
اقتصاد الحرب.. من المستفيد من استمرار الانقسام اليمني؟
الحرب في اليمن لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين يريد كل منهما الانتصار على الآخر. مع مرور السنوات نشأ حول الحرب اقتصاد كامل، له موارده وشبكاته ومصالحه، وأصبح استمرار الانقسام بالنسبة إلى بعض القوى أكثر من مجرد نتيجة للحرب؛ أصبح جزءاً من الطريقة التي تحصل بها على المال والنفوذ والسلطة. وهذا لا يعني بالضرورة أن كل من يستفيد من الحرب يريد استمرارها، ولا يعني أن الحرب صُنعت أساساً من أجل المال، لكنه يعني أن طول الحرب خلق مصالح جديدة قد تقاوم أي تسوية تهددها.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات قسوة في الحالة اليمنية: قد تكون الحرب كارثة على اليمنيين باعتبارهم مجتمعاً، وفي الوقت نفسه فرصة لبعض القوى باعتبارها كيانات سياسية وعسكرية واقتصادية. ولذلك فإن السؤال عن المستفيدين من الحرب لا ينبغي أن يكون سؤالاً عن شخص أو دولة واحدة، بل عن شبكة مصالح نشأت فوق أنقاض الدولة.
السلطة المسلحة.. أكبر المستفيدين من غياب الدولة
أكبر المستفيدين نسبياً من استمرار الانقسام هم القوى التي استطاعت تحويل السيطرة العسكرية إلى سلطة سياسية واقتصادية. فعندما تتراجع الدولة المركزية، تصبح الجهة التي تملك السلاح والأرض والقدرة على فرض الأمن قادرة على إنشاء مؤسساتها الخاصة وجباية الإيرادات وتنظيم التجارة والتحكم في المنافذ وحركة البضائع.
وهذا ينطبق بدرجات مختلفة على أنصار الله في مناطق سيطرتها، كما ينطبق على قوى محلية مختلفة في المناطق المناهضة لها. فالحرب لم تمنح الحوثيين مجرد قوة عسكرية، بل أتاحت لهم بناء سلطة أمر واقع واسعة، بينما أتاحت حالة الانقسام للقوى الأخرى إنشاء تشكيلات عسكرية وأمنية وإدارية لا تخضع جميعها بالضرورة لمركز سياسي واحد.
وهنا تكمن المشكلة في أي مشروع للسلام: السلام لا يعني فقط إسكات المدافع، بل يعني أيضاً السؤال عما سيحدث لهذه البنى بعد توقف الحرب. من سيحتفظ بالسلاح؟ من سيدمج قواته في الجيش؟ من سيتخلى عن نقاط التفتيش والإيرادات؟ من سيقبل بعودة سلطة مركزية تستطيع فرض القانون على الجميع؟
كلما طال الزمن، أصبحت هذه الأسئلة أكثر صعوبة.
اقتصاد الحرب.. عندما يصبح الفوضى مورداً
في المناطق المنقسمة يمكن أن تنشأ مصادر دخل لا تظهر في الاقتصاد الرسمي: الرسوم على المعابر، الجمارك المحلية، الضرائب، تراخيص النشاط التجاري، تهريب السلع، تجارة الوقود، السوق السوداء، الاستفادة من فروق أسعار العملات، وفرض رسوم على حركة البضائع والأشخاص.
ولا يعني ذلك أن كل هذه الأنشطة غير قانونية أو أن كل الإيرادات تذهب إلى جيوب قادة الحرب. بعض هذه الأموال يستخدم فعلاً لدفع رواتب الموظفين أو تشغيل مؤسسات محلية أو تمويل الخدمات. لكن المشكلة أن الاقتصاد عندما يصبح مرتبطاً بسلطات متعددة، يتحول تدريجياً إلى أداة من أدوات تثبيت الانقسام.
فالسلطة التي تعتمد على إيرادات محلية مستقلة قد لا تكون متحمسة كثيراً للعودة إلى نظام مركزي يعيد توزيع هذه الإيرادات. والتاجر الذي اعتاد التعامل مع شبكة معينة من الوسطاء قد يصبح جزءاً من منظومة مصالح لا يريد خسارتها. وحتى الموظف أو المقاتل الذي يعتمد على مؤسسة نشأت أثناء الحرب قد يرى في إعادة بناء الدولة تهديداً لمصدر دخله.
وهكذا لا تعود الحرب مجرد معركة حول الأرض، بل تصبح أيضاً معركة حول من يملك حق تحصيل المال ومن يملك حق توزيعه.
التهريب والسوق السوداء.. المستفيد الخفي
في كل حرب طويلة تظهر شبكات اقتصادية تستفيد من الفجوات التي تخلقها الحدود الداخلية وضعف الرقابة. واليمن ليس استثناءً.
عندما توجد مناطق متعددة ذات سلطات مختلفة، وتختلف أسعار الوقود والعملات والضرائب والرسوم بينها، تنشأ فرص للوسطاء والمهربين والتجار للاستفادة من فروق الأسعار وحركة السلع بين المناطق. وكلما زاد الانقسام الاقتصادي، زادت فرص هذه الأنشطة.
لكن من الخطأ أيضاً تصوير اقتصاد الحرب كله باعتباره اقتصاد تهريب. فالاقتصاد اليمني الحقيقي أكبر بكثير من ذلك، ويضم ملايين الأشخاص الذين يحاولون ببساطة البقاء على قيد الحياة وسط انهيار القوة الشرائية وفرص العمل والخدمات.
المشكلة أن الاقتصاد غير الرسمي يمكن أن يصبح مع مرور الوقت أكثر مرونة من الدولة نفسها. وعندما يحدث ذلك، يصبح إصلاح الاقتصاد مرتبطاً بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وليس بمجرد ضخ الأموال أو تقديم المساعدات.
النخب السياسية والعسكرية.. السلطة التي ولدت من الفراغ
الحرب أعادت توزيع النخب اليمنية. شخصيات فقدت نفوذها في مرحلة، ظهرت بقوة في مرحلة أخرى، وقيادات عسكرية ومحلية اكتسبت وزناً لم يكن لها قبل الحرب، بينما تراجعت شخصيات ومؤسسات كانت تبدو قوية في السابق.
وهذا أمر طبيعي في الحروب الأهلية: السلاح يعيد ترتيب الطبقات السياسية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح شرعية القوة المسلحة أقوى من شرعية المؤسسات. عندها قد يصبح استمرار الانقسام مفيداً لبعض النخب حتى لو لم تكن راغبة في القتال إلى الأبد. فالدولة الموحدة القوية تعني وجود قواعد واحدة للترقية والتعيين والميزانية والجيش والشرطة، بينما تسمح البيئة المنقسمة بتعدد مراكز القوة.
ولهذا فإن أحد أصعب ملفات أي تسوية يمنية لن يكون الاتفاق السياسي على الورق، بل إعادة توزيع النفوذ الذي تراكم خلال سنوات الحرب.
القوى الإقليمية.. هل تستفيد فعلاً من استمرار الحرب؟
السعودية وإيران والإمارات وغيرها ليست مستفيدة بالمعنى البسيط من استمرار الحرب. فالحرب اليمنية كلفت دولاً إقليمية أموالاً وسمعة وموارد، وخلقت لها مخاطر أمنية وسياسية. ولذلك يجب الحذر من التفسير السهل الذي يقول إن دولة ما "تريد الحرب" لأنها تستفيد منها.
الأدق أن نقول إن بعض القوى الخارجية قد ترى في النفوذ الناتج عن الانقسام فائدة استراتيجية، حتى لو كانت تفضل انتهاء القتال نفسه.
إيران، مثلاً، تستفيد استراتيجياً من وجود حليف مسلح وقوي على حدود السعودية وفي منطقة شديدة الحساسية للملاحة الدولية. وفي المقابل، السعودية تريد منع قيام قوة معادية لها ومسلحة بصواريخ وطائرات مسيرة على حدودها. أما الإمارات فقد بنت خلال سنوات الحرب علاقات قوية مع قوى محلية، خصوصاً في الجنوب والساحل، تمنحها نفوذاً يتجاوز مجرد المشاركة العسكرية المباشرة.
لكن هذا لا يعني أن أياً من هذه الدول تستطيع ببساطة التحكم في اليمن كما تشاء. فالقوى اليمنية لديها مصالحها الخاصة، وكثير من التناقضات الموجودة داخل اليمن أقدم من التدخل الخارجي.
المواطن اليمني.. الخاسر الأكبر
في مقابل هذه المكاسب الجزئية، توجد خسارة هائلة موزعة على المجتمع اليمني كله.
الاقتصاد انكمش، البنية التحتية تضررت، المؤسسات انقسمت، العملة تراجعت، فرص العمل تقلصت، الملايين أصبحوا يعتمدون بدرجات مختلفة على المساعدات، وظهرت أجيال كاملة تربت في بيئة الحرب والانقسام.
والأهم أن الخسارة ليست مالية فقط. فالدولة نفسها فقدت جزءاً من معناها. عندما يتعامل المواطن مع أكثر من سلطة، وأكثر من جهاز أمني، وأكثر من نظام اقتصادي، وأكثر من مركز قرار، تصبح فكرة الدولة الموحدة شيئاً نظرياً أكثر منها واقعاً يومياً.
وهنا نصل إلى أخطر آثار اقتصاد الحرب: أنه لا يكتفي باستغلال الأزمة، بل قد يعيد إنتاجها.
فإذا نشأت مصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية حول الانقسام، فإن إنهاء الحرب يصبح تهديداً لهذه المصالح. وكلما أصبح السلام أكثر كلفة على المستفيدين من الوضع القائم، أصبحوا أكثر قدرة على تعطيله أو إفراغه من مضمونه، حتى لو لم يستطيعوا منع توقيع اتفاق سلام رسمي.
من المستفيد إذن؟
ليس هناك "مستفيد واحد" من الحرب اليمنية. هناك مستفيدون من مراحل مختلفة ومن أنواع مختلفة من الفوضى. بعض القوى تستفيد من الأرض، وبعضها من السلاح، وبعضها من الإيرادات، وبعضها من النفوذ السياسي، وبعضها من التجارة، وبعضها من الموقع الجغرافي لليمن.
لكن ينبغي التفريق بين المستفيد من الحرب والمستفيد من الانقسام. فقد تتوقف المعارك بين الحوثيين والسعودية مثلاً، ومع ذلك يبقى الانقسام اليمني قائماً. وقد تتوقف الحرب المفتوحة، لكن تبقى شبكات المصالح التي تشكلت خلالها موجودة.
وهذا يقودنا إلى نتيجة مهمة: أصعب مرحلة في اليمن قد لا تكون إنهاء الحرب، بل إنهاء اقتصاد الحرب الذي نشأ معها.
فالسلام الحقيقي لن يكون مجرد توقيع اتفاق بين القيادات، وإنما عملية طويلة لإعادة دمج المؤسسات، وتوحيد الاقتصاد، وإعادة توزيع الموارد، ودمج القوات المسلحة، وإعادة بناء سلطة مركزية أو صيغة سياسية جديدة يقبل بها اليمنيون.
وهنا يصبح السؤال التالي أكثر تعقيداً: إذا كان معظم الأطراف لا يستطيع تحقيق نصر كامل، وبعضها استفاد من الانقسام، فلماذا لم يتحول ميزان القوى حتى الآن إلى سلام شامل؟ هل المشكلة أن الأطراف لا تريد السلام، أم أن كل طرف يريد سلاماً مختلفاً؟