
كيف اكتشفت الصين أن امتلاك المصانع لا يكفي إذا بقيت بعض مفاتيح التكنولوجيا خارج يدها؟
كان التحول الذي تحدثنا عنه في المقال السابق هائلًا.
الصين التي كانت في نهاية السبعينيات تبحث عن رأس المال والتكنولوجيا والأسواق، أصبحت خلال عقود قليلة واحدة من أكبر القواعد الصناعية في العالم.
- دخلت الشركات الأجنبية.
- وتعلمت الشركات الصينية.
- توسعت المصانع.
- ظهرت سلاسل الموردين.
- تطورت الموانئ والطرق.
- وتحولت الصين إلى مركز ضخم للتصنيع والتصدير.
ثم حدث شيء لم يكن واضحًا في بداية الرحلة. الصين أصبحت قوية بما يكفي لكي تكتشف نقاط ضعفها الجديدة. فالدولة التي لا تستطيع تصنيع شيء تكون ضعيفة بوضوح. لكن الدولة التي تستطيع تصنيع المنتج النهائي، بينما تعتمد في بعض أجزائه الأساسية على الخارج، قد تبدو قوية وهي لا تزال تملك نقاط اختناق حقيقية.
- يمكنك أن تصنع الهاتف، لكن هل تصنع المعالج؟
- يمكنك أن تصنع السيارة، لكن هل تملك كل تقنيات البطارية والمحركات والرقائق؟
- يمكنك أن تنتج الأجهزة الإلكترونية، لكن هل تملك معدات تصنيع أشباه الموصلات؟
- يمكنك أن تبني شبكة اتصالات ضخمة، لكن هل تملك كل التقنيات التي تقوم عليها؟
وهنا عاد السؤال القديم نفسه، ولكن بصورة جديدة تمامًا: هل يمكن أن تكون قويًا إذا كانت بعض مفاتيح قوتك موجودة عند الآخرين؟
من «صنع في الصين» إلى «نعرف كيف نصنع»
في المرحلة الأولى كان النجاح الصيني يقاس بعدد المنتجات التي يمكن تصنيعها.
- كلما زادت المصانع، زادت الصادرات.
- وكلما زادت الصادرات، زاد الدخل.
- وكلما زاد الدخل، توسعت القدرة على الاستثمار.
لكن مع ارتفاع مستوى الصناعة ظهر فرق مهم بين شيئين: امتلاك القدرة على الإنتاج و امتلاك التكنولوجيا التي تجعل الإنتاج ممكنًا.
- قد تستطيع دولة تجميع منتج معقد بكفاءة هائلة، لكنها لا تنتج بعض أكثر مكوناته حساسية.
- وقد تستطيع إنتاج ملايين الأجهزة، لكنها تستورد البرامج أو المعدات أو المواد التي لا تستطيع صناعتها محليًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: أين تقع القيمة الحقيقية؟
- في المصنع؟
- أم في التكنولوجيا التي صممت المنتج؟
- أم في الآلة التي صنعت مكوناته؟
- أم في البرمجيات التي تتحكم في الإنتاج؟
- أم في المعرفة العلمية التي تسمح بتطوير الجيل التالي؟
بدأت الصين تتحرك تدريجيًا نحو الإجابة عن هذه الأسئلة.
الصين لا تريد أن تبقى مجرد «ورشة»
كان هناك فرق بين أن تصبح الصين أرخص مكان لإنتاج منتجات الآخرين، وبين أن تصبح دولة تمتلك شركاتها وتقنياتها ومنتجاتها.
في المرحلة الأولى كان وجود الشركات الأجنبية مفيدًا للغاية.
- كانت الصين تريد الاستثمار.
- وتريد التكنولوجيا.
- وتريد الوصول إلى الأسواق.
- وتريد الوظائف.
- وتريد الخبرة.
لكن النجاح نفسه خلق هدفًا جديدًا: يجب أن تظهر قدرة محلية مستقلة. وهذا لا يعني رفض الشركات الأجنبية. بل يعني أن وجودها لم يعد هو الغاية. الغاية أصبحت بناء منظومة تستطيع الاستمرار والتطور حتى عندما تتغير الظروف الخارجية.
ومن هنا ظهرت سياسة صناعية أكثر تركيزًا على التكنولوجيا والقطاعات الاستراتيجية. وأصبحت أشباه الموصلات، والاتصالات، والطيران والفضاء، والطاقة، والمركبات الكهربائية، والبطاريات، والذكاء الاصطناعي وغيرها، جزءًا من سؤال أوسع:
هل تستطيع الصين أن تمتلك التكنولوجيا التي تحتاج إليها قوتها الصناعية؟
«صنع في الصين 2025»: خطوة في هذا الاتجاه
في عام 2015 أطلقت الصين مبادرة «صنع في الصين 2025»، التي ركزت على رفع مستوى التصنيع وتطوير قطاعات صناعية وتكنولوجية متقدمة.
لم تكن الفكرة مجرد إنتاج كميات أكبر. كان هناك انتقال في الهدف: من التصنيع منخفض التكلفة إلى التصنيع عالي القيمة والتكنولوجيا. وهذا فرق جوهري. الدولة التي تريد أن تصنع الملابس تحتاج إلى عمالة ومصانع. أما الدولة التي تريد أن تصنع معدات الطيران أو الروبوتات أو الرقائق فتحتاج إلى:
- جامعات،
- ومختبرات،
- ومهندسين،
- وبراءات،
- وسلاسل موردين متخصصة،
- ورأس مال ضخم،
- وتراكم معرفي طويل.
أي أن الانتقال من «مصنع العالم» إلى «قوة تكنولوجية» أصعب بكثير من الانتقال من الزراعة إلى المصانع. ومع ذلك بدأت الصين في محاولة هذا الانتقال.
التكنولوجيا أصبحت مسألة أمن قومي
وهنا تغير معنى التكنولوجيا. في السابق كان شراء التكنولوجيا من الخارج جزءًا طبيعيًا من التنمية. إذا كانت شركة صينية تستطيع شراء آلة أفضل من أوروبا أو اليابان أو الولايات المتحدة، فلماذا تصنعها بنفسها؟ طالما أن التجارة مفتوحة، قد يكون الاستيراد أرخص وأسرع. لكن هذه المعادلة تتغير عندما يصبح المنتج أو التقنية نقطة اختناق استراتيجية. أحد أوضح الأمثلة هو أشباه الموصلات. فهي ليست مجرد مكونات صغيرة داخل الأجهزة.
الرقائق أصبحت أساسًا للحوسبة والاتصالات والذكاء الاصطناعي والسيارات والأنظمة الصناعية والعسكرية. ولهذا أصبحت القدرة على تصميمها وتصنيعها، وكذلك إنتاج المعدات اللازمة لصناعتها، جزءًا من القدرة الوطنية. وهنا بدأت الصين تنظر إلى هذا القطاع بصورة مختلفة.
الدراسات المتخصصة تشير إلى أن السعي الصيني إلى تقليل الاعتماد على الخارج في أشباه الموصلات بدأ قبل قيود التصدير الأمريكية الواسعة عام 2022، لكنه اكتسب قوة أكبر بعد أزمات مثل قضية شركة «زد تي إي» عام 2018، ثم تسارعت جهود التوطين مع القيود الأمريكية وحلفائها. وهذه نقطة مهمة جدًا. لم تبدأ القصة لأن أمريكا أغلقت الباب فقط. كانت الصين قد بدأت أصلًا تسأل: ماذا لو أُغلق الباب يومًا؟
درس «زد تي إي»
في عام 2018 تعرضت شركة الاتصالات الصينية «زد تي إي» لأزمة كبيرة بعد إجراءات أمريكية حدّت من قدرتها على الحصول على مكونات وتقنيات أمريكية. كانت القضية بالنسبة لشركة واحدة، لكنها حملت بالنسبة لصناع السياسة الصينيين درسًا أكبر:
إذا كانت شركة ضخمة يمكن أن تتعرض لأزمة لأن بعض المكونات والتقنيات الحيوية تأتي من الخارج، فماذا يحدث لو أصبح الأمر متعلقًا بقطاعات كاملة؟ وهنا تحولت فكرة الاعتماد على الذات من هدف صناعي طويل المدى إلى مسألة أمن اقتصادي وتكنولوجي. وهذا يفسر لماذا أصبحت أشباه الموصلات في السنوات التالية واحدة من أكثر الصناعات حساسية في الاستراتيجية الصينية.
الرقائق: أصغر من أن تراها، وأكبر من أن تستغني عنها
أشباه الموصلات تقدم أفضل مثال على الفرق بين الصناعة والاستقلال الصناعي. قد تكون الصين قادرة على إنتاج عدد هائل من الأجهزة الإلكترونية. لكن صناعة الرقائق نفسها سلسلة طويلة للغاية. هناك:
- التصميم،
- وبرمجيات التصميم،
- والمواد،
- والمعدات،
- والتصنيع،
- والاختبار،
- والتغليف.
وكل حلقة تحتاج إلى معرفة متخصصة. ولهذا فإن امتلاك مصنع رقائق لا يعني بالضرورة امتلاك الصناعة كلها. وقد أصبحت القيود الأمريكية وحلفائها منذ 2022 تستهدف أجزاء متعددة من هذه السلسلة، خصوصًا الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها وبعض تقنيات التصميم. وفي الوقت نفسه دفعت هذه القيود الصين إلى تسريع الاستثمار في البدائل المحلية.
وهنا يظهر أحد أهم التحولات في القصة: الصين لم تعد تريد فقط شراء التكنولوجيا التي تحتاج إليها؛ تريد أن تملك القدرة على إنتاج التكنولوجيا التي قد تحتاج إليها غدًا.
ولكن الاستقلال لا يعني أن الصين صنعت كل شيء
وهنا يجب الحذر من صورة معاكسة تمامًا.
من الخطأ الانتقال من: «الصين تعتمد في بعض المجالات على التكنولوجيا الأجنبية» إلى: «الصين أصبحت مكتفية ذاتيًا بالكامل». هذا غير صحيح. الصناعات التكنولوجية الحديثة مترابطة عالميًا إلى درجة هائلة. حتى الدول الأكثر تقدمًا تعتمد على سلاسل دولية. والصين نفسها لا تزال تواجه اختناقات في بعض التقنيات المتقدمة، خصوصًا في أجزاء من سلسلة أشباه الموصلات والمعدات المرتبطة بها.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن الصين حققت تقدمًا في توطين بعض الشرائح والمعدات، لكن مستويات التقدم تختلف بشدة بين أجزاء سلسلة القيمة؛ كما أن أهداف التوطين الحكومية لا تعني أنها تحققت بالكامل.
إذن المقصود بالاستقلال هنا ليس: «لن نحتاج إلى أحد.» بل أقرب إلى: «لن تكون هناك نقطة واحدة يستطيع الخارج من خلالها تعطيل قدرتنا على العمل والتطور.» وهذا فرق مهم جدًا.
الاستقلال لا يعني الانغلاق
وهذه ربما إحدى أهم مفارقات المشروع الصيني. في المقال السادس رأينا أن الصين احتاجت إلى الانفتاح كي تتعلم. وفي المقال السابع رأينا أنها أصبحت جزءًا من الاقتصاد العالمي. والآن نصل إلى نتيجة تبدو للوهلة الأولى عكس ذلك: الصين تريد تقليل اعتمادها على الخارج. لكنها لا تعني بالضرورة العودة إلى اقتصاد مغلق.
فالانفتاح يمكن أن يستمر، والتجارة يمكن أن تستمر، والاستثمار الأجنبي يمكن أن يستمر، بينما تسعى الدولة في الوقت نفسه إلى تقوية القطاعات التي ترى أنها حساسة. بمعنى آخر: الهدف ليس قطع العلاقات، بل تقليل قابلية الابتزاز أو التعطيل عبر الاعتماد المفرط. وهذه الفكرة تساعد على فهم الفرق بين مرحلتين:
- في الثمانينيات والتسعينيات: نحتاج إلى العالم كي نتعلم.
- في المرحلة التالية: نحتاج إلى العالم للتجارة، لكن نحتاج أيضًا إلى أن نمتلك قدراتنا الخاصة.
من التقليد إلى الابتكار
وهنا تظهر مرحلة أكثر صعوبة.
- يمكنك أن تتعلم من منتج موجود.
- يمكنك أن تفككه.
- يمكنك أن تصنع نسخة أرخص.
- يمكنك أن تحسن الإنتاج.
لكن ماذا تفعل عندما لا يكون المنتج موجودًا أصلًا؟ هنا لا يكفي التقليد. تحتاج إلى:
- بحث علمي،
- جامعات قوية،
- مختبرات،
- علماء،
- تمويل طويل الأجل،
- شركات قادرة على تحمل المخاطر،
- وسوق يمكن أن يستوعب التكنولوجيا الجديدة.
ولهذا أصبحت الصين تدفع بصورة أكبر نحو البحث والتطوير والابتكار الأصلي. وفي الخطة الصينية الحالية للسنوات 2026–2030، ما زالت «الاعتماد على الذات والقوة في العلوم والتكنولوجيا» من الأهداف المعلنة، مع التركيز على الاختراقات في التقنيات الأساسية وربط البحث العلمي بالصناعة.
أي أن المسألة انتقلت من: كيف نستخدم التكنولوجيا؟ إلى: كيف ننتج التكنولوجيا؟ وهذا انتقال حضاري واقتصادي أكبر بكثير.
لماذا البطاريات والسيارات الكهربائية مهمة؟
ربما تكون السيارات الكهربائية مثالًا أوضح على محاولة الصين تحويل القوة الصناعية إلى قوة تكنولوجية. الصناعة الصينية لم تدخل هذا القطاع من نقطة الصفر. كانت لديها:
- مصانع،
- وسلاسل موردين،
- وسوق داخلية ضخمة،
- قدرات في الإلكترونيات،
- قدرات في البطاريات،
- ومصانع ضخمة.
فإذا جمعت هذه العناصر مع سياسة صناعية طويلة المدى، يمكن أن تنتقل من إنتاج سيارة إلى بناء منظومة كاملة حول السيارة.
- البطارية.
- المحرك.
- الإلكترونيات.
- البرمجيات.
- الشحن.
- المواد.
- وسلسلة الموردين.
وهنا نرى مرة أخرى الفائدة التي بنتها الصين في المقال السابع. الصناعة القديمة أصبحت قاعدة للصناعة الجديدة. لم تبدأ الصين كل مرة من الصفر. كانت كل طبقة تبني فوق الطبقة السابقة.
الفضاء: من شراء المعرفة إلى امتلاك المنظومة
ينطبق الأمر نفسه على الفضاء. الفضاء ليس منتجًا واحدًا. إنه يحتاج إلى:
- صواريخ،
- محركات،
- مواد متقدمة،
- إلكترونيات،
- اتصالات،
- أقمار صناعية،
- برمجيات،
- مراكز إطلاق،
- علماء،
- ومؤسسات بحثية.
وهكذا تصبح المشاريع الكبرى وسيلة لتطوير عشرات الصناعات في الوقت نفسه. وهذه إحدى خصائص القوة التكنولوجية. عندما تستطيع الدولة تنفيذ مشروع معقد جدًا، فإنها لا تحصل فقط على المنتج النهائي. بل تطور شبكة من القدرات التي يمكن استخدامها في مجالات أخرى. ولهذا فإن بعض القطاعات الاستراتيجية تُعامل في الصين باعتبارها أكثر من مجرد أعمال تجارية. إنها مدارس لبناء القدرة الوطنية.
الاتصالات: عندما تصبح الشبكة نفسها قوة
شهدت شركات الاتصالات الصينية أيضًا هذا الانتقال. في البداية كانت الصين تستخدم معدات وتقنيات أجنبية. ثم ظهرت شركات صينية ضخمة مثل هواوي وغيرها. وأصبحت الصين لاعبًا كبيرًا في معدات شبكات الاتصالات. وهنا أصبح لديها شيء لم يكن موجودًا في مرحلة «مصنع العالم»: شركة صينية لا تصنع منتجًا لحساب شركة أجنبية، بل تبيع تقنية ومنتجات إلى العالم نفسه. وهذا تحول هائل.
لم تعد الصين في الطرف الأخير من سلسلة القيمة فقط. بدأت تتحرك إلى مواقع أعلى داخلها. ومن هنا نفهم معنى عنوان المقال: من تقليد العالم إلى صناعة العالم. لم تعد المسألة إنتاج ما اخترعه الآخرون فقط. بل بدأت تظهر شركات ومنظومات صينية تنافس في ابتكار وتطوير منتجات وتقنيات خاصة بها.
ثم جاء الإنترنت والذكاء الاصطناعي
مع ظهور الاقتصاد الرقمي، حصل تحول آخر. الإنترنت لم يكن مجرد قطاع جديد. لقد أصبح طبقة فوق قطاعات الاقتصاد كلها.
- التجارة.
- المدفوعات.
- النقل.
- التصنيع.
- الإعلانات.
- الخدمات.
- الذكاء الاصطناعي.
- البيانات.
وهنا أصبحت القدرة التكنولوجية أكثر ارتباطًا بالقدرة الاقتصادية. ولهذا فإن الصين لم تتعامل مع التكنولوجيا الرقمية باعتبارها مجرد قطاع استهلاكي. أصبحت جزءًا من مشروع تحديث الصناعة والدولة. وفي الخطط الصينية الحالية يظهر الربط بين الذكاء الاصطناعي والتصنيع والعلوم والتعليم والبنية التحتية الرقمية، ضمن مفهوم أوسع لتطوير «قوى إنتاجية جديدة» قائمة على التكنولوجيا.
وهذا يعني أن الصناعة التي بدأت في المقال السابع تنتقل الآن إلى مستوى آخر: مصنع ذكي، ثم صناعة ذكية، ثم اقتصاد يعتمد على التكنولوجيا في طريقة إنتاجه نفسها.
الاعتماد المتبادل لا يختفي
لكن هنا تظهر مفارقة أخرى. كلما تقدمت التكنولوجيا، أصبح من الصعب أكثر تحقيق استقلال كامل.
- فالرقاقة تحتاج إلى مواد.
- والمواد تحتاج إلى معادن.
- والمعادن تحتاج إلى التعدين.
- والتعدين يحتاج إلى دول وأسواق.
- والآلة تحتاج إلى أجزاء.
- والبرنامج يحتاج إلى معرفة.
- والشركة تحتاج إلى سوق.
- والسوق يحتاج إلى التجارة.
أي أن الاقتصاد العالمي الحديث مبني على اعتماد متبادل شديد التعقيد. لذلك فإن مفهوم الاستقلال الصيني لا يمكن فهمه باعتباره «الانفصال عن العالم». الأدق هو أنه محاولة لتقليل نقاط الضعف الحرجة داخل هذا الاعتماد المتبادل. أي أن الصين لا تحتاج بالضرورة إلى أن تصنع كل شيء. لكنها تريد ألا يكون هناك شيء حاسم إذا انقطع عنها انهارت منظومة كاملة.
وهنا دخلت السياسة الدولية إلى قلب الاقتصاد
في المرحلة الأولى كان الاقتصاد يقود الصين نحو العالم. لكن مع ارتفاع وزن الصين الاقتصادي والتكنولوجي، بدأ الاقتصاد نفسه يصبح جزءًا من التنافس بين الدول.
- أصبحت التكنولوجيا قضية أمن قومي.
- وأصبحت أشباه الموصلات قضية استراتيجية.
- وأصبحت سلاسل التوريد قضية أمن اقتصادي.
- وأصبحت الاتصالات والطاقة والمواد الخام جزءًا من الحسابات الجيوسياسية.
ومنذ 2022 أصبحت القيود الأمريكية والحليفة على بعض تقنيات الرقائق المتقدمة أحد أبرز الأمثلة على هذا التداخل بين الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا. لكن من المهم أن نقرأ هذه المرحلة في الاتجاهين. فالقيود تهدف، بحسب المواقف الأمريكية المعلنة والتحليلات المتخصصة، إلى الحد من قدرة الصين على الوصول إلى بعض التقنيات المتقدمة ذات الاستخدامات الاستراتيجية.
وفي المقابل، دفعت هذه القيود الصين إلى تسريع جهود التوطين وتقليل الاعتماد على التقنيات المقيدة. أي أن كل طرف يحاول تقليل نقاط ضعفه، بينما قد تؤدي هذه العملية نفسها إلى مزيد من الانقسام في بعض سلاسل التكنولوجيا العالمية.
من «مصنع العالم» إلى «منظومة العالم»
في المقال السابع كانت الصين تصنع منتجات العالم. أما الآن فالصورة بدأت تتغير. الصين تريد أن تكون موجودة في:
- المادة الخام،
- والآلة،
- والمصنع،
- والرقاقة،
- والبطارية،
- والبرنامج،
- والشبكة،
- والمنتج النهائي.
أي أنها تحاول الصعود داخل سلسلة القيمة كلها. وهذا أكثر أهمية من مجرد زيادة الصادرات. لأن الدولة التي تملك جزءًا صغيرًا من سلسلة الإنتاج تكون أرباحها وقدرتها محدودة. أما الدولة التي تمتلك أجزاء متعددة منها، فتملك مساحة أكبر للمناورة. ولهذا أصبحت الصين تستثمر في المجالات التي كانت تعتمد فيها على الخارج. ليس لأنها تريد بالضرورة أن تلغي التجارة، بل لأنها تريد أن يصبح موقعها في التجارة أكثر قوة.
والطريق إلى الاستقلال يمر أيضًا خارج الصين
هناك جانب آخر من القصة. إذا أصبحت الصين تحتاج إلى مواد خام وطاقة وأسواق، فإن بناء الاستقلال التكنولوجي داخل البلاد لا يحل كل المشكلة. وهنا تظهر أهمية علاقاتها الاقتصادية الخارجية.
- الاستثمار في الموانئ.
- الطرق والسكك الحديدية.
- مشاريع الطاقة.
- الممرات التجارية.
- التجارة مع آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.
- ومبادرة الحزام والطريق.
هذه ليست كلها مشروعًا واحدًا له تفسير واحد، ولا يمكن اختزالها في «بحث عن الموارد». لكنها جميعًا تدخل في سؤال أوسع: كيف تبني الصين اقتصادًا عالميًا أقل تعرضًا لنقطة اختناق واحدة؟ وهنا تبدأ الصين في الانتقال من الاعتماد على طريق تجاري واحد أو مجموعة محدودة من الشركاء إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات. وهذا سيقودنا لاحقًا إلى سؤال العلاقة مع الغرب.
القوة الجديدة لها تعريف مختلف
في القرن التاسع عشر كانت القوة تعني إلى حد كبير:
- السفن،
- والمدافع،
- والجيش.
وفي القرن العشرين أصبحت تشمل:
- المصانع،
- والطاقة،
- والسكك الحديدية،
- والإنتاج الضخم.
أما في القرن الحادي والعشرين فقد أصبح تعريف القوة أكثر تعقيدًا. القوة تعني أيضًا:
- من يملك الرقائق؟
- من يملك شبكات الاتصالات؟
- من يملك البيانات؟
- من يملك تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
- من يملك البطاريات؟
- من يملك سلاسل المعادن؟
- من يملك معدات التصنيع؟
- من يستطيع إنتاج ما يحتاج إليه إذا انقطعت التجارة؟
- ومن يستطيع أن يستمر إذا قررت دولة أخرى استخدام موقعها الاقتصادي للضغط عليه؟
وهكذا تغير السؤال الذي بدأ في القرن التاسع عشر، لكنه لم يختفِ. كيف لا تصبح الصين ضعيفة؟
- الإجابة في القرن التاسع عشر كانت البحث عن الأسلحة الحديثة.
- ثم أصبحت البحث عن الصناعة.
- ثم أصبحت التنمية.
- والآن أصبحت: امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على إنتاجهما.
خاتمة المرحلة: الصين لا تريد أن تكون قوية في الشيء الذي يستطيع الآخرون إيقافه
بدأت الصين مشروعها الحديث وهي تحتاج إلى العالم. وهذا الاحتياج كان ضروريًا.
- فمن خلال العالم تعلمت.
- ومن خلال الاستثمار الأجنبي صنعت.
- ومن خلال الأسواق العالمية نمت.
- ومن خلال التجارة أصبحت مصنعًا عالميًا.
لكن النجاح نفسه كشف المشكلة التالية. إذا كانت بعض أهم مفاتيح الصناعة والتكنولوجيا خارج حدودك، فإنك لم تصل بعد إلى الاستقلال الذي كنت تبحث عنه. ولهذا تحركت الصين من مرحلة: استيراد التكنولوجيا
- إلى: تعلم التكنولوجيا
- ثم: تطوير التكنولوجيا
- ثم: محاولة امتلاك التكنولوجيا الأساسية.
ولم يحدث هذا التحول فجأة بسبب الصراع مع الولايات المتحدة. كانت جذوره موجودة قبل ذلك، لكن التوتر التكنولوجي والقيود على الرقائق جعلت السؤال أكثر إلحاحًا وسرّعت بعض جهود التوطين. والنتيجة أن الصين أصبحت اليوم في وضع مختلف جذريًا عن الصين التي دخلت مرحلة الإصلاح.
- لم تعد مجرد دولة تحاول اللحاق بالعالم.
- ولم تعد مجرد مصنع للعالم.
بل أصبحت دولة تملك قدرات تكنولوجية وصناعية كبيرة، وفي الوقت نفسه لا تزال تواجه فجوات ونقاط اعتماد خارجية في بعض المجالات المتقدمة. وهذا يعني أن مشروع «القوة» لم ينته. بل تغير مرة أخرى.
فالصين التي كانت في المقال السادس تبحث عن طريق للخروج من القاع، وفي السابع تبني قاعدة صناعية ضخمة، أصبحت الآن أمام سؤال أكثر صعوبة: كيف تصبح قوة كبرى من دون أن تتحول قوتها الاقتصادية والتكنولوجية نفسها إلى اعتماد جديد على الأسواق والنظام الذي نشأت داخله؟
وهنا نصل إلى مفارقة المرحلة التالية.
- فالصين احتاجت إلى الغرب كي تتعلم.
- ثم احتاجت إليه كي تفتح الأسواق.
- ثم أصبحت منافسًا له.
- وبدأت في الوقت نفسه تبحث عن تقليل اعتمادها عليه.
لكن العالم الذي بنت قوتها داخله لم يعد عالمًا يمكنها تجاهله. فكيف تغيرت العلاقة بين الصين والغرب من علاقة تعلّم واعتماد إلى علاقة منافسة ومحاولة للاستقلال؟
هذا هو سؤال المقال التاسع:
الصين والغرب: من طلب التعلم إلى رفض الاعتماد
ليس الهدف أن نكتب تاريخ العلاقات الصينية الأمريكية كله، فهذا سيخرجنا من خط السلسلة. بل نتابع سؤالًا واحدًا فقط:
كيف انتقلت الصين من النظر إلى الغرب باعتباره مصدرًا للمعرفة والتكنولوجيا والفرص، إلى التعامل معه باعتباره في الوقت نفسه شريكًا ومنافسًا ومصدرًا محتملًا للضغط؟
وهنا سنرى أن التحول لم يكن قرارًا صينيًا منفردًا، ولا نتيجة حدث واحد، بل نتيجة صعود الصين نفسها وتغير موقعها داخل النظام الدولي.