ازمة اليمن: مقدمة سردية تاريخية.. أبرز محطات التحول السياسي والعسكري من الوحدة إلى الأزمة

من خلافات ما بعد الوحدة وصعود الحوثيين إلى الحرب الإقليمية وتجميد الصراع وتعدد مراكز السلطة

لم تبدأ الأزمة اليمنية بصعود الحوثيين، ولم تتحول البلاد إلى ساحة حرب دفعة واحدة. فالمشهد الذي وصل إليه اليمن بعد سنوات الحرب هو نتيجة لمسار طويل من التحولات السياسية والعسكرية، بدأ مع قيام الوحدة اليمنية عام 1990، ثم تعمق مع الخلاف بين شريكي الوحدة، وحرب 1994، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة داخل الجيش والقبائل والأحزاب والمناطق.

خلال العقود التالية تغيرت طبيعة الصراع أكثر من مرة. ظهرت حركة الحوثيين في الشمال وتطورت من نشاط ديني وثقافي إلى قوة مسلحة، بينما تصاعدت في الجنوب مطالب سياسية أعادت طرح مسألة الوحدة نفسها. ثم جاءت احتجاجات 2011 لتسقط جزءاً من منظومة حكم علي عبد الله صالح، من دون أن تؤدي إلى بناء نظام سياسي مستقر. ومع تعثر المرحلة الانتقالية ومؤتمر الحوار الوطني، تمكن الحوثيون من توسيع نفوذهم والسيطرة على صنعاء، لتدخل البلاد عام 2015 في حرب واسعة شاركت فيها قوى يمنية وإقليمية متعددة. 
 
لكن الحرب نفسها لم تبقَ على صورتها الأولى. فقد ظهرت انقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وانتهى تحالف الحوثيين مع صالح بمقتله، ثم تحولت معركة الحديدة إلى مسار تفاوضي قاد إلى اتفاق ستوكهولم. وبعد سنوات من القتال جاءت هدنة 2022 لتخفض مستوى المواجهة بصورة كبيرة، وتفتح الباب أمام اتصالات سياسية، قبل أن تعيد حرب غزة منذ أواخر 2023 اليمن إلى قلب صراع إقليمي ودولي أوسع بسبب هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر والضربات الأمريكية والبريطانية على مواقعهم. 

لذلك فإن فهم اليمن الحالي يتطلب العودة إلى تسلسل الأحداث نفسه: كيف بدأت الدولة الموحدة، وكيف تراكمت أزماتها، وكيف ظهرت القوى التي تنازعتها، وكيف تحولت الحرب من مواجهة داخلية إلى صراع متعدد الطبقات، ثم إلى حالة أقرب إلى «لا حرب ولا سلام». وفي الصفحات التالية نتابع أبرز المحطات السياسية والعسكرية التي صنعت هذا المسار، قبل الانتقال لاحقاً إلى قراءة أعمق لما تكشفه هذه الأحداث عن طبيعة الأزمة اليمنية وموازين القوى التي تشكلت خلالها.

1. الوحدة اليمنية وبداية المرحلة السياسية الجديدة (1990–1993)

أُعلنت الوحدة اليمنية في مايو 1990 بتوحيد الجمهورية العربية اليمنية في الشمال وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، وأصبح علي عبد الله صالح رئيساً للدولة الموحدة، بينما تولى علي سالم البيض منصب نائب الرئيس. سرعان ما ظهرت الخلافات بين شريكي الوحدة حول تقاسم السلطة والجيش والاقتصاد، وتفاقمت التوترات السياسية خلال السنوات التالية. وفي انتخابات 1993 برز حزب الإصلاح كقوة سياسية رئيسية إلى جانب المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، بينما أخذت العلاقة بين الشريكين السابقين في التدهور.

2. الحرب الأهلية وانتصار الشمال (1994)

انفجرت الأزمة السياسية والعسكرية في مايو 1994 عندما أعلن قادة جنوبيون الانفصال وإعادة قيام دولة اليمن الديمقراطية. اندلعت حرب واسعة بين القوات الموالية للرئيس صالح وحلفائه من جهة، والقوات والقوى الجنوبية المرتبطة بالحزب الاشتراكي من جهة أخرى. انتهت الحرب في يوليو 1994 بانتصار قوات الشمال ودخول عدن، وبقاء اليمن موحداً تحت سلطة صنعاء. تركت الحرب آثاراً سياسية عميقة، خصوصاً في الجنوب، حيث نشأت لاحقاً حركة احتجاجية تطورت إلى الحراك الجنوبي.

3. صعود «الشباب المؤمن» وبداية الحركة الحوثية (1990s–2003)

في محافظة صعدة شمال اليمن نشأت حركة دينية وثقافية زيدية عُرفت باسم «الشباب المؤمن»، واهتمت بإحياء التعليم الديني والهوية الزيدية في مواجهة التيارات السلفية والإسلامية المنافسة. كان حسين بدر الدين الحوثي من أبرز الشخصيات المرتبطة بالحركة، قبل أن تتحول تدريجياً من نشاط ديني وثقافي إلى حركة سياسية ذات خطاب أكثر حدة تجاه الحكومة والولايات المتحدة وإسرائيل. وبعد حرب أفغانستان والعراق وتصاعد التوتر الإقليمي، ازدادت المواجهة بين الحركة والسلطة المركزية.

4. حروب صعدة الست (2004–2010)

اندلعت أولى حروب صعدة عام 2004 بين القوات الحكومية وأنصار حسين الحوثي، وانتهت بمقتل حسين الحوثي. انتقلت القيادة بعد ذلك إلى شقيقه عبد الملك الحوثي، واستمرت المواجهات في جولات متتالية حتى الحرب السادسة عام 2009–2010. توسعت قدرات الجماعة العسكرية خلال هذه السنوات، واستفادت من الطبيعة الجبلية للمنطقة ومن ضعف السيطرة الحكومية في صعدة والمناطق المحيطة بها. كما امتد القتال في إحدى مراحله إلى الحدود السعودية عام 2009، عندما دخلت القوات السعودية في مواجهة مباشرة مع الحوثيين. وانتهت الجولة السادسة بوقف لإطلاق النار عام 2010، لكن من دون حل سياسي نهائي.

5. ثورة 2011 وسقوط نظام صالح تدريجياً (2011)

مع اندلاع موجة الاحتجاجات العربية، خرجت مظاهرات واسعة في اليمن مطالبة بإسقاط نظام علي عبد الله صالح. وانضمت قوى سياسية وشبابية وقبلية وعسكرية مختلفة إلى الاحتجاجات، بينما دخل الحوثيون في المشهد الثوري ووسعوا حضورهم السياسي والشعبي. شهد عام 2011 صدامات دامية وانشقاقات داخل مؤسسات الدولة، كان أبرزها انضمام اللواء علي محسن الأحمر إلى الحركة الاحتجاجية.

وبوساطة خليجية، وافق صالح في نهاية المطاف على التنحي مقابل ترتيبات سياسية وضمانات، وانتقلت الرئاسة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي في فبراير 2012.

6. المرحلة الانتقالية ومؤتمر الحوار الوطني (2012–2014)

بدأت مرحلة انتقالية بقيادة هادي، وكان الهدف إعادة بناء الدولة وصياغة دستور جديد ومعالجة قضايا الجنوب وصعدة وتقاسم السلطة. عُقد مؤتمر الحوار الوطني الشامل بين 2013 و2014 بمشاركة معظم القوى السياسية، بما فيها الحوثيون والحراك الجنوبي وقوى أخرى.

لكن الحوار لم ينهِ الصراعات على الأرض. فقد ظل الجيش والأمن منقسمين، واستمر نفوذ صالح داخل مؤسسات الدولة، بينما بدأ الحوثيون في توسيع مناطق سيطرتهم عسكرياً خارج صعدة. وفي 2014 تمكنوا من السيطرة على عمران، وهي منطقة استراتيجية شمال صنعاء، بعد مواجهات مع قوات مرتبطة بعلي محسن الأحمر وحلفائه.

7. سقوط صنعاء وسيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة (2014–2015)

تصاعدت الأزمة في صيف 2014 بعد احتجاجات حوثية ضد رفع أسعار الوقود، ثم تحولت الاحتجاجات إلى تحرك عسكري واسع. وفي سبتمبر 2014 دخلت قوات الحوثيين صنعاء وسيطرت على مواقع ومؤسسات عسكرية وحكومية مهمة، بينما انهارت أجزاء كبيرة من منظومة السلطة المركزية.

تم توقيع «اتفاق السلم والشراكة» في محاولة لاحتواء الأزمة، لكن الحوثيين واصلوا توسيع نفوذهم. وفي يناير 2015 استولوا على القصر الرئاسي وفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس هادي وحكومته، ثم أعلن هادي استقالته قبل أن يتمكن من مغادرة صنعاء إلى عدن. وفي فبراير أعلن الحوثيون ترتيبات أحادية لإدارة البلاد، وهو ما عمّق انهيار العملية الانتقالية.

8. الحرب الأهلية تتسع والتدخل العسكري بقيادة السعودية (2015)

بعد انتقال هادي إلى عدن ثم خروجه إلى السعودية، بدأت مرحلة جديدة من الحرب. وفي مارس 2015 أعلنت السعودية تشكيل تحالف عسكري وبدأت عملية «عاصفة الحزم»، استجابة لطلب حكومة هادي، بهدف وقف تقدم الحوثيين وإعادة الحكومة المعترف بها دولياً إلى السلطة.

توسعت الحرب بسرعة لتشمل معظم المناطق اليمنية بدرجات مختلفة. تمكن الحوثيون والقوات المتحالفة معهم من الاحتفاظ بصنعاء وأجزاء واسعة من الشمال والغرب، بينما استعادت القوات المناهضة لهم عدداً من مناطق الجنوب. وتحولت الحرب إلى صراع متعدد الأطراف، لم يعد محصوراً بين الحوثيين والحكومة، مع دخول قوى محلية وإقليمية متعددة إلى الميدان.

9. تعدد القوى وانقسام المعسكر المناهض للحوثيين (2016–2017)

مع استمرار الحرب، ظهرت انقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين. ففي الجنوب برزت قوى محلية تطالب بحكم ذاتي أو باستعادة دولة الجنوب، بينما دعمت الإمارات تشكيل قوات محلية مختلفة، وأصبح المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأسس لاحقاً أحد أهم اللاعبين.

وفي الجانب الآخر، استمر التحالف بين الحوثيين وعلي عبد الله صالح بصورة مصلحية مؤقتة. لكن الخلافات بين الطرفين تصاعدت حول إدارة صنعاء والسلطة والموارد. وفي ديسمبر 2017 حاول صالح فك تحالفه مع الحوثيين وفتح قنوات مع السعودية، فاندلعت مواجهات في صنعاء انتهت بمقتله في 4 ديسمبر. بعد ذلك أصبح الحوثيون القوة المهيمنة على صنعاء ومناطق سيطرتهم دون شريك سياسي وعسكري داخلي بحجم صالح.

10. معركة الحديدة واتفاق ستوكهولم (2018)

في 2018 تقدمت القوات المناهضة للحوثيين باتجاه مدينة الحديدة ومينائها، الذي كان يمثل شرياناً مهماً للمناطق الخاضعة للحوثيين ومصدراً رئيسياً لدخول الواردات والمساعدات. أثار الهجوم مخاوف دولية من كارثة إنسانية واسعة.

وفي ديسمبر 2018 توصلت الحكومة والحوثيون، برعاية الأمم المتحدة، إلى «اتفاق ستوكهولم»، الذي تضمن وقفاً لإطلاق النار في الحديدة وترتيبات لإعادة الانتشار وتبادل الأسرى وفتح ممرات إنسانية. ورغم أن الاتفاق لم يؤدِ إلى إنهاء الحرب، فإنه ساهم في منع معركة شاملة على الحديدة.

11. استمرار الحرب وتغير موازين القوى (2019–2021)

استمرت الجبهات الرئيسية في حالة من المد والجزر، مع بقاء صنعاء ومعظم الشمال الغربي تحت سيطرة الحوثيين، بينما بقيت الحكومة وقوى أخرى موزعة بين مناطق مختلفة في الجنوب والشرق.

وفي الجنوب اندلعت مواجهات بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي، وانتهت باتفاق الرياض عام 2019 الذي حاول توحيد القوى المناهضة للحوثيين ضمن ترتيبات سياسية وعسكرية مشتركة، لكن تنفيذ الاتفاق ظل متعثراً.

وفي الوقت نفسه تطورت قدرات الحوثيين في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأصبحوا قادرين على استهداف مواقع داخل السعودية بصورة متكررة. وفي 2021 شن الحوثيون هجوماً واسعاً باتجاه مأرب، التي كانت آخر معاقل الحكومة الرئيسية في شمال اليمن، وتركز القتال حول المحافظة الغنية بالنفط والغاز وموقعها الاستراتيجي.

12. الهدنة الأممية وانتقال السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي (2022)

في أبريل 2022 أعلنت الأمم المتحدة هدنة لمدة شهرين بين الأطراف اليمنية، تضمنت وقف العمليات العسكرية الهجومية، والسماح بدخول سفن الوقود إلى ميناء الحديدة، واستئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء إلى وجهات محددة، وفتح الطرق في بعض المناطق.

وفي الشهر نفسه أعلن الرئيس عبد ربه منصور هادي نقل صلاحياته إلى «مجلس القيادة الرئاسي»، الذي ضم شخصيات وقوى مختلفة من المعسكر المناهض للحوثيين، في محاولة لإعادة تنظيم السلطة التي كانت شديدة الانقسام.

تم تمديد الهدنة عدة مرات، وانتهت رسمياً في أكتوبر 2022 بعد عدم التوصل إلى اتفاق على تمديد جديد، لكن القتال الواسع النطاق لم يعد إلى مستواه السابق. واستمرت حالة التهدئة النسبية، مع بقاء خطوط التماس الرئيسية إلى حد كبير ثابتة، وبدأت الاتصالات المباشرة وغير المباشرة بين السعودية والحوثيين بهدف الوصول إلى تسوية أوسع.

13. من الهدنة إلى تجميد الحرب عملياً (2023–2024)

بعد انتهاء الهدنة الرسمية استمرت حالة عدم التصعيد النسبي داخل اليمن، رغم عدم وجود اتفاق سلام نهائي. وأصبحت الحرب أقرب إلى صراع مجمّد: الحوثيون يحتفظون بصنعاء ومعظم الشمال الغربي، والحكومة ومجلس القيادة الرئاسي والقوى الجنوبية والمحلية تسيطر على مناطق أخرى، بينما بقيت القضايا الجوهرية، مثل شكل الدولة وتقاسم الموارد ومستقبل الجنوب ومستقبل القوات المسلحة، بلا حل.

وفي 2023 تصاعد المسار التفاوضي السعودي–الحوثي، وظهرت مؤشرات على إمكانية التوصل إلى خارطة طريق لإنهاء الحرب. لكن التطورات الإقليمية المرتبطة بحرب غزة منذ أكتوبر 2023 غيّرت المشهد مرة أخرى، خصوصاً بعدما بدأ الحوثيون استهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، وربطوا ذلك بالحرب في غزة. وردت الولايات المتحدة وبريطانيا عسكرياً على هذه الهجمات، فتحول اليمن مجدداً من ملف حرب أهلية مجمدة إلى جزء من صراع إقليمي أوسع.

إذن الأفضل أن نكمل السرد التاريخي حتى تجميد الحرب وتحول اليمن من حرب أهلية مفتوحة إلى ساحة صراع إقليمي، ثم نجعل القسم التحليلي منفصلاً تماماً. ويمكن أن تكون الإضافة كالآتي:

13. تجميد الحرب وبداية المسار السعودي–الحوثي (2023)

بعد انتهاء الهدنة الأممية رسمياً في أكتوبر 2022، لم تعد اليمن إلى مستوى الحرب الشاملة الذي سبق هدنة 2022. بقيت خطوط التماس الرئيسية مستقرة نسبياً، واستمر الحوثيون في السيطرة على صنعاء ومعظم شمال وغرب البلاد، بينما بقيت الحكومة المعترف بها دولياً ومجلس القيادة الرئاسي والقوى الجنوبية والمحلية موزعة على مناطق مختلفة.

أصبحت الأولوية لدى الأطراف الإقليمية، وخصوصاً السعودية، الانتقال من إدارة الحرب إلى البحث عن تسوية سياسية وأمنية. وتكثفت الاتصالات المباشرة وغير المباشرة بين السعودية والحوثيين بوساطة عمانية، وبدأ الحديث عن خارطة طريق تتضمن وقفاً شاملاً لإطلاق النار، ومعالجة الملفات الاقتصادية والإنسانية، ثم الدخول في مفاوضات سياسية يمنية أوسع.

وفي سبتمبر 2023 وصل وفد حوثي إلى الرياض في أول زيارة علنية من هذا النوع، في مؤشر على انتقال العلاقة من المواجهة العسكرية المباشرة إلى التفاوض. وبدا أن الحرب اليمنية تقترب من مرحلة جديدة قد تنتهي باتفاق بين الأطراف الرئيسية، رغم بقاء الخلافات الداخلية اليمنية من دون حل.

14. حرب غزة تعيد اليمن إلى قلب الصراع الإقليمي (أواخر 2023)

أدى اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في أكتوبر 2023 إلى تغيير المسار الذي كان يتجه نحو التسوية في اليمن. أعلن الحوثيون دعمهم للفلسطينيين، وبدأوا إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، ثم انتقلوا إلى استهداف سفن تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، معلنين أن الهدف هو الضغط على إسرائيل ومنع وصول الإمدادات إليها، مع اشتراط وقف الحرب في غزة.

أدى ذلك إلى أزمة دولية جديدة في البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتعرضت سفن تجارية لهجمات أو لعمليات احتجاز، بينما اضطرت شركات شحن عديدة إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح لتجنب المنطقة.

وهكذا خرج اليمن مرة أخرى من كونه ملفاً محلياً وإقليمياً محدوداً إلى أن أصبح جزءاً مباشراً من الصراع الأوسع في الشرق الأوسط.

15. الضربات الأمريكية والبريطانية وعودة المواجهة الدولية (2024)

في يناير 2024 بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا ضربات جوية وصاروخية ضد مواقع تابعة للحوثيين في اليمن، رداً على الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر. واستمرت الضربات المتبادلة خلال العام، بينما واصل الحوثيون استهداف السفن وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وفي الوقت نفسه استمرت السعودية في تجنب العودة إلى حرب واسعة مع الحوثيين، وحافظت على قنوات الاتصال والتفاوض. وهنا ظهر تناقض مهم في المشهد اليمني: الحرب الداخلية كانت شبه مجمدة، لكن اليمن نفسه عاد إلى واجهة الصراع العسكري الإقليمي والدولي.

أصبح الحوثيون، رغم بقائهم محصورين جغرافياً في اليمن، طرفاً قادراً على التأثير في حركة التجارة الدولية وفي الحسابات العسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل ودول المنطقة.

16. من حرب داخلية إلى صراع متعدد الطبقات (2024–2025)

مع استمرار أزمة البحر الأحمر، أصبح المشهد اليمني أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين الحكومة والحوثيين. فقد تداخلت فيه عدة مستويات: سلطة الحوثيين في صنعاء ومناطق الشمال، الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، القوى الجنوبية، القوى العسكرية المحلية، الدور السعودي والإماراتي، الدعم الإيراني للحوثيين، والتدخل العسكري الأمريكي والبريطاني.

وفي الداخل، بقيت الجبهات الكبرى هادئة نسبياً مقارنة بسنوات الحرب الأولى، لكن السلام النهائي لم يتحقق. فالتهدئة لم تحسم مسائل جوهرية مثل شكل الدولة اليمنية، وتقاسم عائدات النفط والغاز، ومستقبل الجنوب، ووضع صنعاء، ومستقبل القوات المسلحة، وآلية دمج القوى العسكرية المختلفة.

وبذلك تحولت اليمن من حرب مفتوحة إلى حالة «لا حرب ولا سلام»: لا توجد حرب شاملة كما كانت قبل 2022، ولا يوجد في المقابل اتفاق سلام شامل يعيد بناء الدولة ويحل الصراع السياسي.

17. اليمن بعد سنوات الحرب: دولة منقسمة وسلطة متعددة

مع استمرار هذا الوضع، أصبحت اليمن عملياً مقسمة بين مراكز نفوذ متعددة. يسيطر الحوثيون على صنعاء وعلى الكتلة السكانية الأكبر في الشمال الغربي، بينما تتمركز الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي والقوى المتحالفة معها في مناطق أخرى، مع احتفاظ المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى محلية مختلفة بنفوذ كبير في الجنوب والشرق.

ولم يعد السؤال اليمني مجرد سؤال عن من ينتصر عسكرياً؟، لأن سنوات الحرب غيرت طبيعة الدولة نفسها. فقد نشأت سلطات ومؤسسات أمنية وعسكرية واقتصادية متوازية، وأصبح لكل منطقة قوى مسلحة ومصالح اقتصادية وشبكات نفوذ خاصة بها.

وهكذا انتهت المرحلة العسكرية الكبرى من الحرب من دون منتصر حاسم، لكنها تركت واقعاً جديداً أكثر تعقيداً من الوضع الذي كان قائماً قبل 2014.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.