كيف تحولت جزيرة صغيرة إلى إحدى أهم ركائز القوة العسكرية الأمريكية بين الشرق الأوسط وآسيا
إذا كانت قصة دييغو غارسيا الأولى هي قصة السكان الذين أُخرجوا من الجزيرة، فإن القصة الثانية هي قصة القوة التي جاءت بعدهم. فبعد أن أُفرغت الجزيرة من سكانها المدنيين، لم تتحول إلى قاعدة عسكرية عادية، وإنما أصبحت تدريجيًا إحدى أهم نقاط الارتكاز للقوة الأمريكية في المحيط الهندي، ومنها تستطيع الولايات المتحدة دعم عمليات عسكرية ولوجستية تمتد عبر مساحات واسعة من الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أفريقيا.
ولهذا فإن فهم أهمية دييغو غارسيا يتطلب تجاوز صورة القاعدة العسكرية ذاتها والنظر إلى موقعها داخل شبكة القوة الأمريكية العالمية. فالجزيرة ليست مهمة بسبب حجمها أو مواردها، وإنما لأن موقعها يمنح القوة التي تستخدمها قدرة على الوصول إلى عدة مسارح استراتيجية من نقطة واحدة، مع درجة كبيرة من العزلة عن الضغوط السياسية التي تواجهها القواعد الموجودة داخل الدول المأهولة.
جزيرة صغيرة في موقع استثنائي
للوهلة الأولى تبدو دييغو غارسيا بعيدة عن معظم مراكز القوة والصراع في العالم، لكن هذه المسافة هي في الحقيقة أحد أهم عناصر قيمتها العسكرية. فالجزيرة تقع في أرخبيل تشاغوس وسط المحيط الهندي تقريبًا، وعلى مسافات استراتيجية من مناطق مثل الخليج وجنوب آسيا وطرق الملاحة المؤدية إلى جنوب شرق آسيا. وتشير دراسات استراتيجية إلى أن موقعها يضعها ضمن نطاقات بحرية تصل بين الشرق الأوسط وآسيا، بما في ذلك الطرق المؤدية إلى مضيقي باب المندب وملقا.
وهنا تظهر إحدى القواعد الأساسية في الجغرافيا السياسية: أهمية الموقع لا تتحدد بقربه من المدن، وإنما بما يسمح بالوصول إليه أو منه. فدييغو غارسيا ليست في الخليج، لكنها تقع ضمن المجال الذي يمكن من خلاله دعم العمليات المتجهة إليه، وليست في جنوب شرق آسيا، لكنها تقع على محور بحري يربط المحيط الهندي بالطرق التجارية الآسيوية. كما أنها بعيدة بما يكفي عن معظم مراكز النزاع لتوفر عمقًا استراتيجيًا، وقريبة بما يكفي من عدة مناطق حيوية لتكون منصة عسكرية فعالة.
قاعدة واحدة تخدم عدة مسارح
بدأ الاهتمام الأمريكي بدييغو غارسيا في سياق الحرب الباردة، عندما كانت الولايات المتحدة تبحث عن مواقع عسكرية بعيدة تستطيع من خلالها مراقبة المحيط الهندي والحفاظ على القدرة على التحرك في مناطق لا توجد فيها شبكة واسعة من القواعد الأمريكية.
ومع مرور الوقت، تجاوزت وظيفة الجزيرة إطار الحرب الباردة نفسها. فقد أصبحت منشآتها جزءًا من البنية اللوجستية للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا، واستخدمت في دعم عمليات عسكرية كبرى خلال حربي الخليج والعراق، وكذلك الحرب في أفغانستان، كما أصبحت قادرة على خدمة الطائرات والسفن التي تعمل لمسافات بعيدة جدًا عن الأراضي الأمريكية.
هذه الخاصية هي التي تميزها عن كثير من القواعد الأخرى. فقاعدة تقع داخل دولة حليفة تكون مرتبطة إلى حد ما بالسياسة الداخلية لتلك الدولة، ويمكن أن تتأثر بتغير الحكومات أو الاحتجاجات الشعبية أو الحروب القريبة منها. أما دييغو غارسيا فتمنح الولايات المتحدة مساحة عسكرية بعيدة عن المدن والسكان، يمكن استخدامها بحسب تغير أولويات واشنطن من دون الحاجة إلى إعادة بناء وجود عسكري كامل في كل مرة ينتقل فيها مركز الاهتمام من منطقة إلى أخرى.
العمق الاستراتيجي أهم من القرب
قد يبدو من الغريب أن تكون قاعدة عسكرية بعيدة عن مناطق العمليات أكثر فائدة من قاعدة قريبة منها، لكن المسألة تتعلق بنوع القوة التي تمتلكها الولايات المتحدة. فواشنطن لا تعتمد على الطائرات قصيرة المدى وحدها، بل تمتلك قاذفات وطائرات نقل ووسائل دعم قادرة على قطع آلاف الكيلومترات، ولذلك تستطيع استخدام قاعدة بعيدة لتخزين المعدات والوقود وإعداد الطائرات ودعم العمليات من دون الحاجة إلى نشر كل عناصر القوة بالقرب من الهدف.
وقد ظهرت هذه القيمة بوضوح خلال العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث أصبحت دييغو غارسيا نقطة انطلاق ودعم للطائرات بعيدة المدى. وفي السنوات الأخيرة عاد اسم الجزيرة إلى الواجهة مع استخدام القاذفات الأمريكية بعيدة المدى في عمليات مرتبطة بالشرق الأوسط واليمن، وهو ما أعاد التذكير بأن القاعدة لا تزال تمتلك وظيفة عسكرية تتجاوز مجرد الدفاع عن الجزيرة نفسها.
وبعبارة أخرى، ليست وظيفة دييغو غارسيا أن تكون خط الجبهة، وإنما أن تكون الخلفية الاستراتيجية التي تسمح للقوة الأمريكية بالوصول إلى خط الجبهة.
لماذا يحتاجها الأمريكيون رغم وجود قواعد أخرى؟
قد يُطرح سؤال منطقي: إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك قواعد في الخليج والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، فما الحاجة إلى قاعدة نائية في المحيط الهندي؟
الجواب أن انتشار القواعد لا يعني أنها متساوية في الوظيفة. القواعد الموجودة في دول أخرى تعتمد على موافقة الحكومات المضيفة، وقد تتعرض لاختبارات سياسية عندما تدخل الولايات المتحدة في حرب لا تحظى بشعبية محلية. كما أن بعض تلك القواعد تقع بالقرب من مناطق التوتر، وبالتالي قد تصبح أهدافًا مباشرة في حالة نشوب صراع واسع.
دييغو غارسيا توفر قدرًا مختلفًا من العمق. فالجزيرة بعيدة، ولا توجد فيها مدينة مدنية كبيرة، ويمكن أن تستوعب بنية تحتية عسكرية ضخمة، كما أن استخدامها لا يعتمد بالطريقة نفسها على العلاقة اليومية مع مجتمع محلي أو حكومة مجاورة.
ولهذا أصبحت الجزيرة بالنسبة إلى واشنطن نوعًا من الاحتياط العسكري المتقدم؛ مكانًا تستطيع الولايات المتحدة أن تخزن فيه قدرًا كبيرًا من القدرات اللوجستية والجوية والبحرية، ثم تستخدمها عندما تحتاج إليها.
المحيط الهندي يتحول إلى ساحة استراتيجية
لكن أهمية دييغو غارسيا لا يمكن تفسيرها بالحروب الأمريكية السابقة وحدها، لأن المحيط الهندي نفسه أصبح أكثر أهمية في القرن الحادي والعشرين.
يمر عبر هذا المحيط جزء كبير من تجارة الطاقة والسلع بين الشرق الأوسط وآسيا، وترتبط به طرق بحرية تصل الخليج بالهند وجنوب شرق آسيا والصين. ولذلك فإن السيطرة الكاملة على المحيط ليست ممكنة لأي قوة منفردة، لكن امتلاك نقاط ارتكاز فيه يمنح القوى الكبرى قدرة أكبر على المراقبة والتحرك وحماية خطوط الإمداد.
وهنا تلتقي أهمية دييغو غارسيا مع صعود الصين. فالصين تعتمد بدرجة كبيرة على طرق بحرية تمر عبر المحيط الهندي لتأمين جزء من احتياجاتها من الطاقة والتجارة، وفي الوقت نفسه تعمل على توسيع علاقاتها الاقتصادية والموانئ والشراكات البحرية في المنطقة.
ومن منظور واشنطن، لم يعد المحيط الهندي مجرد مسرح ثانوي. لقد أصبح جزءًا من التنافس الأوسع على توازن القوة في آسيا.
الصين هي العامل الذي أعاد تعريف قيمة الجزيرة
عندما أنشئت القاعدة كان الاتحاد السوفيتي هو الخصم الذي يشكل الإطار الأكبر للتفكير الأمريكي. أما اليوم فقد تغيرت المعادلة، وأصبحت الصين المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في آسيا.
الصين ليست مجرد قوة اقتصادية، بل قوة بحرية تتوسع قدراتها، كما أن مصالحها التجارية والطاقة تمتد عبر المحيط الهندي وصولًا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. ولذلك فإن أي موقع يمنح الولايات المتحدة قدرة على العمل داخل هذا المجال يكتسب قيمة إضافية مع تصاعد المنافسة الأمريكية الصينية.
وهذا لا يعني أن دييغو غارسيا قاعدة مخصصة لمهاجمة الصين، فهذه صياغة مبالغ فيها. قيمتها الحقيقية أنها تمنح الولايات المتحدة خيارًا استراتيجيًا في منطقة قد تصبح أكثر تنافسًا خلال العقود القادمة.
فالقدرة العسكرية لا تقاس فقط بما تستطيع الدولة فعله اليوم، وإنما أيضًا بالمواقع التي تحتفظ بها تحسبًا لما قد تحتاج إلى فعله غدًا.
الهند تدخل المعادلة
تزداد الصورة تعقيدًا مع وجود الهند، التي تتمتع بموقع جغرافي يجعل المحيط الهندي جزءًا أساسيًا من أمنها القومي.
الهند تريد أن تكون قوة رئيسية في المحيط الذي يحمل اسمها، وفي الوقت نفسه تطورت شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، خصوصًا في مواجهة صعود الصين.
لكن الهند ليست حليفًا أمريكيًا تقليديًا، ولا تريد أن تتحول منطقتها البحرية إلى ساحة نفوذ أمريكي أو صيني مطلق. ولذلك فإن وجود دييغو غارسيا يمثل بالنسبة إلى نيودلهي عنصرًا يجب أخذه في الحساب، حتى عندما تتعاون الهند وواشنطن في ملفات الأمن البحري.
وهكذا أصبحت الجزيرة جزءًا من مثلث استراتيجي غير معلن يضم الولايات المتحدة والصين والهند، إلى جانب مصالح دول الخليج وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا.
من الخليج إلى مضيق ملقا
إذا ابتعدنا قليلًا عن الجزيرة ونظرنا إلى الخريطة بأكملها، تتضح قيمتها أكثر. فهناك محور بحري واقتصادي هائل يمتد من الخليج العربي عبر بحر العرب والمحيط الهندي إلى الهند ثم جنوب شرق آسيا ومضيق ملقا.
هذا المحور يحمل الطاقة القادمة من الخليج إلى الاقتصادات الآسيوية، ويحمل في الاتجاه الآخر البضائع والمنتجات القادمة من أكبر المراكز الصناعية في آسيا.
ومن هنا لا يمكن القول إن دييغو غارسيا «تسيطر» على هذا المحور؛ فهذا سيكون مبالغة جيوسياسية. لكنها تقع في موقع يمنح الولايات المتحدة نقطة ارتكاز داخل هذه المنظومة، وهو أمر مهم إذا تحولت المنافسة الاقتصادية إلى أزمة بحرية أو صراع عسكري.
ولهذا السبب نفسه تهتم الولايات المتحدة بمواقع أخرى في المحيط الهندي، بما في ذلك جزر كوكوس الأسترالية، التي تقع أقرب إلى جنوب شرق آسيا ومضيق ملقا، في إطار التفكير الأمريكي الأوسع في كيفية التعامل مع التوسع الصيني البحري.
لماذا يصعب استبدال دييغو غارسيا؟
قد يبدو الحل بسيطًا: إذا أصبحت الجزيرة مشكلة سياسية وقانونية، فلماذا لا تنقل الولايات المتحدة قاعدتها إلى مكان آخر؟
لكن بناء قاعدة مماثلة ليس مسألة إنشاء مدرج وميناء فقط. تحتاج الولايات المتحدة إلى موقع جغرافي مناسب، ومياه عميقة، ومدرجات قادرة على استقبال الطائرات الثقيلة، ومخازن وقود وذخائر، ومرافق صيانة، وشبكات اتصالات، وبنية لوجستية كاملة، وفوق ذلك كله اتفاق سياسي طويل الأمد يسمح باستخدام المنشأة عسكريًا.
وحتى إذا أمكن بناء منشأة مشابهة من الناحية الهندسية، فإن الجغرافيا نفسها لا يمكن استنساخها.
يمكن بناء مدرج جديد، لكن لا يمكن نقل دييغو غارسيا إلى مكان آخر في المحيط الهندي.
وهذا تحديدًا هو سر قيمتها.
السيادة شيء والاستخدام العسكري شيء آخر
أصبحت هذه الحقيقة واضحة جدًا في الجدل الذي دار حول مستقبل أرخبيل تشاغوس.
ففي 2025 توصلت بريطانيا وموريشيوس إلى ترتيبات بشأن مستقبل الأرخبيل تعترف بسيادة موريشيوس مع الحفاظ على استخدام دييغو غارسيا عسكريًا لفترة طويلة، وهو ما أيدته الولايات المتحدة باعتباره ضمانًا لاستمرار عمل القاعدة.
وهذه المعادلة تكشف فرقًا مهمًا بين السيادة القانونية والقدرة الاستراتيجية.
قد تتغير الدولة صاحبة السيادة على الأرض، بينما تستمر المنشآت العسكرية نفسها، وقد يبقى الاستخدام العسكري قائمًا بموجب اتفاق جديد. لذلك فإن السؤال الحقيقي بالنسبة إلى واشنطن ليس فقط: من يملك الأرخبيل؟ وإنما أيضًا: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على حرية تشغيل القاعدة؟
وهذا هو السبب في أن مستقبل دييغو غارسيا تحول إلى قضية استراتيجية تتجاوز النزاع الاستعماري الأصلي.
القاعدة التي أصبحت هدفًا
لكن الميزة التي صنعتها عزلة الجزيرة بدأت تحمل معها نقطة ضعف جديدة. فكلما ازدادت أهمية القاعدة، أصبح موقعها معروفًا للخصوم وأصبحت قدرتها على دعم العمليات سببًا يجعلها هدفًا محتملًا في أي مواجهة واسعة.
وقد ظهرت هذه الحقيقة بوضوح في 2026 عندما تعرضت دييغو غارسيا لمحاولة استهداف إيرانية بالصواريخ، في تطور أكد أن البعد الجغرافي لم يعد يوفر للقاعدة الحصانة التي كانت تتمتع بها في السابق. ولم تؤد المحاولة إلى إصابة القاعدة بحسب التقارير.
وهذا تحول مهم في طبيعة الحرب الحديثة؛ فالقواعد البعيدة التي كانت تعتمد على عزلتها الجغرافية أصبحت تواجه صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة وتقنيات استطلاع تجعل المسافة أقل قدرة على توفير الحماية.
ومع ذلك، فإن تعرض القاعدة للخطر لا يقلل بالضرورة من قيمتها. بل قد يعني العكس: الخصم يحاول استهداف المكان لأنه يدرك قيمته في منظومة القوة المقابلة.
ليست القاعدة كلها
ومع كل ذلك، من الخطأ تحويل دييغو غارسيا إلى نوع من «المفتاح السحري» للقوة الأمريكية في المحيط الهندي.
فالولايات المتحدة لا تسيطر على المنطقة بسبب هذه الجزيرة وحدها، ولا تستطيع من خلالها التحكم في المحيط الهندي أو منع الصين من الحركة. قوتها الحقيقية تأتي من شبكة أكبر تشمل الأساطيل والقواعد والحلفاء والطائرات والغواصات والاستخبارات والأقمار الصناعية.
لكن أهمية دييغو غارسيا أنها واحدة من العقد التي تجعل هذه الشبكة أكثر مرونة.
فإذا كانت القوة العالمية شبكة من النقاط والممرات، فإن بعض النقاط تكون أهم من غيرها، ليس لأنها تستطيع القيام بكل شيء بمفردها، وإنما لأن فقدانها يجعل بقية الشبكة أقل كفاءة.
من الحرب الباردة إلى صراع القرن الحادي والعشرين
يمكن تلخيص التحول التاريخي في وظيفة دييغو غارسيا بثلاث مراحل.
في المرحلة الأولى كانت الجزيرة جزءًا من استراتيجية الحرب الباردة ومراقبة المحيط الهندي.
وفي المرحلة الثانية أصبحت منصة لدعم العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا بعد نهاية الحرب الباردة.
أما المرحلة الثالثة، وهي المرحلة الحالية، فتتعلق بالمنافسة على توزيع القوة في آسيا والمحيط الهندي، خصوصًا مع صعود الصين وتزايد أهمية طرق التجارة والطاقة.
وهذا يفسر لماذا لم تفقد الجزيرة أهميتها رغم تغير العالم مرات عديدة منذ إنشاء القاعدة. فالحروب تتغير، والخصوم يتغيرون، والتحالفات تتغير، لكن الموقع الجغرافي لا يتحرك.
الخلاصة: قيمة الجزيرة في موقعها لا في مساحتها
تكشف دييغو غارسيا جانبًا أساسيًا من الجغرافيا السياسية للقوة الكبرى. فبعض المواقع الصغيرة يمكن أن تكون قيمتها الاستراتيجية أكبر بكثير من مساحتها أو عدد سكانها أو مواردها، لأن موقعها يمنح الدولة التي تستخدمها قدرة على الوصول إلى مناطق واسعة والتعامل مع أزمات متعددة من نقطة واحدة.
وهذا ما جعل دييغو غارسيا تتحول من جزيرة صغيرة في أرخبيل بعيد إلى منصة عسكرية تخدم المصالح الأمريكية من الشرق الأوسط إلى المحيط الهندي وجنوب آسيا، ثم أصبحت مع صعود الصين جزءًا من حسابات التنافس على مستقبل آسيا نفسها.
لكن المفارقة التاريخية لا يمكن فصلها عن هذه الجغرافيا. فالقاعدة التي أصبحت اليوم جزءًا من شبكة القوة الأمريكية لم تُبن فوق أرض خالية، وإنما فوق جزيرة كان يعيش فيها مجتمع كامل جرى اقتلاعه منها.
ومن هنا تكتمل الصورة التي بدأت بها قصة دييغو غارسيا: في البداية كان السؤال كيف يمكن إخلاء الجزيرة، ثم أصبح السؤال لماذا كانت الجزيرة تستحق الإخلاء أصلًا.
والإجابة تكمن في الجغرافيا.
فدييغو غارسيا لا تسيطر على المحيط الهندي، ولا تمنح الولايات المتحدة وحدها تفوقًا عالميًا، لكنها توفر لها شيئًا شديد الأهمية: موطئ قدم عسكري ثابت في قلب مساحة بحرية تصل بين أهم مناطق الطاقة والتجارة والصراع في العالم.
ولهذا ستظل الجزيرة مهمة ما دام المحيط الهندي مهمًا، وما دامت طرق الطاقة والتجارة تمر عبره، وما دام التنافس بين الولايات المتحدة والصين والهند يعيد تشكيل ميزان القوة في آسيا.
وفي النهاية، ربما يكون أهم ما تكشفه دييغو غارسيا أن القوة العالمية لا تقوم فقط على حجم الدول وجيوشها، وإنما كذلك على قدرتها على امتلاك نقاط الارتكاز التي تجعل تلك القوة قابلة للحركة عبر العالم.