
لماذا لم يتحول جمود الحرب إلى سلام؟
بعد سنوات من القتال، يبدو المشهد اليمني paradoxical: لا الحوثيون استطاعوا السيطرة على اليمن كله، ولا خصومهم استطاعوا إسقاط سلطتهم في صنعاء، ولا السعودية حسمت الحرب عسكرياً، ولا إيران استطاعت تحويل اليمن إلى دولة تابعة لها بالكامل، ولا القوى الجنوبية تمكنت من فرض مشروعها النهائي. ومع ذلك، لم يتحول هذا العجز المتبادل إلى سلام شامل.
والسبب أن عدم القدرة على الانتصار لا يعني بالضرورة الاستعداد للتسوية. فقد يصل كل طرف إلى قناعة بأنه لا يستطيع تحقيق أهدافه كاملة، لكنه في الوقت نفسه يعتقد أن التنازل الآن سيجعله يخسر أكثر مما سيكسب.
كل طرف يريد سلاماً مختلفاً
المشكلة الأساسية أن كلمة "السلام" لا تعني الشيء نفسه لجميع الأطراف.
بالنسبة إلى الحوثيين، السلام المقبول يجب أن يحافظ على موقعهم كقوة سياسية وعسكرية رئيسية، ويضمن لهم اعترافاً بنفوذهم في مناطق سيطرتهم، ويعالج القضايا الاقتصادية والإنسانية بطريقة لا تؤدي إلى خنق سلطتهم.
أما القوى المناهضة للحوثيين، فجزء كبير منها يرى أن أي اتفاق يعترف بالحوثيين كقوة مسلحة مستقلة قد يعني تثبيت نتيجة الحرب بدلاً من إنهائها.
وفي الجنوب توجد مشكلة أخرى. فبعض القوى الجنوبية لا تعتبر العودة إلى الدولة اليمنية المركزية القديمة انتصاراً، بل ترى أن الحرب فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الجنوب والشمال، وصولاً عند بعض القوى إلى الاستقلال.
وهكذا يمكن أن يجلس الجميع حول طاولة واحدة ويتحدثوا عن "السلام"، بينما يقصد كل طرف شيئاً مختلفاً تماماً.
المشكلة ليست في وقف إطلاق النار فقط
إيقاف القتال أسهل نسبياً من حل أسباب القتال.
يمكن الاتفاق على وقف القصف وفتح الطرق والمطارات والموانئ وتبادل الأسرى ودفع الرواتب. لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟
من يسيطر على الجيش؟
هل يصبح الحوثيون جزءاً من جيش وطني موحد؟ وإذا كان الأمر كذلك، فماذا يحدث لقواتهم الحالية؟
ومن يملك السلاح الثقيل والصواريخ والطائرات المسيرة؟
ومن يتحكم في موارد النفط والغاز؟
وكيف توزع عائدات الدولة؟
وما شكل العلاقة بين صنعاء وعدن؟
وهل اليمن دولة مركزية أم اتحادية؟
وما مصير القضية الجنوبية؟
هذه ليست تفاصيل فنية يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية. إنها في الحقيقة جوهر الحرب نفسها.
ولهذا كان ممكناً أن تهدأ الجبهات من دون أن تنتهي الأزمة.
الحوثيون لا يملكون سبباً كافياً للتخلي عن قوتهم
من منظور الحوثيين، هناك درس تاريخي واضح: كلما امتلكوا قوة عسكرية أكبر، ازدادت قدرتهم على فرض شروطهم السياسية.
ولهذا سيكون من الصعب إقناعهم بالتخلي عن السلاح مقابل وعود سياسية غير مضمونة.
فالحركة تتذكر كيف تعاملت السلطة معها قبل 2011، وكيف انتهت المراحل السياسية السابقة إلى مواجهات عسكرية. ومن منظورها، السلاح ليس مجرد أداة حرب، وإنما ضمانة سياسية.
لكن هذه المعادلة تحمل مشكلة مقابلة: خصوم الحوثيين ينظرون إلى السلاح نفسه باعتباره سبباً رئيسياً في استحالة بناء دولة طبيعية.
وهنا تظهر الدائرة المغلقة: الحوثي يقول إن السلاح ضروري لحماية موقعه، وخصمه يقول إن وجود السلاح هو ما يمنع قيام الدولة.
وخصوم الحوثيين ليسوا مستعدين أيضاً للتنازل
قد يبدو أحياناً أن المشكلة هي رفض الحوثيين وحدهم للتسوية، لكن ذلك سيكون تبسيطاً مخلّاً.
القوى المناهضة للحوثيين نفسها ليست كتلة واحدة. فهناك حكومة معترف بها دولياً، وقوى جنوبية، وقوات محلية، وقوى قبلية وعسكرية، ومصالح إقليمية مختلفة.
وحتى لو اتفقت جميع هذه القوى على مواجهة الحوثيين، فإنها لا تتفق بالضرورة على شكل اليمن بعد انتهاء المواجهة.
وهذه إحدى نقاط القوة التاريخية للحوثيين: خصومهم يستطيعون الاتحاد ضدهم في لحظة الخطر، لكنهم يواجهون صعوبة أكبر في الاتفاق على مشروع مشترك لليمن.
ولذلك فإن أي تسوية لا تعالج الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين قد تنقل الصراع من جبهة إلى أخرى بدلاً من إنهائه.
السلام قد يهدد بعض مراكز القوة
وهنا نعود إلى اقتصاد الحرب الذي ناقشناه في المقال السابق.
هناك قوى بنت نفوذها خلال سنوات الانقسام. وقائد عسكري أصبح صاحب نفوذ كبير، وشبكات اقتصادية نشأت حول المعابر والموانئ والموارد، ومؤسسات محلية أصبحت مرتبطة بسلطات أمر واقع.
السلام يعني إعادة ترتيب هذه المنظومة.
ولهذا لا ينبغي أن نفترض أن كل من يرفع شعار السلام مستعد بالضرورة لدفع ثمنه.
قد يريد طرف إنهاء الحرب بينه وبين خصمه، لكنه لا يريد فقدان موقعه داخل النظام الذي نشأ بسبب الحرب.
وهنا يظهر مفهوم أكثر دقة من "الحرب": السلام المجمد.
أي أن تتوقف المعارك الكبرى، لكن يبقى توزيع القوة كما هو، وتبقى الدولة منقسمة، وتبقى الأسلحة في أيدي القوى المحلية، ويستمر كل طرف في إدارة منطقته.
وهذا الوضع قد يكون مقبولاً مؤقتاً لأنه أقل تكلفة من الحرب الشاملة، لكنه ليس حلاً نهائياً.
العامل الإقليمي تغير.. لكن المشكلة اليمنية بقيت
التحول الأهم في السنوات الأخيرة أن الحسابات الإقليمية لم تعد كما كانت في 2015.
السعودية لم تعد تنظر إلى الحرب بالطريقة نفسها التي نظرت إليها عند بدايتها. وأصبح خفض المخاطر على الحدود وإنهاء الاستنزاف هدفاً أكثر أهمية من السعي إلى نصر عسكري كامل.
وفي المقابل، أصبح الحوثيون يمتلكون أوراقاً إقليمية لم تكن لديهم في بداية الحرب، خصوصاً قدرتهم على التأثير في أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
لكن انتهاء أو تخفيف الصراع السعودي الحوثي لا يعني تلقائياً انتهاء الصراع اليمني.
فهناك فرق بين تسوية بين قوتين وبين إعادة بناء دولة.
قد تنجح الرياض وصنعاء في الوصول إلى تفاهم حول الحدود والأمن والاقتصاد، لكن يبقى سؤال الجنوب، وشكل الدولة، وتقاسم الموارد، والسلاح، ومؤسسات الحكم.
اليمن أمام ثلاثة مسارات
إذا نظرنا إلى المستقبل من دون افتراضات مثالية، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية.
الأول هو سلام شامل وإعادة بناء دولة موحدة. وهذا هو السيناريو الأفضل نظرياً، لكنه الأصعب عملياً لأنه يحتاج إلى اتفاق على السلطة والسلاح والموارد وشكل الدولة، إضافة إلى ضمانات دولية وإقليمية.
الثاني هو دولة اتحادية أو شديدة اللامركزية، بحيث يحتفظ المركز بوظائف أساسية بينما تحصل الأقاليم والمناطق على قدر واسع من السلطة والموارد. وقد يكون هذا حلاً وسطاً بين الوحدة المركزية والانفصال، لكنه سيواجه معارك صعبة حول حدود الأقاليم وموارد النفط والموانئ وموقع صنعاء وعدن.
الثالث هو استمرار الدولة اليمنية على الورق مع استمرار تعدد مراكز القوة على الأرض. وهذا ربما يكون أسهل المسارات على المدى القصير، لكنه يعني أن اليمن يعيش حالة "لا حرب ولا سلام" لفترة طويلة.
وهناك احتمال رابع لا يمكن تجاهله: أن يؤدي فشل التسوية إلى تفكك رسمي أو شبه رسمي، خصوصاً إذا أصبحت الانقسامات السياسية والعسكرية والاقتصادية أكثر رسوخاً. لكن الانفصال نفسه ليس حلاً مضموناً؛ فالجنوب ليس كتلة متجانسة، كما أن الحدود والموارد ومصير المناطق الشرقية ستخلق صراعات جديدة.
المفارقة اليمنية
المفارقة الكبرى أن معظم الأطراف قد تكون وصلت إلى نقطة لا تستطيع فيها تحقيق النصر الكامل، لكنها في الوقت نفسه لم تصل إلى نقطة ترى فيها التسوية أفضل من الوضع القائم.
وهذا يفسر استمرار الأزمة.
الحرب انتهت عملياً كحرب شاملة في كثير من الجبهات، لكنها لم تنته كصراع على شكل الدولة.
وهذه ربما هي أفضل طريقة لفهم اليمن اليوم: لسنا أمام حرب واحدة تنتظر المنتصر، بل أمام مجموعة صراعات متداخلة، بعضها عسكري وبعضها سياسي وبعضها اقتصادي وبعضها إقليمي.
ولذلك فإن إنهاء الحرب اليمنية لن يكون بإسكات السلاح فقط، وإنما بالإجابة عن سؤال أكبر بكثير:
أي يمن سيولد بعد الحرب؟
فإذا بقي هذا السؤال بلا إجابة، فإن وقف إطلاق النار قد يكون مجرد استراحة طويلة بين مرحلتين من الصراع.