
هناك تطور جديد في الموقف البريطاني تجاه إسرائيل يستحق التوقف عنده، ليس لأن بريطانيا فرضت عقوبات ستقلب الاقتصاد الإسرائيلي رأسًا على عقب، ولا لأن أوروبا اكتشفت فجأة أن الاحتلال والاستيطان أمران غير مقبولين، وإنما لأننا أمام مرحلة جديدة في اللغة السياسية الغربية: الانتقال من «نشجب ونستنكر» إلى شيء يمكن تسميته ساخرًا بـ«لا نرتاح لذلك».
أعلنت بريطانيا إجراءات تستهدف منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب عقوبات على أفراد وشركات مرتبطة بالنشاط الاستيطاني، مع حديث عن إمكانية توسيع الإجراءات مستقبلًا. وانضمت دول غربية أخرى إلى مواقف مشابهة، في خطوة تحمل قيمة سياسية أكبر بكثير من تأثيرها الاقتصادي المباشر.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
هل اكتشفت بريطانيا الاستيطان الآن؟
السؤال الأول الذي يفرض نفسه: لماذا الآن؟
فإذا كان الاستيطان مخالفًا للقانون الدولي ويهدد قيام دولة فلسطينية، كما تقول الحكومات الغربية منذ سنوات، فلماذا احتاج الأمر إلى كل هذه السنوات حتى تتحول الإدانة إلى عقوبة، ولو محدودة؟
والأهم من ذلك: ماذا عن المدنيين الذين قتلوا، والمساعدات التي مُنعت، والمجاعة والدمار والحصار؟ هل كان كل ذلك أقل إزعاجًا للحكومات الغربية من الاستيطان؟
بالطبع لا.
الاستيطان ليس أكثر قسوة أخلاقيًا من قتل المدنيين، لكن الاستيطان أسهل سياسيًا في التعامل معه. تستطيع الحكومة البريطانية أن تستهدف منتجات مصدرها المستوطنات، وأن تقول إنها لا تعاقب إسرائيل كدولة وإنما تتعامل مع نشاط استيطاني تعتبره غير قانوني.
أما اتخاذ إجراءات واسعة بسبب الحرب في غزة، فيفتح أبوابًا أكثر خطورة: مسؤولية الدول عن التسليح، والعلاقات العسكرية، والتعاون الاستخباراتي، والتحالفات الاستراتيجية، والعلاقة مع واشنطن.
لذلك فالاستيطان يوفر للحكومات الغربية مساحة مثالية: يمكنها أن تفعل شيئًا، من دون أن تفعل الشيء الذي يمكن أن يسبب أزمة حقيقية.
عقوبة مؤلمة أم إعلان موقف؟
إذا نظرنا إلى حجم الإجراءات، يصعب اعتبارها عقوبات اقتصادية قادرة على إجبار إسرائيل على تغيير سياستها.
وهذا لا يعني أنها بلا قيمة إطلاقًا. فالعقوبات يمكن أن تتوسع، وقد تخلق سابقة سياسية، وقد تصبح أكثر أهمية إذا انتقلت لاحقًا إلى البنوك والشركات والتمويل والاستثمارات المرتبطة بالمستوطنات.
لكن في صورتها الحالية، فإن تأثيرها المباشر محدود.
وهنا يمكن وضعها في سلم العقوبات الدبلوماسية الغربي:
في البداية كان هناك «نشجب ونستنكر».
ثم جاء «نعرب عن بالغ القلق».
ثم «ندعو إلى ضبط النفس».
ثم «نطالب إسرائيل باحترام القانون الدولي».
والآن وصلنا إلى مرحلة متقدمة جدًا:
«لا نرتاح لذلك، ولذلك لن نستورد بعض منتجات المستوطنات.»
إنها بالفعل خطوة أعلى من البيان الصحفي، لكنها ليست بالضرورة خطوة مؤلمة بما يكفي لتغيير السلوك.
وهذا يجعلها أقرب إلى عقوبة صوتية: فعل سياسي يمكن الإعلان عنه، أكثر من كونه أداة اقتصادية قادرة على فرض نتيجة سياسية.
إذن لمن الرسالة؟
إذا كان أثر العقوبة على إسرائيل محدودًا، فمن الطبيعي أن نسأل: لمن توجه الرسالة الحقيقية؟
الجواب الأول هو إسرائيل، بالطبع. لكن الرسالة هنا ليست «سنوقفكم»، وإنما أقرب إلى «نحن غير راضين».
وهذا فارق مهم.
أما الرسالة الثانية، وربما الأهم، فهي موجهة إلى الداخل الأوروبي.
الحكومات الغربية لا تتحرك في فراغ. هناك رأي عام، وانتخابات، ومظاهرات، وضغط إعلامي، وانقسامات داخل الأحزاب، وجمهور يرى يوميًا صور الحرب والدمار.
وفي مرحلة معينة يصبح الاكتفاء بالقول «نحن نشعر بالقلق» غير كافٍ أمام الناخب.
لكن الحكومة في الوقت نفسه لا تريد الذهاب إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.
فتنشأ الصيغة المثالية سياسيًا: إجراء حقيقي بما يكفي لإثبات أن الحكومة فعلت شيئًا، ومحدود بما يكفي حتى لا يتحول إلى أزمة استراتيجية.
وهكذا تستطيع الحكومة أن تقول لجمهورها: لم نكتفِ بالكلام، لقد فرضنا عقوبات.
أما حجم العقوبة، وما إذا كانت ستغير شيئًا فعليًا على الأرض، فهذه قصة أخرى.
هل استأذنت بريطانيا أمريكا؟
وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة.
فبريطانيا لا تتحرك عادة في فراغ عن حليفتها الكبرى الولايات المتحدة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والشرق الأوسط.
لكن واشنطن لم تدخل في مواجهة مع لندن بسبب هذه الإجراءات.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت تؤيد العقوبات البريطانية، ولا أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي انهار. الأمر أبسط من ذلك بكثير: العقوبات الحالية محدودة إلى درجة لا تستحق، من وجهة نظر واشنطن، خوض معركة مع بريطانيا بسببها.
وهذه نقطة مهمة.
فالولايات المتحدة تستطيع أن تعارض خطوة بريطانية إذا رأت أنها تهدد مصالحها أو تضرب إسرائيل بصورة خطيرة. أما إذا كانت الخطوة في النهاية رسالة سياسية أوروبية ذات أثر اقتصادي محدود، فقد يكون السماح بها أقل تكلفة من الدخول في خلاف جديد مع الحلفاء الأوروبيين.
بعبارة أخرى، ربما لم تحصل بريطانيا على «إذن» أمريكي، لكنها اختبرت حدود الاعتراض الأمريكي، ووجدت أن هذه الخطوة لا تستحق مواجهة.
وماذا عن أوروبا؟ هل تغيرت فجأة؟
لا حاجة إلى افتراض صحوة أخلاقية جماعية.
الدول لا تعمل بهذه الطريقة.
ليس هناك يوم استيقظت فيه الحكومات الأوروبية واكتشفت فجأة معاناة الفلسطينيين، كما لم تستيقظ في يوم سابق لتكتشف فجأة أن إسرائيل حليف استراتيجي.
السياسة الخارجية هي في النهاية حساب مصالح وتكاليف وضغوط.
ما تغير هو أن تكلفة الموقف الغربي التقليدي بدأت ترتفع داخل أوروبا نفسها.
أصبح من الأصعب على حكومة أوروبية أن تقول لجمهورها إنها تدعم القانون الدولي وحقوق الإنسان، ثم تكتفي بمراقبة الأحداث من بعيد دون اتخاذ أي إجراء.
لكن اتخاذ إجراءات قاسية جدًا قد يكون مكلفًا بدوره.
لذلك تظهر منطقة وسطى: عقوبات محدودة، بيانات أقوى، اعترافات سياسية، قيود على بعض الأنشطة، ثم انتظار ما إذا كان الضغط سيتصاعد أم يتوقف هنا.
وهذا يفسر لماذا تبدو الإجراءات الأوروبية أحيانًا وكأنها تقول شيئًا وتفعل شيئًا آخر.
العرب ليسوا الجمهور المستهدف
قد يبدو طبيعيًا أن تكون هذه الإجراءات رسالة إلى الدول العربية أيضًا، لكن ذلك ليس التفسير الأقوى.
الدول العربية تملك مصالحها وحساباتها، وبعضها يستطيع التأثير في ملفات مهمة بالنسبة للغرب، ولذلك من الخطأ اعتبارها مجرد متلقٍ سلبي لكل السياسات الغربية.
لكن في هذه الحالة تحديدًا، لا يبدو أن بريطانيا فرضت العقوبات لإرضاء الحكومات العربية.
فالرسالة الأساسية موجهة إلى الداخل الأوروبي، وإلى إسرائيل، وإلى بقية الحلفاء الغربيين.
أما العالم العربي، فسيستقبل القرار ويرحب به أو ينتقده، لكن القرار نفسه لم يُصمم أساسًا من أجله.
والسبب بسيط: الدول الكبرى لا تحتاج إلى إرسال إشارات غامضة عندما تريد تغيير سلوك طرف تعتمد عليه أو تخشى منه. لديها أدوات مباشرة للضغط والمكافأة والعقاب.
أما عندما تكون الخطوة محدودة، فإن جزءًا كبيرًا من قيمتها يصبح في إعلانها أمام الجمهور.
الاختبار الحقيقي لم يأت بعد
لهذا من المبكر جدًا القول إن أوروبا بدأت «تعاقب إسرائيل».
الأدق أنها بدأت تفرض تكلفة رمزية ومحدودة على بعض السياسات الإسرائيلية.
والاختبار الحقيقي سيكون في الخطوة التالية.
ماذا سيحدث إذا استمر التوسع الاستيطاني؟
هل ستنتقل العقوبات إلى الشركات؟
هل ستصل إلى البنوك والمؤسسات المالية؟
هل ستستهدف الاستثمارات؟
هل ستفرض دول أوروبية أخرى إجراءات مماثلة؟
وهل ستظل واشنطن غير مهتمة؟
عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كان القرار بداية لمسار جديد، أم مجرد محطة أخرى في سلسلة طويلة من البيانات والإجراءات المحدودة.
لأن العقوبة التي لا تغير حسابات الطرف المستهدف قد تكون مفيدة في السياسة الداخلية، لكنها لا تصبح أداة ضغط حقيقية إلا عندما تجعل الطرف الآخر يعيد حساباته.
لقد تقدمنا خطوة عن «نشجب ونستنكر»
ربما تكون أفضل طريقة لفهم القرار البريطاني هي ألا نسخر منه باعتباره بلا قيمة، وألا نبالغ فيه باعتباره تحولًا تاريخيًا.
إنه شيء بين الاثنين.
لقد تجاوزنا مرحلة «نشجب ونستنكر»، لكننا لم نصل بعد إلى مرحلة «سنفرض عليك تكلفة حقيقية حتى تغير سلوكك».
وصلنا إلى مرحلة جديدة يمكن تلخيصها بعبارة أكثر صراحة:
«نحن لا نرتاح لما يحدث.»
والمشكلة الوحيدة أن إسرائيل قد ترد بسؤال منطقي جدًا:
وماذا بعد عدم ارتياحكم؟
هنا تحديدًا يبدأ الفرق بين العقوبة التي تصنع السياسة، والعقوبة التي تصنع الخبر.