
ربع قرن لم يغيّر يومًا واحدًا فقط.. بل غيّر العالم الذي جاء بعده
في 11 سبتمبر 2001 وقعت هجمات غيرت مسار التاريخ المعاصر. لكن أهمية ذلك اليوم لا تكمن فقط في عدد الضحايا أو انهيار برجي مركز التجارة العالمي أو الهجوم على مبنى البنتاغون، ولا حتى في الطريقة التي نُفذت بها الهجمات. الأهم هو ما حدث بعدها.
بعد ربع قرن، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا حدث في 11 سبتمبر؟ فقد أصبحت تفاصيل ذلك اليوم معروفة وموثقة إلى حد كبير. السؤال الأهم هو: ماذا فعل العالم بعد 11 سبتمبر؟
فالحوادث الكبرى لا تقاس دائمًا بما يحدث في يوم وقوعها، وإنما بما تطلقه من قرارات وحروب وتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية تستمر سنوات أو عقودًا.
في 11 سبتمبر 2001 كانت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة تقريبًا في العالم، وكانت الحرب الباردة قد انتهت قبل عقد، وكانت واشنطن تتمتع بهامش هائل من التفوق العسكري والسياسي. وبعد الهجمات دخل العالم مرحلة جديدة حملت عنوان «الحرب على الإرهاب»، لكنها سرعان ما أصبحت إطارًا واسعًا أعاد تعريف الأمن والحرب والسيادة والخصوصية والعلاقات الدولية.
وبعد 25 عامًا، يمكن القول إن آثار 11 سبتمبر تجاوزت بكثير حدود مكافحة تنظيم القاعدة.
من مطاردة جماعة إلى حرب عالمية
كان الرد الأول مفهومًا في سياقه: الولايات المتحدة أرادت ملاحقة تنظيم القاعدة الذي نفذ الهجمات، وإسقاط نظام طالبان الذي كان يوفر له ملاذًا في أفغانستان.
لكن ما بدأ كعملية عسكرية محددة تحول تدريجيًا إلى مشروع أوسع بكثير.
أصبحت «الحرب على الإرهاب» مفهومًا عالميًا يمكن أن يمتد من أفغانستان إلى العراق، ومن العمليات العسكرية المباشرة إلى الضربات الجوية والطائرات المسيرة والعمليات الخاصة، ومن ملاحقة الأشخاص إلى مراقبة الأموال والاتصالات والحدود وحركة السفر.
وهنا حدث تحول مهم في طبيعة الحرب نفسها.
فالحرب لم تعد بالضرورة إعلانًا رسميًا بين دولتين وجيشين واضحين. أصبح بالإمكان أن تكون الدولة في حرب مع تنظيم غير دولتي، وأن تنفذ عمليات عسكرية في أراضي دولة أخرى بحجة ملاحقة أفراد مرتبطين بالإرهاب.
وهكذا اتسع تعريف «ساحة المعركة» حتى أصبحت تمتد عبر الحدود.
أفغانستان.. الحرب الأطول
كانت أفغانستان أول ميدان رئيسي لهذه الحرب، لكنها أصبحت أيضًا أحد أكثر رموز حدود القوة العسكرية وضوحًا.
استطاعت الولايات المتحدة وحلفاؤها إسقاط حكم طالبان بسرعة، لكن إسقاط نظام سياسي شيء، وبناء نظام مستقر شيء آخر تمامًا.
استمرت الحرب سنوات طويلة، وتغيرت الحكومات والقوات والاستراتيجيات، وأنفقت موارد ضخمة، وسقط عدد كبير من الضحايا، بينما بقيت المشكلة الأساسية دون حل نهائي.
وفي النهاية عادت طالبان إلى السلطة بعد انسحاب القوات الأمريكية في 2021.
لم يكن ذلك مجرد حدث عسكري، بل كان درسًا سياسيًا كبيرًا: يمكن للقوة العظمى أن تنتصر في المعركة الأولى، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تفرض النتيجة السياسية التي تريدها إلى الأبد.
وهذه واحدة من أهم نتائج ربع قرن من «الحرب على الإرهاب».
العراق.. الحرب التي وسعت آثار 11 سبتمبر
إذا كانت أفغانستان مرتبطة مباشرة بهجمات 11 سبتمبر، فإن العراق يمثل واحدة من أكثر نتائج المرحلة إثارة للجدل.
في 2003 غزت الولايات المتحدة العراق وأسقطت نظام صدام حسين، رغم أن العلاقة بين النظام العراقي وهجمات 11 سبتمبر لم تكن مثبتة بالشكل الذي بُنيت عليه الحرب في الوعي العام.
لكن إسقاط النظام لم يكن نهاية القصة.
تفككت مؤسسات الدولة، وتصاعد العنف الطائفي، وظهرت جماعات مسلحة جديدة، وأصبح العراق أحد أهم ميادين الصراع الإقليمي.
ومن البيئة التي نشأت بعد الغزو والحرب ظهر تنظيم «الدولة الإسلامية» لاحقًا بصورة أكثر قوة واتساعًا.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات المرحلة قسوة: الحرب التي شُنت تحت عنوان مكافحة الإرهاب ساهمت، عبر نتائجها السياسية والأمنية غير المقصودة، في خلق بيئة ساعدت جماعات إرهابية جديدة على النمو.
وهذا لا يعني أن 11 سبتمبر تسبب وحده في كل ما حدث لاحقًا، ولا أن غزو العراق كان العامل الوحيد في صعود تنظيم الدولة، لكنه كان أحد التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل البيئة التي نشأت فيها تلك الجماعات.
الشرق الأوسط بعد 11 سبتمبر لم يعد هو نفسه
لم تبق آثار تلك المرحلة داخل أفغانستان والعراق.
تغيرت موازين القوى في الشرق الأوسط بصورة عميقة.
أدى سقوط نظام صدام حسين إلى إزالة أحد أهم مراكز القوة العربية التي كانت تقف في مواجهة إيران، فازداد الوزن الإقليمي الإيراني بصورة كبيرة.
ثم جاءت الحروب والانقسامات الداخلية في عدد من الدول العربية، وتداخلت معها الصراعات الإقليمية والدولية، لتنشأ خريطة جديدة من التحالفات والجماعات المسلحة ومناطق النفوذ.
وبذلك أصبحت نتائج 11 سبتمبر جزءًا من سلسلة تاريخية أكبر بكثير من الهجمات نفسها.
فقد سقطت أنظمة، وصعدت قوى، وضعفت دول، وظهرت جماعات مسلحة، وتغيرت أولويات القوى الكبرى.
ومن الصعب فهم الشرق الأوسط في العقود التالية من دون فهم البيئة التي تشكلت بعد 2001.
الدولة الأمنية تتوسع
لكن التغيير لم يكن عسكريًا فقط.
كان أحد أكثر التحولات عمقًا هو انتقال العالم إلى عصر أمني جديد.
قبل 11 سبتمبر كان تفتيش المسافر في المطارات أكثر بساطة، وكانت مراقبة الاتصالات وجمع البيانات على هذا المستوى الواسع أقل حضورًا في الحياة اليومية، وكانت الحدود بين الأمن والخصوصية أكثر وضوحًا.
بعد الهجمات تغيرت المعادلة.
أصبحت مكافحة الإرهاب مبررًا لتوسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات والأمن، وزادت عمليات جمع المعلومات ومراقبة الاتصالات وحركة الأموال والسفر.
ثم جاءت الثورة الرقمية لتجعل الأمر أكثر اتساعًا.
أصبح الهاتف الذكي، والبريد الإلكتروني، ومواقع الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، وأنظمة التعرف والمعلومات الضخمة، كلها مصادر محتملة للبيانات.
وهنا نشأت معادلة جديدة:
كلما زادت قدرة الدولة على مراقبة مواطنيها، زادت قدرتها على اكتشاف الأخطار، لكنها في الوقت نفسه زادت قدرتها على معرفة حياة مواطنيها.
وهذا السؤال لم يُحسم حتى اليوم: أين ينتهي الأمن وتبدأ الخصوصية؟
المطارات.. المكان الذي يذكّرنا كل يوم
قد يكون من السهل نسيان الكثير من التحولات السياسية بعد 25 عامًا، لكن آثار 11 سبتمبر ما زالت تظهر في أكثر الأماكن اعتيادية.
المطارات مثال واضح.
إجراءات التفتيش، القيود على السوائل والأمتعة، التدقيق في الهويات، أنظمة السفر، قواعد أمن الطيران، وزيادة مستويات التفتيش أصبحت جزءًا طبيعيًا من تجربة السفر.
الجيل الذي وُلد بعد 11 سبتمبر قد ينظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها شيئًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تفسير.
وهذه إحدى خصائص الأحداث التاريخية الكبرى: أن الإجراءات التي كانت استثنائية في لحظة معينة تتحول مع مرور الوقت إلى أمر عادي لا يتساءل الناس عن أصله.
المسلم والعربي في الغرب
كان لمرحلة ما بعد 11 سبتمبر أثر اجتماعي وثقافي كبير أيضًا.
لم يكن الإسلام هو الإرهاب، ولم يكن المسلمون كتلة واحدة، كما أن معظم المسلمين حول العالم لم تكن لهم علاقة بالإرهاب.
لكن الربط الإعلامي والسياسي المتكرر بين الإرهاب والإسلام ترك آثارًا حقيقية على صورة المسلمين والعرب في أجزاء من المجتمعات الغربية.
ازدادت المخاوف من الإسلام، وتصاعدت ظواهر الإسلاموفوبيا، وأصبح المسلم في بعض السياقات مطالبًا بصورة مستمرة بإثبات أنه ليس جزءًا من المشكلة.
وهنا ظهرت مفارقة مؤلمة: جماعات متطرفة صغيرة استطاعت أن تؤثر في صورة مئات الملايين من البشر الذين لا علاقة لهم بها.
لكن الصورة لم تبق ثابتة.
مع مرور الوقت، ومع احتكاك المجتمعات ببعضها، وتغير الأجيال، وظهور أصوات مسلمة وعربية أكثر حضورًا في الإعلام والسياسة والثقافة، تراجعت بعض الصور النمطية في مجتمعات كثيرة، وإن لم تختفِ.
الحرب أصبحت أقل وضوحًا
من النتائج الأخرى أن مفهوم الحرب نفسه تغير.
لم تعد القوة العسكرية تعتمد فقط على الدبابات والطائرات والجيوش الضخمة.
ظهرت الطائرات المسيرة كأداة رئيسية في مكافحة الجماعات المسلحة، وأصبحت عمليات القوات الخاصة والاغتيالات المحددة وجمع المعلومات الاستخباراتية جزءًا أساسيًا من الحروب الحديثة.
ثم توسعت المواجهة إلى الفضاء الإلكتروني.
أصبح من الممكن مهاجمة بنية تحتية أو مؤسسة أو شبكة اتصالات دون عبور الحدود بجندي واحد.
وبذلك أصبحت الحرب الحديثة أكثر انتشارًا وأقل وضوحًا في الوقت نفسه.
قد لا يرى المواطن حربًا أمام منزله، لكنه قد يتأثر بعقوبات اقتصادية أو هجوم إلكتروني أو عملية استخباراتية أو حملة تضليل معلوماتي.
ومن الحرب على الإرهاب إلى عصر المراقبة الرقمية
ربما لم يكن مخططًا أن تقود 11 سبتمبر العالم إلى هذه المرحلة الرقمية، لكن الأحداث دفعت الدول إلى الاستثمار بصورة ضخمة في قدرات الاستخبارات والأمن.
ثم جاءت شركات التكنولوجيا لتضيف طبقة أخرى.
أصبحت الشركات نفسها تمتلك كميات هائلة من البيانات عن الأفراد: مواقعهم، اهتماماتهم، علاقاتهم، مشترياتهم، عمليات بحثهم، وأنماط استخدامهم.
وهكذا لم تعد الدولة وحدها قادرة على معرفة الكثير عن الفرد.
أصبح القطاع الخاص قادرًا أيضًا على ذلك.
وهذا جعل النقاش حول الخصوصية أكبر بكثير من مجرد مكافحة الإرهاب. فقد انتقل السؤال من: «هل يجوز للدولة مراقبة شخص مشتبه به؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من يملك بيانات الإنسان أصلًا؟ ومن يستطيع استخدامها؟
الولايات المتحدة.. من ذروة القوة إلى بداية التراجع النسبي
ربما تكون هذه إحدى أهم النتائج الجيوسياسية التي تستحق التأمل.
في 2001 كانت الولايات المتحدة في موقع قوة استثنائي.
كان الاتحاد السوفيتي قد انهار، ولم تكن الصين قد أصبحت القوة الاقتصادية والتكنولوجية التي نعرفها اليوم، وكانت واشنطن قادرة على التحرك عسكريًا في مناطق واسعة من العالم مع قدرة محدودة على مواجهتها من قوة منافسة مماثلة.
بعد 25 عامًا تبدلت الصورة.
الصين أصبحت منافسًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا رئيسيًا، وروسيا عادت إلى المواجهة الجيوسياسية مع الغرب، وظهرت قوى إقليمية أكثر استقلالًا، وأصبح العالم أكثر تعددًا في مراكز القوة.
لا يصح القول إن 11 سبتمبر «سبب» صعود الصين أو تراجع الهيمنة الأمريكية؛ فهذه تحولات لها أسباب اقتصادية وديموغرافية وتكنولوجية واستراتيجية عميقة.
لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة أمضت جزءًا ضخمًا من ربع القرن التالي في حروب طويلة ومكلفة، بينما كانت الصين تركز على النمو الاقتصادي والتصنيع والتجارة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
وهنا تظهر مفارقة تاريخية مثيرة:
بينما كانت واشنطن تطارد الإرهاب في جبال آسيا وصحارى الشرق الأوسط، كانت بكين تبني قوتها في المصانع والموانئ والأسواق وسلاسل الإمداد.
هل انتصر الإرهاب؟
إذا كان الهدف من الهجمات إحداث تغيير هائل في السياسة الدولية، فقد نجحت الهجمات في تحقيق تأثير يفوق بكثير حجم التنظيم الذي نفذها.
لكن هذا لا يعني أن تنظيم القاعدة حقق كل أهدافه.
فالتنظيم تعرض لضربات شديدة، وقُتل معظم قياداته، وتراجعت قدرته مقارنة بما كان عليه في بداية القرن.
لكن المشكلة تحولت بدلًا من أن تختفي.
ظهرت جماعات أخرى، وانتقلت أفكار العنف الجهادي إلى مناطق جديدة، واستُخدمت البيئة الفوضوية في العراق وسوريا واليمن وليبيا وأجزاء من أفريقيا لإعادة إنتاج جماعات مسلحة بأشكال مختلفة.
وبالتالي لم تكن النتيجة ببساطة «انتصار الإرهاب» أو «هزيمة الإرهاب».
الأدق أن العالم دخل في حرب مفتوحة وطويلة ضد ظاهرة تتغير باستمرار.
ومن كان المستفيد؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى إجابة نظرية واحدة.
فبعض الدول استفادت من توسع الإنفاق العسكري والأمني.
وشركات الصناعات الدفاعية والأمنية استفادت من عقود ضخمة.
وأجهزة الاستخبارات حصلت على صلاحيات وموارد لم تكن تمتلكها قبل 2001.
وبعض القوى الإقليمية استفادت من سقوط خصومها أو تغير موازين القوى.
والقوى المنافسة للولايات المتحدة استفادت أحيانًا من انشغال واشنطن في حروب بعيدة ومكلفة.
لكن من الخطأ تحويل ذلك إلى نظرية تقول إن المستفيد هو بالضرورة من خطط للحادثة أو صنعها. الاستفادة من نتائج حدث لا تعني التخطيط له.
هذه نقطة مهمة لأن قراءة التاريخ من خلال «من المستفيد؟» مفيدة أحيانًا، لكنها تصبح مضللة إذا تحولت إلى دليل بحد ذاته.
العالم لم يصبح أكثر أمنًا بالضرورة
بعد ربع قرن، يمكن النظر إلى النتيجة من زاوية أكثر صعوبة.
هل أصبح العالم أكثر أمنًا؟
من ناحية معينة، نعم. فقد تطورت إجراءات أمن الطيران، وأصبحت أجهزة مكافحة الإرهاب أكثر قدرة على تعقب الشبكات، وتم تفكيك الكثير من الخلايا، وتراجع خطر تكرار هجوم بالحجم نفسه في الأراضي الأمريكية.
لكن من ناحية أخرى، لم تختفِ الحروب.
بل شهد العالم بعد 2001 حروبًا واحتلالات وانهيارات دول وصراعات أهلية وصعود جماعات مسلحة جديدة.
ولهذا فإن تقييم مرحلة ما بعد 11 سبتمبر يتوقف على معنى «الأمن» الذي نستخدمه.
إذا كان الأمن يعني منع هجوم إرهابي كبير على الأراضي الأمريكية، فهناك نجاحات واضحة.
أما إذا كان يعني بناء عالم أكثر استقرارًا وأقل عنفًا، فإن الصورة أكثر تعقيدًا بكثير.
الخطأ في اختزال ربع قرن في حادثة واحدة
ومع ذلك، يجب الحذر من تحميل 11 سبتمبر كل شيء.
لم تكن الهجمات وحدها سبب الحروب التي تلتها، ولا سبب صعود الصين، ولا سبب الأزمات الاقتصادية، ولا سبب الاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط.
التاريخ لا يعمل بهذه البساطة.
لكن بعض الأحداث تمتلك قدرة استثنائية على تسريع اتجاهات موجودة أصلًا وفتح أبواب كانت مغلقة.
وهذا هو الدور الذي لعبته 11 سبتمبر على الأرجح.
لقد كانت صدمة هائلة، واستُخدمت الصدمة لإعادة تعريف الأولويات، واتخاذ قرارات كان تنفيذ بعضها أصعب بكثير في الظروف العادية.
ولهذا فإن تأثير الحدث أكبر من الحدث نفسه.
بعد ربع قرن.. ماذا بقي؟
في 11 سبتمبر 2001 كان العالم يدخل القرن الحادي والعشرين بثقة كبيرة في أن عصر الحروب الكبرى قد انتهى، وأن العولمة ستجعل الدول أكثر ترابطًا، وأن التكنولوجيا ستقود إلى عالم أكثر انفتاحًا.
ثم جاءت الهجمات لتفتح الباب لعصر مختلف.
عصر الحرب على الإرهاب.
ثم عصر المراقبة الرقمية.
ثم عصر الحروب غير التقليدية.
ثم عودة المنافسة بين القوى الكبرى.
ثم صعود الصين.
ثم عودة روسيا إلى المواجهة.
ثم تراجع الثقة في النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة.
وبعد 25 عامًا، لم يعد العالم هو العالم الذي كان في ذلك الصباح.
لكن المفارقة الأكبر أن الولايات المتحدة نفسها لم تخرج من هذه المرحلة كما دخلتها.
دخلتها كقوة عظمى منفردة تستطيع تحديد جدول الأعمال العالمي تقريبًا، وتخرج منها إلى عالم أكثر تعقيدًا، تتعدد فيه مراكز القوة، وتواجه فيه واشنطن منافسين أكثر قدرة على تحديها.
ولذلك ربما تكون أعظم نتيجة غير مباشرة لـ11 سبتمبر ليست ما حدث للقاعدة، ولا حتى ما حدث في أفغانستان والعراق.
بل أنها كانت بداية ربع قرن من إعادة ترتيب العالم.
لم تصنع 11 سبتمبر وحدها هذا العالم الجديد، لكنها كانت الشرارة التي أطلقت سلسلة طويلة من القرارات والأحداث.
وبعد ربع قرن، تبدو الصورة أكثر وضوحًا:
لم يتغير العالم في 11 سبتمبر فقط.
العالم تغيّر بسبب كل ما فعله البشر بعد 11 سبتمبر.
وهنا تكمن أهمية الذكرى الخامسة والعشرين.
فالتاريخ لا يصنعه الحدث وحده، وإنما تصنعه أيضًا الطريقة التي تختار بها الدول والمجتمعات أن تستجيب له.
وربما يكون السؤال الذي سيبقى مفتوحًا لعقود أخرى هو:
لو كان العالم قد اختار استجابة مختلفة بعد 11 سبتمبر، هل كان عالم 2026 سيبدو مختلفًا جذريًا؟
لا يمكننا معرفة الإجابة.
لكننا نعرف شيئًا واحدًا: ربع قرن كان كافيًا لتحويل يوم واحد إلى مرحلة تاريخية كاملة.