
الحوثيون.. نتيجة الأزمة أم صانعوها؟
من السهل النظر إلى الحوثيين باعتبارهم أصل المشكلة اليمنية، لكن هذا التفسير يصبح ناقصاً عندما ننظر إلى تاريخ اليمن قبل 2014. فالتيار الحوثي لم يظهر فجأة كقوة قادرة على السيطرة على العاصمة، بل احتاج أكثر من عقدين حتى يتحول من حركة دينية محلية في صعدة إلى قوة عسكرية وسياسية تفرض نفسها على الدولة كلها.
في البداية كان نشاط «الشباب المؤمن» أقرب إلى إحياء الهوية الزيدية والتعليم الديني، لكن العلاقة مع نظام علي عبد الله صالح أخذت تتدهور، خصوصاً مع تصاعد الخطاب المناهض للولايات المتحدة وإسرائيل، ثم تحولت المواجهة إلى حرب مفتوحة عام 2004. وكانت حروب صعدة الست بمثابة المدرسة العسكرية والسياسية التي صنعت الحوثيين الذين ظهروا لاحقاً في صنعاء.
خلال تلك الحروب تعلمت الجماعة كيف تقاتل جيشاً نظامياً، وكيف تستخدم الجغرافيا الجبلية، وكيف تبني شبكات محلية قادرة على البقاء تحت الضغط. وفي المقابل استنزفت الحروب الدولة اليمنية نفسها، ولم تتمكن الحكومة من القضاء على الحركة. وهنا حدث أمر بالغ الأهمية: كل جولة عسكرية كانت تضعف الطرفين بصورة غير متساوية؛ الدولة تخسر من قدرتها وهيبتها، بينما كان الحوثيون يخرجون أكثر خبرة وتنظيماً.
ثم جاءت أحداث 2011 لتفتح أمام الحوثيين فرصة لم تكن متاحة لهم في السابق. فقد انهارت صورة الدولة المركزية، وانقسم الجيش، وتصارعت النخب السياسية، وانشغل خصوم الحوثيين بالصراع على السلطة. شاركت الجماعة في العملية السياسية ومؤتمر الحوار الوطني، لكنها في الوقت نفسه واصلت بناء قوتها على الأرض.
وهنا يظهر أحد أكثر التناقضات أهمية في التجربة الحوثية: الجماعة دخلت العملية السياسية وهي لا تزال تحتفظ بمنطق القوة المسلحة. ولم يكن هذا استثناءً في اليمن؛ فمعظم القوى الرئيسية كانت تمتلك أجنحة عسكرية أو قبلية أو أمنية، لكن الحوثيين كانوا الأكثر نجاحاً في تحويل قوتهم العسكرية إلى توسع جغرافي متتابع.
كان سقوط عمران عام 2014 نقطة تحول، لأن الحوثيين خرجوا عندها من نطاق صعدة إلى الاقتراب من مركز الدولة. وبعد السيطرة على صنعاء لم يكتفوا بدور سياسي داخل النظام الجديد، بل أصبحوا القوة التي تستطيع فرض شروطها على مؤسسات الدولة.
وهنا يصبح وصف الحوثيين بأنهم «نتيجة» للأزمة صحيحاً جزئياً فقط. نعم، صعودهم كان ممكناً بسبب ضعف الدولة والانقسامات القديمة، لكنهم بعد وصولهم إلى القوة لم يبقوا مجرد نتيجة سلبية لهذه الظروف؛ بل أصبحوا فاعلاً يصنع الأزمة ويعيد تشكيلها.
فالسيطرة على مؤسسات الدولة، وإقصاء خصوم سياسيين، ثم الحرب مع الحكومة والقوى المحلية، كلها ساهمت في تحويل الأزمة من صراع سياسي على مستقبل اليمن إلى حرب مفتوحة. وبعد التدخل السعودي أصبح الحوثيون أنفسهم جزءاً من معادلة إقليمية أكبر، وتطورت علاقتهم بإيران عسكرياً وسياسياً، وأصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة إحدى أدوات الصراع.
لكن حتى هنا يجب الحذر من تفسير آخر مبسط، وهو اختزال الحوثيين إلى مجرد «وكيل إيراني». فهذه الصيغة تتجاهل جذور الحركة اليمنية نفسها. الحوثيون يمتلكون قيادة وقاعدة اجتماعية ومشروعاً سياسياً خاصاً بهم، ولديهم حساباتهم اليمنية التي قد تتطابق مع إيران في بعض الملفات وتختلف عنها في ملفات أخرى. وفي الوقت نفسه سيكون من الخطأ إنكار حجم الدعم الإيراني وأثره في تطوير قدراتهم العسكرية.
لذلك فإن التفسير الأكثر واقعية يقع بين الطرفين: الحوثيون حركة يمنية ذات جذور محلية، تحولت إلى قوة إقليمية التأثير، واستفادت من الدعم الإيراني، بينما استفادت إيران بدورها من وجود قوة حليفة تملك موقعاً استراتيجياً عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأصعب: إذا كان الحوثيون قد استفادوا من ضعف الدولة، فلماذا لم تتمكن القوى التي حاربتهم طوال سنوات من إعادة بناء دولة بديلة قوية؟
الإجابة تقودنا مباشرة إلى الطرف الآخر من المعادلة: المعسكر المناهض للحوثيين نفسه لم يكن دولة واحدة، بل مجموعة قوى لها مشاريع مختلفة، وبعضها كان يرى في خصومه الداخليين خطراً لا يقل عن خطر الحوثيين.
وهنا تبدأ قصة أخرى أكثر تعقيداً: السعودية، الإمارات، الحكومة، الإصلاح، المجلس الانتقالي، والقوى المحلية... لماذا لم يتحول المعسكر المناهض للحوثيين إلى جبهة موحدة؟