دييغو غارسيا: الجزيرة التي طُرد سكانها من أجل قاعدة عسكرية

حين تحولت جزيرة مأهولة في قلب المحيط الهندي إلى قاعدة عسكرية، كان أول ما يجب التخلص منه هو سكانها

في المحيط الهندي توجد جزيرة قد تبدو على الخريطة مجرد نقطة صغيرة وسط مساحة هائلة من المياه، لكنها تمتلك قيمة استراتيجية تفوق حجمها بكثير. إنها دييغو غارسيا، أكبر جزر أرخبيل تشاغوس، والتي تحولت خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى واحدة من أهم القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية في العالم.

لكن وراء المدارج العسكرية والسفن الحربية والطائرات بعيدة المدى قصة أخرى أقل شهرة بكثير: كانت الجزيرة مأهولة بمجتمع بشري عاش فيها لأجيال، ثم أُخرج سكانها منها تدريجيًا حتى أصبحت الجزيرة خالية من سكانها المدنيين تقريبًا، وأُعيد تشكيلها لتخدم وظيفة عسكرية لا علاقة لها بحياة أولئك الذين كانوا يعيشون فيها.

وهكذا فإن قصة دييغو غارسيا ليست قصة قاعدة عسكرية فحسب، وإنما قصة أرض أصبحت قيمتها الاستراتيجية في نظر القوى الكبرى أهم من حق سكانها في البقاء فيها.

جزيرة صغيرة في موقع استثنائي

تقع دييغو غارسيا في أرخبيل تشاغوس، في وسط المحيط الهندي تقريبًا، بعيدًا عن السواحل الرئيسية للدول الآسيوية والأفريقية. وهذه الجغرافيا هي التي صنعت أهميتها.

فالجزيرة تقع في موقع يسمح للقوة التي تسيطر عليها بالوصول إلى مساحات واسعة من المحيط الهندي والشرق الأوسط وشرق أفريقيا وجنوب آسيا. وهي بعيدة نسبيًا عن كثير من المناطق المأهولة، ما يمنح المنشآت العسكرية الموجودة فيها درجة عالية من العزلة والحماية.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، لم تكن دييغو غارسيا مجرد جزيرة نائية، بل منصة استراتيجية يمكن استخدامها للعمليات الجوية والبحرية، وتخزين المعدات والوقود، ودعم العمليات العسكرية لمسافات بعيدة.

لكن كان هناك شيء غير ملائم لهذا المشروع: الجزيرة لم تكن خالية.

كان يعيش فيها سكان محليون، يعرفون باسم التشاغوسيين، وكانت لهم حياة ومجتمع وعلاقات اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالجزر.

وهنا بدأت المشكلة.

من جزيرة مأهولة إلى منطقة عسكرية

خلال الستينيات كانت بريطانيا والولايات المتحدة تبحثان عن مواقع استراتيجية في المحيط الهندي، في مرحلة كانت الحرب الباردة تجعل السيطرة على طرق الملاحة والمواقع العسكرية البعيدة مسألة ذات أهمية متزايدة.

وفي عام 1965 فصلت بريطانيا أرخبيل تشاغوس عن موريشيوس، وأنشأت ما عُرف باسم إقليم المحيط الهندي البريطاني.

بعد ذلك أبرمت بريطانيا والولايات المتحدة اتفاقًا يسمح بإنشاء منشآت دفاعية في الجزر، وكانت دييغو غارسيا هي الموقع الذي وقع عليه الاختيار.

المشكلة لم تكن في اختيار الجزيرة وحده، بل في أن وجود سكان مدنيين فيها لم يكن متوافقًا مع المشروع العسكري الذي كانت الدولتان تريدان بناءه.

وبدأ السكان يُدفعون تدريجيًا إلى مغادرة الجزيرة.

في بعض الحالات غادر أشخاص الجزيرة للسفر إلى موريشيوس أو سيشل، ثم اكتشفوا أنهم لم يعودوا قادرين على العودة إلى وطنهم. ومع تشديد القيود وإغلاق مصادر العمل والإمداد، أصبحت العودة أكثر صعوبة.

وبحلول أوائل السبعينيات كانت عملية إفراغ دييغو غارسيا قد اكتملت.

لم تكن الجزيرة قد فقدت سكانها بسبب كارثة طبيعية أو حرب محلية؛ بل بسبب قرار سياسي واستراتيجي.

التهجير لم يكن مجرد انتقال إلى مكان آخر

قد يبدو تعبير «إعادة التوطين» محايدًا، لكنه يخفي جانبًا مهمًا من القصة.

بالنسبة إلى السلطات التي أرادت إنشاء القاعدة، كان السكان مشكلة لوجستية يجب حلها. أما بالنسبة إلى السكان أنفسهم، فلم يكن الأمر انتقالًا عاديًا من مدينة إلى أخرى، وإنما فقدانًا للوطن والممتلكات ونمط الحياة والمجتمع الذي ارتبطوا به لأجيال.

وتصف شهادات تشاغوسيين ظروفًا قاسية رافقت عملية الإبعاد، بما في ذلك التخلص من كلاب السكان بطريقة صادمة بهدف إجبارهم على الرحيل.

ثم نُقل كثير من المهجرين إلى موريشيوس وسيشل، حيث واجهوا الفقر والبطالة وظروفًا اجتماعية صعبة.

وهنا تظهر مفارقة مؤلمة: الجزيرة التي كانت وطنًا لسكانها تحولت إلى منشأة استراتيجية، بينما أصبح سكانها أنفسهم غرباء في أماكن أُرسلوا إليها.

لماذا كان التخلص من السكان مهمًا عسكريًا؟

لم تكن المسألة مجرد رغبة في الحصول على مساحة إضافية لبناء منشآت.

وجود سكان مدنيين يعني وجود حقوق ملكية وحركة سكانية واحتياجات اجتماعية وقانونية، وربما اعتراضات سياسية على النشاط العسكري.

أما الجزيرة الخالية من السكان المدنيين فتمنح القوة العسكرية حرية أكبر في بناء المدارج والموانئ ومخازن الوقود والمنشآت اللوجستية ومرافق الاتصالات دون أن تضطر إلى التعامل مع مجتمع محلي كبير.

وهكذا تحولت دييغو غارسيا إلى نموذج بالغ الوضوح للعلاقة بين الجغرافيا والقوة العسكرية:

إذا كان الموقع بالغ الأهمية، فإن الدولة القوية قد لا تنظر إلى السكان المحليين باعتبارهم أصحاب الأرض فقط، بل باعتبارهم عاملًا يجب أن يدخل في حساباتها الاستراتيجية.

وهنا يكمن الجانب الأكثر إزعاجًا في القصة.

القاعدة التي أصبحت جزءًا من القوة الأمريكية العالمية

بعد إخلاء الجزيرة، توسعت المنشآت العسكرية بصورة كبيرة.

أصبحت دييغو غارسيا مركزًا لوجستيًا وعسكريًا بالغ الأهمية للولايات المتحدة، واستخدمت في دعم عمليات عسكرية أمريكية كبرى في مناطق مختلفة، خصوصًا في الشرق الأوسط وآسيا.

فالجزيرة تمنح الولايات المتحدة شيئًا ثمينًا جدًا: قاعدة كبيرة في موقع بعيد عن معظم مناطق الاضطراب السياسي، وفي منطقة تقع بين طرق بحرية ومجالات استراتيجية شديدة الأهمية.

ومن هذه الجزيرة يمكن دعم العمليات الجوية والبحرية لمسافات بعيدة، كما يمكن تخزين كميات ضخمة من المعدات والوقود.

ولهذا فإن أهمية دييغو غارسيا لا تتناسب إطلاقًا مع حجمها.

إنها ليست قوة بسبب عدد سكانها أو اقتصادها أو مواردها، وإنما بسبب الموقع الذي تحتله على الخريطة.

عندما تصبح الجغرافيا أقوى من السكان

تكشف قصة دييغو غارسيا شيئًا أوسع من الحالة نفسها.

في العلاقات الدولية، لا تتساوى قيمة الأراضي في نظر القوى الكبرى. هناك مواقع قد تكون قيمتها الاقتصادية محدودة، لكنها تصبح شديدة الأهمية بسبب قربها من طرق التجارة أو الممرات البحرية أو مناطق النزاع.

وهنا تتحول الجغرافيا إلى مصدر قوة.

لكن هذه القوة قد تأتي أحيانًا على حساب أشخاص لا يملكون أي قدرة على منافسة الدولة التي تريد الموقع.

سكان دييغو غارسيا لم يكونوا قوة عسكرية، ولم يكونوا طرفًا في الحرب الباردة، ولم يكونوا مسؤولين عن الحسابات الأمريكية والبريطانية في المحيط الهندي.

ومع ذلك وجدوا أنفسهم في قلب تلك الحسابات.

لم تكن المشكلة أنهم يمثلون تهديدًا؛ كانت المشكلة أن أرضهم أصبحت ذات قيمة استراتيجية هائلة.

وهذا فرق مهم.

قضية استعمارية لم تنتهِ بخروج السكان

لم يتوقف النزاع عند التهجير.

على مدى عقود، واصل التشاغوسيون المطالبة بحقهم في العودة والتعويض والاعتراف بما حدث لهم.

وأصبحت قضية أرخبيل تشاغوس واحدة من القضايا التي تكشف استمرار آثار الاستعمار حتى بعد انتهاء الشكل التقليدي للإمبراطوريات.

فبريطانيا كانت لا تزال تسيطر على الإقليم، بينما كانت موريشيوس تطالب بالسيادة عليه، وكان التشاغوسيون يطالبون بحقوقهم الخاصة بوصفهم السكان الأصليين الذين اقتُلعوا من وطنهم.

وفي السنوات الأخيرة تطورت قضية السيادة نفسها، مع تحركات نحو نقل السيادة على الأرخبيل إلى موريشيوس مع الإبقاء على الترتيبات العسكرية الخاصة بدييغو غارسيا.

لكن حتى لو تغيرت الدولة صاحبة السيادة رسميًا، يبقى السؤال الأهم:

ماذا عن السكان الذين طُردوا؟

فالسيادة على الأرض ليست بالضرورة هي نفسها حق السكان في العودة إليها.

لماذا بقيت دييغو غارسيا مهمة حتى اليوم؟

لأن العالم الذي أنشأ القاعدة لم يختفِ.

الحرب الباردة انتهت، لكن المنافسة على المحيط الهندي لم تنتهِ. بل أصبحت المنطقة أكثر أهمية مع صعود الصين، وتزايد أهمية طرق الطاقة والتجارة بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.

ولهذا فإن الموقع الذي بدا مهمًا خلال الحرب الباردة أصبح مهمًا مرة أخرى في عصر التنافس بين القوى الكبرى.

وهنا يمكن فهم سبب تمسك الولايات المتحدة وبريطانيا بالوجود العسكري في الجزيرة، رغم كل الجدل التاريخي والقانوني والسياسي المحيط بها.

الموقع لا يزال موجودًا، والقيمة الاستراتيجية لا تزال موجودة، ولذلك لم تختفِ أهمية القاعدة.

لكن استمرار أهمية القاعدة يعني أيضًا استمرار حضور السؤال القديم:

هل يمكن بناء منظومة أمنية دولية على أرض جرى اقتلاع سكانها منها؟

المفارقة الكبرى

ربما تكون أكثر مفارقات دييغو غارسيا وضوحًا أن الجزيرة أصبحت رمزًا للقوة العسكرية في الوقت الذي أصبح فيه سكانها رمزًا للضعف أمام القوة.

الدول التي كانت تملك القدرة على رسم الخرائط وإبرام الاتفاقيات وبناء القواعد امتلكت أيضًا القدرة على إعادة تشكيل الجزيرة نفسها.

أما سكانها فلم يمتلكوا إلا الاحتجاج والمطالبة واللجوء إلى المحاكم والمؤسسات الدولية.

وهنا تتجاوز القضية حدود دييغو غارسيا.

فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة تحولت فيها مناطق استراتيجية إلى قواعد عسكرية أو مشاريع اقتصادية كبرى، بينما وجد السكان المحليون أنفسهم مضطرين إلى دفع الثمن.

لكن دييغو غارسيا تظل حالة شديدة الوضوح لأن الصورة فيها بسيطة:

جزيرة مأهولة → اتفاق استراتيجي → إخلاء السكان → قاعدة عسكرية → عقود من المطالبة بالعودة.

الخاتمة: عندما تكون الخريطة أهم من الإنسان

لا تكمن أهمية دييغو غارسيا في أنها قاعدة أمريكية وبريطانية مهمة فحسب، ولا في موقعها الاستراتيجي في المحيط الهندي فقط.

أهميتها الحقيقية أنها تكشف جانبًا من تاريخ القوة الدولية لا يظهر عادة في صور الطائرات والسفن والقواعد العسكرية.

وراء كل قاعدة توجد أرض.

وراء الأرض يوجد سكان.

وأحيانًا، عندما تصبح الأرض ذات قيمة استراتيجية استثنائية، يصبح السكان هم الحلقة الأضعف في المعادلة.

لقد تمكنت الولايات المتحدة وبريطانيا من بناء واحدة من أهم المنصات العسكرية في المحيط الهندي، لكن ثمن ذلك كان اقتلاع مجتمع كامل من موطنه.

ولهذا فإن النظر إلى دييغو غارسيا باعتبارها «قاعدة عسكرية مهمة» فقط يقدم نصف الحقيقة.

أما النصف الآخر فهو أن هذه القاعدة لم تُبن فوق أرض خالية، وإنما فوق جزيرة كان يعيش فيها بشر، ثم أُزيلوا منها لأن موقع الجزيرة أصبح أهم في حسابات القوة الكبرى من حق أولئك البشر في البقاء.

وهذه هي القصة التي تجعل دييغو غارسيا أكثر من مجرد نقطة عسكرية على خريطة المحيط الهندي.

إنها قصة عن الاستعمار، والقوة، والجغرافيا، والسيادة، وحقوق السكان، والسؤال القديم الذي لم ينتهِ: من يملك الأرض عندما تصبح الأرض ذات أهمية للقوى الكبرى؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.