- وجود نظام سلطوي لا يعني أن المجتمع سينتفض ضده بالضرورة.
- ووجود البطالة والفساد لا يعني تلقائيًا اندلاع ثورة.
- وحتى وجود احتجاجات واسعة لا يعني بالضرورة سقوط النظام.
لكي تتحول الأزمة إلى ثورة ناجحة، يجب أن تتجمع عدة عناصر في اللحظة نفسها:
- غضب اجتماعي واسع.
- وقدرة على التنظيم.
- وانهيار حاجز الخوف.
- وانقسام داخل النخبة.
- وضعف قدرة الدولة على الاحتواء.
- وأحيانًا حياد الجيش أو انقسامه.
- وغياب بديل أكثر رعبًا في نظر قطاعات واسعة من المجتمع.
ولهذا يمكن أن تكون دولتان متشابهتين في مستوى الفقر أو الاستبداد، لكن تنتهيان إلى نتيجتين مختلفتين تمامًا.
الخليج امتلك سلاحًا لا تملكه معظم الدول العربية
كان لدى دول الخليج عامل شديد الأهمية:
القدرة المالية: لم تكن كل دول الخليج غنية بالدرجة نفسها، لكن الدول النفطية كانت تمتلك موردًا تستطيع الدولة توزيعه بسرعة على المجتمع.
- زيادة الرواتب.
- دعم السلع.
- وظائف حكومية.
- منح نقدية.
- مشاريع إسكان.
- إنفاق على البنية التحتية.
- مساعدات اجتماعية.
وهذه الأدوات ليست مجرد إجراءات اقتصادية. في الدولة الريعية، يمكن للمال أن يتحول إلى أداة سياسية مباشرة. فعندما يشعر المواطن أن دخله أو وظيفته أو السكن الذي يحصل عليه مرتبط بدرجة كبيرة بالدولة، يصبح للعلاقة بين الطرفين شكل مختلف عن العلاقة الموجودة في دولة تعجز حكومتها أصلًا عن توفير الخدمات الأساسية.
ولهذا لجأت عدة ملكيات عربية إلى مزيج من التنازلات المالية والإصلاحات المحدودة والإجراءات الأمنية لاحتواء موجة 2011. وتشير دراسة لمعهد بروكينغز إلى أن السعودية أعلنت حزمة إنفاق ضخمة، بينما قدمت الكويت مساعدات نقدية، ورفعت قطر أجور القطاع العام للمواطنين، وأطلقت الإمارات استثمارات في البنية التحتية، إلى جانب إجراءات مشابهة في عمان ودول أخرى.
السعودية: الوقاية قبل أن تتحول الأزمة إلى ثورة
السعودية حالة مهمة لأنها لم تكن خالية من الاحتجاج. ظهرت احتجاجات في المنطقة الشرقية، وظهرت مطالب سياسية وحقوقية واجتماعية، وكانت هناك أصوات تطالب بإصلاحات أوسع. لكن الاحتجاج لم يتحول إلى حركة وطنية شاملة تهدد بقاء النظام.
ومن أهم أسباب ذلك قدرة الدولة على استخدام الموارد المالية في وقت كانت أسعار النفط مرتفعة نسبيًا. لم يكن الإنفاق مجرد مكافأة فردية للمواطنين. بل كان جزءًا من سياسة أوسع شملت الرواتب والإسكان والمشاريع والدعم والوظائف. وبذلك حاولت الدولة معالجة بعض مصادر التوتر قبل أن تتراكم وتتحول إلى تحالف سياسي واسع. لكن المال لم يكن العامل الوحيد.
هناك أيضًا وزن المؤسسة الدينية، وبنية الدولة، وغياب أحزاب سياسية تنافس النظام، والخوف من الفوضى الإقليمية، والحساسية العالية تجاه أي حركة يمكن أن تتحول إلى تهديد أمني. كما أن المجتمع السعودي لم يكن كتلة سياسية واحدة. فالمناطق والتيارات والمصالح الاجتماعية والسياسية مختلفة، وهو ما جعل إنتاج حركة موحدة على المستوى الوطني أكثر صعوبة.
الكويت: لماذا لم تتحول الاحتجاجات إلى ثورة؟
الكويت حالة مختلفة تمامًا عن السعودية. فهي تمتلك تاريخًا أطول من الحياة البرلمانية والمنافسة السياسية. ولهذا كان المواطن الكويتي يملك أدوات سياسية لا تتوفر بالدرجة نفسها في الملكيات الخليجية الأخرى. كانت هناك انتخابات وبرلمان ونواب معارضون واستجوابات وحكومات تتعرض للضغط السياسي. لذلك لم يكن الخيار الوحيد أمام المعارض هو النزول إلى الشارع لإسقاط النظام. كان يمكن نقل الصراع إلى البرلمان. وهذه نقطة مهمة جدًا.
وجود قنوات سياسية لا يمنع الاحتجاج، لكنه قد يمنع تحول الاحتجاج إلى ثورة.
وشهدت الكويت بالفعل احتجاجات وأزمة سياسية في 2011 وما بعدها، كما اتخذت الحكومة إجراءات مالية لامتصاص الضغوط؛ ومن أشهرها منحة مالية للمواطنين مع دعم غذائي في بداية 2011. لكن الأهم أن النظام لم يكن مضطرًا إلى مواجهة حركة ثورية موحدة تطالب بإسقاط الأسرة الحاكمة. كانت المعارضة قادرة على العمل داخل النظام نفسه، حتى عندما كانت العلاقة بين البرلمان والحكومة شديدة التوتر.
عمان: المثال الأكثر وضوحًا على «الاحتواء»
ربما تكون عمان أفضل مثال على الفكرة التي يقوم عليها هذا الملحق. فالعمانيون احتجوا فعلًا في 2011. كانت هناك مطالب بالوظائف، ورفع الأجور، ومكافحة الفساد، وتحسين المعيشة، وتوسيع المشاركة السياسية. وفي صحار وصل الاحتجاج إلى مستوى خطير، كما امتدت الاحتجاجات إلى مناطق أخرى مثل صلالة.
لكن الموقف العماني اختلف عن تونس ومصر. لم تتحول المطالب الأساسية إلى حركة وطنية واسعة هدفها إسقاط السلطان. وفي المقابل تحركت الدولة بسرعة.
- أُعيد تشكيل الحكومة.
- وأُعلن عن عشرات الآلاف من الوظائف.
- وزيدت المزايا والرواتب.
- ورفعت بعض المعاشات.
- وزيدت صلاحيات مجلس الشورى.
- وأدخلت تعديلات في قوانين العمل.
- كما استخدمت الدولة القوة في بعض مراحل الاحتجاج.
أي أن الاستجابة لم تكن «مالًا فقط»، ولم تكن «قمعًا فقط». كانت خليطًا من المال والإصلاح والاحتواء والأمن. وتوثق دراسات عن عمان أن الحكومة استخدمت هذه الأدوات بدرجات مختلفة بحسب مستوى التهديد وطبيعة المطالب.
وهنا تظهر نقطة مهمة: الاحتجاج لا يصبح ثورة إذا استطاع النظام تحويل مطالبه من سؤال وجودي إلى قائمة مطالب قابلة للتفاوض.
- عندما يقول المحتج: «أريد وظيفة.» يمكن للحكومة أن تعرض وظيفة. وعندما يقول: «أريد زيادة في الراتب.» يمكن أن تعرض زيادة.
- وعندما يقول: «أريد تغيير الوزير.» يمكن تغيير الوزير.
- لكن عندما يتحول السؤال إلى: «من يحكم الدولة؟» تصبح قدرة النظام على الاحتواء أصعب بكثير.
قطر والإمارات: الوقاية قبل الانفجار
في قطر والإمارات كان الوضع مختلفًا. لم تشهد الدولتان موجة احتجاج جماهيري مماثلة لما حدث في عمان أو البحرين أو السعودية. وهنا يظهر عامل الثروة بصورة أوضح. فالمواطن في الدولة الريعية الغنية لا يعيش العلاقة الاقتصادية نفسها التي يعيشها المواطن في دولة تعاني من بطالة مرتفعة وعجز مالي مزمن.
الدولة تستطيع تقديم خدمات واسعة، ورواتب مرتفعة نسبيًا للمواطنين، ودعمًا ومزايا اجتماعية، واستثمارات ضخمة. لكن الثروة وحدها لا تكفي. فلو كان المال وحده يحل كل شيء، لكانت كل الدول النفطية متطابقة سياسيًا.
- هناك أيضًا حجم السكان.
- وبنية الدولة.
- ومستوى الخدمات.
- والشرعية التاريخية.
- وقدرة الأجهزة الحكومية.
- والرقابة السياسية.
- والعلاقة بين المواطن والأسرة الحاكمة.
ولهذا من الأفضل القول إن الثروة زادت قدرة هذه الأنظمة على الوقاية والاحتواء، لكنها لم تكن السبب الوحيد في بقائها.
لماذا لم تحدث ثورة في المغرب والأردن؟
تناولنا هذه الحالة في السلسلة، لكنها تستحق العودة إليها من زاوية مختلفة. المغرب والأردن لم يكونا دولتين ريعتين غنيتين مثل قطر أو الإمارات. ومع ذلك لم يسقط النظام. وهذا وحده يكفي لإثبات أن تفسير الربيع العربي بالمال غير كافٍ.
كان هناك عامل آخر: قدرة النظام على تقديم نفسه باعتباره جزءًا من الدولة وليس مجرد حكومة قابلة للإسقاط.
في الملكيات، يستطيع النظام أحيانًا أن يسمح للمواطن بالغضب من الحكومة والبرلمان والوزراء والسياسات الاقتصادية دون أن يتحول هذا الغضب مباشرة إلى مطالبة بإلغاء النظام الملكي. وهذا يخلق مساحة للمناورة.
- يمكن تغيير الحكومة.
- ويمكن تعديل الدستور.
- ويمكن تقديم إصلاحات.
- ويمكن تغيير الوزراء.
وفي الوقت نفسه تبقى المؤسسة الملكية في موقعها. هذا ما ساعد الملكيات في بعض الحالات على امتصاص جزء من موجة الاحتجاج.
الجزائر: المال لم يمنع الاحتجاج، لكنه أخّره
الجزائر مثال آخر يوضح محدودية التفسير المالي. في 2011 كانت الجزائر تمتلك موارد نفطية وغازية سمحت للدولة بزيادة الإنفاق وتقديم تنازلات اجتماعية واقتصادية. وكانت هناك احتجاجات بالفعل. لكنها لم تتحول إلى ثورة شاملة. ثم عاد الاحتجاج بعد سنوات، وبصورة أكبر، في 2019. وهنا يظهر درس بالغ الأهمية:
قد يستطيع المال تأجيل الأزمة، لكنه لا يستطيع بالضرورة حل أسبابها السياسية.
- يمكن للدولة أن تخفض سعر سلعة.
- ويمكنها أن تزيد الأجور.
- ويمكنها أن تبني مساكن.
لكن إذا بقيت مشكلة الشرعية السياسية ومشكلة انتقال السلطة وانسداد النظام، فقد تعود الأزمة عندما تتغير الظروف. وهذا بالضبط ما يجعل تجربة الجزائر مهمة في فهم العلاقة بين الاحتواء والإصلاح.
الذاكرة يمكن أن تكون أقوى من الغضب
هناك عامل آخر لا يحظى دائمًا بما يستحقه من الاهتمام: الخوف من البديل.
في دول شهدت حروبًا أهلية أو انهيارات عنيفة، لا ينظر المواطن إلى الثورة باعتبارها طريقًا مضمونًا نحو الحرية. قد يسأل:
- ماذا لو انهارت الدولة؟
- ماذا لو انقسم الجيش؟
- ماذا لو اندلعت حرب أهلية؟
- ماذا لو ظهرت جماعات مسلحة؟
- ماذا لو أصبح مستقبل أبنائي أسوأ؟
ولهذا يمكن أن يصبح الخوف من الفوضى عاملًا يحافظ على النظام، حتى عندما يكون المواطن غير راضٍ عنه. وهذه الآلية ظهرت بوضوح أكبر بعد 2011. فكلما تحولت ليبيا وسوريا واليمن إلى حروب، أصبح لدى الأنظمة الأخرى مثال حي على أسوأ السيناريوهات. وهكذا تحولت نتائج الربيع العربي نفسها إلى عامل مضاد للثورة.
عندما يصبح سقوط الدولة أكثر رعبًا من بقاء النظام
هذه ربما كانت واحدة من أكبر المفارقات التاريخية للربيع العربي. في بداية 2011 كان سقوط النظام يبدو للكثيرين نهاية المشكلة. لكن بعد سنوات، أصبح واضحًا أن إسقاط النظام لا يضمن بناء الدولة.
- في ليبيا سقط القذافي لكن الدولة لم تُبنَ بسهولة.
- وفي اليمن رحل صالح، لكن الصراع على الدولة استمر.
- وفي سوريا لم يسقط النظام المركزي، لكن البلاد تحولت إلى ساحة حرب دولية وإقليمية.
- وفي السودان سقط البشير، لكن الصراع بين مراكز القوة العسكرية انتهى إلى حرب.
وهذه التجارب جعلت شعوبًا أخرى أكثر حذرًا. فقد يصبح السؤال: «هل أحب هذا النظام؟» أقل أهمية من سؤال: «ماذا سيحدث إذا سقط؟»
قوة الدولة عامل حاسم
تختلف الأنظمة أيضًا في قدرة مؤسساتها على السيطرة على المجال العام. الدولة التي تمتلك جهازًا أمنيًا قويًا ومتعدد المستويات تستطيع غالبًا منع الاحتجاج من التحول إلى حركة وطنية واسعة. لكن القوة الأمنية وحدها ليست تفسيرًا كافيًا. لأن القمع قد يزيد الغضب بدلًا من إنهائه. ما يجعل القوة فعالة هو اجتماعها مع عوامل أخرى:
- القدرة المالية.
- تماسك النخبة.
- تماسك الجيش.
- غياب قيادة موحدة للمعارضة.
- وجود قنوات سياسية بديلة.
- والخوف من الفوضى.
عند اجتماع هذه العوامل يصبح احتواء الاحتجاج أسهل بكثير.
الجيش: السؤال الذي يغير كل شيء
أثبت الربيع العربي أن موقف الجيش قد يكون أهم من عدد المتظاهرين.
- في تونس لم يقف الجيش في النهاية إلى جانب بن علي.
- وفي مصر تخلى الجيش عن مبارك ثم أصبح اللاعب المركزي في المرحلة التالية.
- وفي ليبيا انقسمت المؤسسة العسكرية وتحول الصراع إلى حرب.
- وفي سوريا بقيت قطاعات أساسية من المؤسسة العسكرية إلى جانب النظام.
- وفي البحرين بقيت أجهزة الدولة والأمن متماسكة مع دعم خليجي.
- وفي السودان بقيت المؤسسة العسكرية ومراكز القوة المسلحة في قلب الصراع حتى بعد سقوط البشير.
لذلك فإن عدد المتظاهرين لا يكفي لتفسير سقوط النظام. السؤال الآخر هو: ماذا تفعل مؤسسات القوة عندما يبدأ النظام في الاهتزاز؟
المعارضة نفسها عامل في تحديد النتيجة
ليس النظام وحده من يقرر مصير الاحتجاج. المعارضة أيضًا مهمة. إذا كانت المعارضة واسعة لكنها شديدة الانقسام، فقد يصعب عليها تحويل الاحتجاج إلى بديل سياسي. وإذا كانت الحركة الشبابية قادرة على الحشد لكنها غير قادرة على إدارة الدولة، فقد تنجح في إسقاط الحاكم دون أن تنجح في إدارة المرحلة التالية.
وإذا كانت المعارضة تملك أحزابًا قديمة ومنظمة، فقد تتمكن هذه الأحزاب من الاستفادة من اللحظة أكثر من القوى التي أطلقت الاحتجاج. وهذا ما رأيناه في مصر بصورة واضحة. إذن عدم نجاح الثورة لا يعني دائمًا أن النظام كان أقوى فقط. أحيانًا يكون البديل نفسه غير قادر على إنتاج صيغة حكم مقنعة.
المال يشتري الوقت أكثر مما يشتري الشرعية
وهنا نصل إلى أهم تحفظ على فكرة «شراء الاستقرار».
- المال يمكن أن يخفف الغضب.
- ويمكن أن يحسن مستوى المعيشة.
- ويمكن أن يوفر وظائف.
- ويمكن أن يؤجل الاحتجاج.
لكن المال لا يحل تلقائيًا مشكلة الشرعية السياسية. فالمواطن قد يكون راضيًا عن راتبه لكنه يطالب بمزيد من المشاركة. وقد يكون مرتاحًا اقتصاديًا لكنه يريد محاسبة الفساد. وقد يقبل الاستقرار لفترة طويلة، ثم تظهر قضية سياسية تغير حساباته. ولهذا فإن الإنفاق يجب فهمه باعتباره أداة لإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وليس بديلًا دائمًا عن الإصلاح.
لماذا لم تتحول كل الاحتجاجات إلى ثورات؟
لأن «الاحتجاج» و«الثورة» ليسا الشيء نفسه.
- قد يحتج الموظفون على الأجور.
- وقد يحتج الشباب على البطالة.
- وقد يحتج الناس على وزير فاسد.
- وقد تطالب المعارضة بإصلاح الدستور.
لكن كل ذلك يمكن أن يبقى داخل إطار النظام السياسي. الثورة تبدأ عندما يتحول السؤال من: «نريد تغيير هذه السياسة» إلى: «نريد تغيير النظام الذي ينتج هذه السياسات.» وهذه النقلة هي التي لم تحدث في عدد كبير من الدول العربية عام 2011.
النموذج الخليجي: العقد الاجتماعي الريعي
يمكن النظر إلى دول الخليج باعتبارها نموذجًا خاصًا للعلاقة بين الدولة والمواطن. الدولة تحصل على جزء كبير من مواردها من النفط والغاز. ثم تعيد توزيع جزء من هذه الموارد عبر الرواتب والدعم والخدمات والإسكان والاستثمارات.
وهذا يخلق عقدًا اجتماعيًا مختلفًا:
المواطن لا يحصل فقط على حقوق سياسية. بل يحصل أيضًا على منافع مادية مباشرة من الدولة. وعندما تهتز المنطقة، تستطيع الدولة استخدام هذه الموارد بسرعة للحفاظ على الاستقرار. لكن لهذا النموذج حدودًا واضحة.
- فالنفط ليس بلا نهاية.
- والسكان يتزايدون.
- والقطاع الحكومي لا يستطيع توظيف الجميع إلى الأبد.
- والاقتصاد الحديث يحتاج إلى إنتاجية وتنويع.
ولهذا بدأت دول الخليج نفسها لاحقًا في إصلاح نماذجها الاقتصادية وتقليل الاعتماد على التوظيف الحكومي والدعم الشامل.
لم يكن كل شيء «شراءً للولاء»
من الخطأ أيضًا اختزال علاقة المواطن الخليجي بالدولة في المال. فالشرعية السياسية لها مصادر أخرى:
- التاريخ.
- الدين والثقافة.
- بناء الدولة.
- الأمن.
- تحسين مستوى المعيشة.
- الاستقرار.
- الهوية الوطنية.
- والعلاقة المباشرة بين الأسرة الحاكمة والمجتمع.
والدليل أن دولًا عربية غير نفطية تمكنت أيضًا من احتواء الاحتجاج، بينما شهدت دول نفطية احتجاجات وصراعات. إذن المال عامل قوي، لكنه ليس قانونًا سياسيًا.
العامل الإقليمي
هناك أيضًا حقيقة أخرى: لم تكن الدول العربية تتحرك منفردة.
- عندما اندلعت احتجاجات البحرين، دخلت قوات خليجية.
- وعندما تطورت أزمة اليمن، أصبحت السعودية لاعبًا عسكريًا مباشرًا.
- وعندما سقطت ليبيا في الحرب، دخل الناتو.
- وعندما تحولت سوريا إلى حرب، أصبحت القوى الإقليمية والدولية جزءًا أساسيًا منها.
وهذا يعني أن احتمال الثورة في أي دولة لم يعد شأنًا داخليًا فقط.
- النظام الذي يواجه احتجاجًا يمكن أن يحصل على دعم خارجي.
- والمعارضة يمكن أن تحصل على دعم خارجي.
- والجغرافيا السياسية يمكن أن تغير الحسابات بالكامل.
لماذا نجت بعض الدول إذن؟
إذا جمعنا كل العوامل السابقة، تصبح الإجابة أكثر وضوحًا. الدول التي لم تشهد ثورة شاملة لم تنجُ بسبب عامل واحد. بل لأن مجموعة من العوامل عملت معًا:
- المال عندما كان متاحًا.
- الاحتواء السريع قبل توسع الاحتجاج.
- الإصلاح المحدود عندما كان ممكنًا.
- القوة الأمنية عندما فشلت التنازلات.
- تماسك الجيش.
- غياب الانقسام الحاد داخل النخبة.
- عدم وجود معارضة موحدة قادرة على تقديم بديل.
- وجود قنوات سياسية يمكن نقل الصراع إليها.
- الخوف من الفوضى.
- والاستفادة من الدروس التي قدمتها تجارب الدول التي دخلت الثورة والحرب.
وهذه العوامل لا تعمل بالطريقة نفسها في كل دولة.
المفارقة الأخيرة
قد يكون أكثر ما يلفت النظر أن الدول التي لم تشهد ثورة لم تكن بالضرورة أكثر عدلًا من الدول التي شهدت الثورة. كما أن الدول التي شهدت الثورة لم تكن بالضرورة أكثر قمعًا من جميع الدول التي لم تشهدها. التاريخ لا يعمل بهذه المعادلة البسيطة. فالثورة ليست مقياسًا مباشرًا لكمية الظلم.
إنها نتيجة تفاعل الظلم مع القدرة على التنظيم، واللحظة التاريخية، وموقف النخب، ومؤسسات القوة، والاقتصاد، والخارج، والصدفة أحيانًا. ولهذا قد يبقى نظام شديد الصعوبة عقودًا، بينما يسقط نظام آخر خلال أسابيع.
ما الذي تعلمته الأنظمة العربية؟
ربما يكون هذا أحد أهم آثار الربيع العربي التي لا تظهر في الشوارع. الأنظمة نفسها تعلمت.
- تعلمت أن ارتفاع الأسعار قد يتحول إلى قضية سياسية.
- وأن البطالة بين الشباب يمكن أن تصبح خطرًا على الاستقرار.
- وأن وسائل التواصل تستطيع تجاوز الرقابة.
- وأن الاحتجاج في مدينة صغيرة يمكن أن ينتقل إلى العاصمة.
- وأن تأخر الاستجابة قد يجعل المطالب تتغير من إصلاح إلى إسقاط النظام.
ولهذا أصبحت بعض الحكومات أكثر سرعة في الاستجابة للمطالب الاقتصادية، وأكثر حذرًا تجاه الاحتجاجات، وأكثر اهتمامًا بالإنفاق الاجتماعي والأمن الرقمي والسيطرة على المجال العام.
وما الذي تعلمته المجتمعات؟
المجتمعات تعلمت أيضًا.
- تعلمت أن إسقاط الحاكم ليس نهاية القصة.
- وأن الدولة قد تكون أضعف مما تبدو.
- وأن الجيش يمكن أن يكون حاسمًا.
- وأن المعارضة قد تتوحد ضد النظام ثم تنقسم بعد سقوطه.
- وأن التدخل الخارجي يمكن أن يغير مسار الأحداث.
- وأن الحرية السياسية وحدها لا تحل البطالة والغلاء.
- وأن انهيار الدولة يمكن أن يكون أكثر تكلفة بكثير من تغيير الحكومة.
وهذا ربما يفسر جزئيًا لماذا كانت موجة 2019 مختلفة في بعض الدول عن موجة 2011.
الخلاصة: لماذا لم يَثُر الجميع؟
- الإجابة النهائية ليست أن بقية الدول كانت بلا مشاكل.
- وليست أن الشعوب الأخرى كانت راضية.
- وليست أن المال وحده اشترى الاستقرار.
- وليست أن الأنظمة الأخرى كانت أكثر شرعية بالضرورة.
الحقيقة أن الاحتجاج يحتاج إلى ظروف حتى يتحول إلى ثورة، والثورة تحتاج إلى ظروف أخرى حتى تُسقط النظام، وإسقاط النظام يحتاج إلى ظروف ثالثة حتى يتحول إلى تغيير سياسي ناجح.
- في عمان، استطاعت الدولة أن تمزج بين التنازلات الاقتصادية والسياسية والأمنية، فبقي الاحتجاج داخل حدود يمكن احتواؤها.
- وفي السعودية والكويت ودول خليجية أخرى، لعبت القدرة المالية دورًا مهمًا في تقديم تنازلات ومزايا قبل أن يتحول الاحتجاج إلى أزمة وجودية.
- وفي المغرب والأردن، ساعدت بنية الملكية وقدرتها على الفصل بين الحكومة والمؤسسة الملكية على امتصاص جانب من الغضب.
- وفي الجزائر، ساعد الإنفاق والذاكرة الثقيلة للحرب الأهلية على احتواء 2011، لكن المشكلات السياسية عادت إلى الواجهة في 2019.
- أما الدول التي لم تستطع احتواء الاحتجاج أو التي كانت دولها ومؤسساتها أكثر هشاشة، فقد انتقلت من الاحتجاج إلى الثورة، ومن الثورة في بعض الحالات إلى الحرب.
وهكذا فإن السؤال الذي بدأنا به يمكن أن يُعاد صياغته: لماذا لم يَثُر الجميع؟ لأن الربيع العربي لم يكن اختبارًا لمقدار غضب الشعوب فقط. كان اختبارًا لقدرة الأنظمة على إدارة الغضب قبل أن يتحول إلى قطيعة، وقدرة الدول على الإصلاح قبل أن يصبح الإصلاح مستحيلًا، وقدرة المجتمع على إنتاج بديل قبل أن يؤدي سقوط النظام إلى فراغ.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر: الدولة التي تدفع المال لتأجيل الأزمة قد تنجح إذا استغلت الوقت في الإصلاح، لكنها قد تفشل إذا اعتبرت المال بديلًا دائمًا عن الإصلاح.
أما الدولة التي تمنع الاحتجاج بالقوة فقط، فقد تنجح في إسكات الشارع اليوم، لكنها لا تكون قد أزالت بالضرورة الأسباب التي أخرجته غدًا. ولهذا فإن أفضل وسيلة لمنع الثورة، في النهاية، ليست المال وحده ولا الأمن وحده.
إنها قدرة الدولة على إصلاح نفسها قبل أن يضطر المجتمع إلى محاولة إصلاحها من الشارع.