ازمة اليمن: المعسكر المناهض للحوثيين.. جبهة واحدة أم خصوم مؤقتون؟

المعسكر المناهض للحوثيين.. جبهة واحدة أم خصوم مؤقتون؟

من أكبر المفارقات في الحرب اليمنية أن الطرف الذي واجه الحوثيين عسكرياً لم يكن في الحقيقة جبهة سياسية وعسكرية واحدة. فقد اجتمعت قوى كثيرة تحت عنوان واحد هو «مناهضة الحوثيين»، لكنها لم تكن بالضرورة متفقة على شكل اليمن الذي تريد الوصول إليه بعد الحرب. ولهذا كان توحيدها أصعب من جمعها مؤقتاً في مواجهة عدو مشترك.

الحكومة المعترف بها دولياً كانت تمثل الإطار الرسمي للدولة، لكنها لم تكن تمتلك وحدها القوة العسكرية اللازمة لفرض سلطتها. فقد اعتمدت بدرجات مختلفة على قوات محلية وقبلية وتشكيلات عسكرية مدعومة من الخارج. وفي الوقت نفسه احتفظ حزب الإصلاح بنفوذ سياسي وعسكري مهم، بينما نشأت في الجنوب قوى أخرى لها مشروع مختلف تماماً يتعلق بمستقبل الجنوب.

وهنا دخل العامل السعودي والإماراتي ليزيد المشهد تعقيداً. فالسعودية دخلت الحرب أساساً لمنع قيام سلطة حوثية معادية لها على حدودها الجنوبية ولإعادة ترتيب الوضع اليمني بما يحفظ أمنها. أما الإمارات فبنت خلال الحرب علاقات قوية مع قوى محلية، خصوصاً في الجنوب والساحل الغربي، ودعمت تشكيلات عسكرية لم تكن كلها خاضعة مباشرة للحكومة المركزية.

لم يكن ذلك بالضرورة تناقضاً كاملاً بين الدولتين، لكنه أدى عملياً إلى ظهور مراكز قوة متعددة داخل المعسكر نفسه.

وكان الجنوب المثال الأوضح. فالمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس عام 2017، لم يكن هدفه ببساطة إعادة حكومة هادي إلى صنعاء، بل حمل مشروعاً سياسياً مختلفاً يتعلق بحق الجنوبيين في تقرير مستقبل الجنوب. وبذلك أصبح الحوثيون والحكومة والمجلس الانتقالي والقوى المحلية المختلفة أطرافاً تتقاطع مصالحها أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى.

وهذا يفسر لماذا وقعت مواجهات بين قوى يفترض أنها في المعسكر نفسه. ففي عدن مثلاً لم يكن الصراع دائماً بين الحوثيين وخصومهم، بل شهدت المدينة نفسها صدامات بين القوات الحكومية وقوات المجلس الانتقالي. وفي أغسطس 2019 تمكن الانتقالي من السيطرة على عدن، قبل أن تتدخل السعودية للتوصل إلى «اتفاق الرياض» الذي حاول إعادة ترتيب العلاقة بين الطرفين.

هذه الوقائع تكشف مشكلة أساسية: إسقاط الحوثيين لم يكن هدفاً كافياً لتوحيد خصومهم، لأن كل طرف كان يملك تصوراً مختلفاً عن اليوم التالي للحرب.

فبالنسبة إلى السعودية، الأولوية كانت أمن الحدود ومنع تهديد صاروخي ومسيّر دائم، إضافة إلى وجود حكومة يمنية يمكن التعامل معها. وبالنسبة إلى الإمارات، كانت مكافحة الحوثيين والجماعات الإسلامية وتعزيز نفوذ القوى المحلية المتحالفة معها، خصوصاً في الجنوب والساحل، جزءاً من رؤيتها الأوسع. أما القوى الجنوبية فكان لديها سؤال مختلف: لماذا تكون نهاية الحرب عودة اليمن إلى الوضع الذي كان قائماً قبلها، بينما يرى كثير منها أن القضية الجنوبية نفسها لم تُحل؟

أما حزب الإصلاح والقوى المرتبطة به، فكانت تنظر إلى الصراع من زاوية مختلفة أيضاً، خصوصاً في مواجهة الحوثيين الذين كانوا قد أزاحوا نفوذه من مناطق واسعة في الشمال.

وبذلك لم يكن هناك «طرف حكومي» بالمعنى البسيط للكلمة، بل شبكة من القوى المحلية والإقليمية التي تعاونت عندما تتفق مصالحها، وتصادمت عندما تختلف.

وهنا تظهر نتيجة مهمة للحرب: الحوثيون استفادوا من انقسام خصومهم ليس فقط لأنهم أقوياء، بل لأن خصومهم لم يكونوا يملكون مشروعاً موحداً لما بعد الانتصار.

وقد ساعدت الجغرافيا على تكريس هذا الوضع. فاليمن بلد واسع وصعب التضاريس، وتوجد فيه مراكز سكانية وقبلية واقتصادية منفصلة نسبياً. السيطرة على مدينة لا تعني بالضرورة السيطرة على المحافظة، والسيطرة على محافظة لا تعني السيطرة على شبكات النفوذ الموجودة فيها. ولذلك استطاعت القوى المحلية الاحتفاظ بمناطق نفوذ حتى عندما تغيرت الخريطة العسكرية.

لكن تحميل السعودية والإمارات وحدهما مسؤولية انقسام المعسكر المناهض للحوثيين سيكون أيضاً تبسيطاً. فهذه الانقسامات لها جذور يمنية أقدم بكثير من التدخل العسكري الخارجي. التدخل الخارجي استثمر الانقسامات الموجودة وعمّق بعضها وأنتج تحالفات جديدة، لكنه لم يخترع قضية الجنوب ولا الصراع بين النخب اليمنية ولا ضعف الدولة المركزية.

وهكذا أصبح اليمن أمام معادلة غريبة: الحوثيون يملكون مركزاً عسكرياً وسياسياً أكثر تماسكاً في مناطق سيطرتهم، بينما خصومهم يمتلكون مساحة جغرافية وقوى عسكرية وموارد أكبر في مجموعها، لكنهم أكثر انقساماً سياسياً.

ولهذا لم تنتج سنوات الحرب انتصاراً عسكرياً حاسماً.

والسؤال التالي يصبح أكثر أهمية: لماذا قررت السعودية، بعد سنوات من الحرب، الانتقال من محاولة الحسم العسكري إلى التفاوض مع الحوثيين؟ وهل كان ذلك اعترافاً بفشل الحرب أم تغيراً في حسابات المصالح؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.