الصين وقرن الاهانة: الصين والغرب: من طلب التعلم إلى رفض الاعتماد

كيف انتقلت الصين من النظر إلى الغرب باعتباره مدرسةً للتقدم إلى التعامل معه باعتباره شريكًا ومنافسًا ومصدرًا محتملًا للضغط؟

 في بداية طريق الخروج من ضعفها، لم تكن الصين تنظر إلى الغرب باعتباره خصمًا يجب الابتعاد عنه، بل باعتباره أحد المصادر التي يمكن أن تتعلم منها. كانت المشكلة الصينية في تلك المرحلة واضحة: الصين تريد أن تصبح قوية، لكنها لا تمتلك بعد الأدوات التي تمكنها من ذلك. لذلك كان العالم الخارجي مدرسة مفتوحة أمامها. التكنولوجيا الغربية، رأس المال، الخبرة الصناعية، أساليب الإدارة، الأسواق، الجامعات، والشركات متعددة الجنسيات؛ كلها كانت أدوات يمكن استخدامها لبناء قاعدة القوة التي افتقدتها الصين.

وهنا ظهرت مفارقة مهمة في التجربة الصينية. الصين لم تدخل النظام الاقتصادي العالمي لأنها كانت قد أصبحت قوية، وإنما دخلته لكي تصبح أقوى.

كان الانفتاح، في جانب كبير منه، وسيلة للتعلم. وكانت الشركات الأجنبية بالنسبة للصين أكثر من مجرد مستثمرين؛ كانت جزءًا من عملية نقل المعرفة والخبرة وربط الاقتصاد الصيني بشبكات الإنتاج العالمية. وكلما اندمجت الصين في الاقتصاد العالمي، أصبحت قادرة على إنتاج المزيد، والتصدير أكثر، وتراكم الخبرة الصناعية بسرعة أكبر.

ثم حدث شيء لم يكن واضحًا في البداية: نجحت الخطة. وبمجرد أن نجحت، تغيرت طبيعة العلاقة نفسها. 

الغرب الذي كان مدرسة

لم يكن الطريق الذي سلكته الصين بعد عام 1978 طريقًا يقوم على الانغلاق عن العالم. على العكس، كان أحد أهم عناصره هو الاستفادة من العالم الخارجي مع الاحتفاظ بدرجة كبيرة من السيطرة على اتجاه الاقتصاد الداخلي. أنشأت الصين مناطق اقتصادية خاصة، استقبلت الاستثمار الأجنبي، شجعت التجارة، وأدخلت نفسها تدريجيًا في شبكات الإنتاج الدولية.

ثم جاءت عضوية منظمة التجارة العالمية في 11 ديسمبر 2001، بعد نحو خمسة عشر عامًا من المفاوضات. ولم تكن العضوية مجرد إضافة اسم الصين إلى منظمة دولية؛ فقد ارتبطت بسلسلة من الالتزامات المتعلقة بفتح الأسواق وتعديل القواعد التجارية والقانونية وتهيئة الاقتصاد الصيني لمزيد من الاندماج في الاقتصاد العالمي.

وهكذا أصبحت الصين جزءًا أساسيًا من النظام الذي كانت تتعلم منه. وهذه نقطة مهمة في فهم التجربة كلها. الصين لم تتعامل مع الانفتاح باعتباره تخليًا عن مشروعها الوطني، بل استخدمته كأداة لبناء ذلك المشروع.

  • كانت تستورد التكنولوجيا، ثم تتعلم استخدامها.
  • وتستقبل الشركات الأجنبية، ثم تبني حولها شبكة من الموردين المحليين.
  • وتصدر المنتجات، ثم تراكم الخبرة.
  • وتستفيد من الأسواق الغربية، ثم توسع صناعتها.
  • ومع الوقت، لم تعد العلاقة ببساطة: الغرب ينتج والصين تتعلم.
  • بدأت الصين تنتج، ثم تنافس.

عندما أصبح الطالب كبيرًا

في البداية كان من السهل النظر إلى الصين باعتبارها اقتصادًا ناميًا يستفيد من انتقال المصانع إليه. لكن المصانع لم تبقَ مجرد مصانع. حولها نشأت شبكات ضخمة من الموردين، وموانئ، وطرق، ومؤسسات مالية، ومدن صناعية، وجامعات، ومهندسين، وشركات محلية. ومع تراكم الخبرة، بدأت الصين تتحرك تدريجيًا من تجميع المنتجات إلى تصنيع أجزاء أكثر تعقيدًا منها، ثم إلى تطوير منتجات وتقنيات خاصة بها. ولذلك فإن التحول الصيني لم يكن مجرد انتقال للعمالة الرخيصة إلى المصانع. لقد كان تراكمًا للقدرة.

وهذا ما جعل اندماج الصين في الاقتصاد العالمي مختلفًا عن مجرد فتح سوق جديدة أمام الشركات الأجنبية. فقد ساهم هذا الاندماج في تحويل الصين إلى مركز صناعي هائل، بينما استفادت الشركات الأجنبية في الوقت نفسه من السوق الصينية ومن شبكات الإنتاج التي أصبحت تتمركز فيها.

وتصف منظمة التجارة العالمية عضوية الصين بأنها كانت حدثًا محوريًا في اندماجها التجاري، مشيرة إلى أن الإصلاحات المرتبطة بالعضوية ساهمت في تحول اقتصادي سريع وتحديث واسع. لكن نجاح الصين أنتج مشكلة جديدة.

  • فكلما أصبحت الصين أكثر قوة، أصبحت أكثر اعتمادًا على العالم.
  • وكلما أصبحت أكثر اعتمادًا على العالم، ظهرت نقاط ضعف جديدة.

المشكلة الجديدة: ماذا لو توقف العالم عن إعطائنا ما نحتاجه؟

هنا تغير السؤال. 

  • في المرحلة السابقة كان السؤال: كيف نحصل على التكنولوجيا؟
  • ثم أصبح: كيف نتعلم التكنولوجيا؟
  • ثم: كيف نصنع التكنولوجيا؟
  • لكن مع صعود الصين ظهر سؤال أخطر: ماذا يحدث إذا أصبحت التكنولوجيا التي نحتاجها تحت سيطرة طرف آخر؟

وهنا نصل إلى جوهر التحول الذي تناولناه في المقال السابق. امتلاك مصنع للهواتف لا يعني امتلاك المعالج.

  • وامتلاك مصنع للسيارات لا يعني بالضرورة امتلاك كل تقنيات البطاريات والبرمجيات والمعدات.
  • وامتلاك شركات اتصالات ضخمة لا يعني امتلاك كل الشرائح والبرمجيات والمكونات الأساسية التي تقوم عليها الشبكات.

القوة الصناعية كشفت للصين أن هناك طبقة أعمق من القوة: من يملك المفاتيح التي لا يستطيع الآخرون الاستغناء عنها؟ وهذه هي النقطة التي بدأت عندها العلاقة مع الغرب تتغير بصورة جوهرية.

لحظة «زد تي إي»

من أكثر الأمثلة وضوحًا على ذلك أزمة شركة «زد تي إي» عام 2018. كانت الشركة الصينية تعتمد بدرجة كبيرة على مكونات وتقنيات أمريكية، خصوصًا الشرائح المستخدمة في منتجات الاتصالات والهواتف. وبعد انتهاكات مرتبطة بالعقوبات الأمريكية على إيران، فرضت الولايات المتحدة قيودًا منعت الشركة من الحصول على التكنولوجيا الأمريكية لفترة، الأمر الذي أصاب نشاطها بصدمة شديدة.

المهم هنا ليس تفاصيل القضية القانونية نفسها. المهم هو ما كشفته. شركة صينية كبيرة يمكن أن تمتلك المصانع والعمال والمهندسين والأسواق، لكنها قد تجد نفسها عاجزة عن الاستمرار إذا انقطع عنها مكوّن تقني أساسي تسيطر عليه شركات خارجية.

كانت هذه لحظة مختلفة عن مجرد خسارة تجارية. لقد كشفت معنى جديدًا للاعتماد. يمكن أن تكون الدولة قوية اقتصاديًا، لكنها تظل ضعيفة استراتيجيًا إذا كانت بعض مفاتيح اقتصادها موجودة في الخارج.

وتشير دراسات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن السعي الصيني لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية كان موجودًا قبل أزمة «زد تي إي»، لكن أزمة 2018 جعلت هذا الهدف أكثر إلحاحًا وأدخلته بصورة أوضح في إطار الأمن القومي.

وهنا أصبحت التكنولوجيا شيئًا مختلفًا. لم تعد مجرد وسيلة لزيادة الإنتاج. أصبحت جزءًا من الأمن الوطني.

من «صنع في الصين» إلى «نعرف كيف نصنعه»

هذا هو التحول الحقيقي. في مرحلة «مصنع العالم» كان السؤال الأساسي: كم تستطيع الصين أن تنتج؟

أما في المرحلة الجديدة فأصبح السؤال: ما الذي تستطيع الصين إنتاجه دون أن يكون هناك طرف خارجي يستطيع إيقافها؟ والفارق بين السؤالين هائل.

يمكن لدولة أن تنتج ملايين الهواتف، لكنها إذا كانت تعتمد على شرائح أو برمجيات أو معدات تصنيع لا تستطيع الحصول عليها عند حدوث أزمة، فإن جزءًا من قوتها يظل خارج سيطرتها. ولهذا لم يعد الهدف مجرد زيادة الإنتاج. 

  • أصبح الهدف امتلاك سلسلة القيمة نفسها.
  • من البحث العلمي إلى التصميم.
  • ومن التصميم إلى البرمجيات.
  • ومن البرمجيات إلى المعدات.
  • ومن المعدات إلى التصنيع.
  • ومن التصنيع إلى الاختبار والتطبيق.

وهذا ما يفسر التركيز الصيني المتزايد على «الاعتماد الذاتي» في التكنولوجيا. وليس معنى ذلك أن الصين تريد بالضرورة أن تنتج كل شيء بنفسها أو أن تنعزل عن العالم. المعنى الأهم هو تقليل عدد النقاط التي يمكن أن تتحول فيها العلاقات التجارية إلى نقاط اختناق استراتيجية. وهذا فرق جوهري بين الاكتفاء الذاتي الكامل والاستقلال في التقنيات الحيوية.

  • الأول يعني أن الدولة لا تحتاج إلى العالم.
  • أما الثاني فيعني أنها تستطيع التعامل مع العالم دون أن يكون بقاؤها متوقفًا على استمرار وصولها إلى بعض التقنيات الحساسة.

وهنا بدأ الغرب يتغير أيضًا

لكن من الخطأ أن نفهم القصة وكأن الصين وحدها غيرت موقفها بينما ظل الغرب ثابتًا. الغرب نفسه بدأ ينظر إلى الصين بصورة مختلفة كلما تغير حجم الصين وقدراتها. عندما كانت الصين دولة فقيرة تحتاج إلى التكنولوجيا والأسواق، كان صعودها الاقتصادي يبدو في كثير من القطاعات فرصة تجارية هائلة. لكن عندما أصبحت الصين قوة صناعية وتكنولوجية قادرة على منافسة شركات غربية في قطاعات متقدمة، أصبحت العلاقة أكثر تعقيدًا.

  • لم تعد الصين مجرد سوق. أصبحت أيضًا منافسًا.
  • ولم تعد مجرد مصنع. أصبحت تنتج شركات وتقنيات تستطيع المنافسة خارج حدودها.
  • ولم تعد مجرد مستورد للتكنولوجيا. بدأت تسعى إلى امتلاك التكنولوجيا نفسها.

وهنا ظهرت ملفات الاتصالات، والرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والمعدات الصناعية، والطاقة، والسيارات الكهربائية وغيرها، باعتبارها مجالات تتداخل فيها التجارة مع الأمن والتنافس الاستراتيجي. ولذلك بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها باستخدام أدوات لم تكن جزءًا من العلاقة الاقتصادية القديمة بنفس الدرجة، ومنها قيود على بعض صادرات التكنولوجيا المتقدمة، وخصوصًا تقنيات أشباه الموصلات.

ومنذ 2022 توسعت القيود الأمريكية وحلفائها على تقنيات متقدمة مرتبطة بالرقائق والذكاء الاصطناعي ومعدات تصنيع أشباه الموصلات. وتشير دراسة حديثة إلى أن هذه القيود عطلت بعض جوانب وصول الصين إلى التقنيات المتقدمة، لكنها في الوقت نفسه أعطت دفعًا إضافيًا لجهود توطين صناعة الرقائق داخل الصين.

وهنا تظهر مفارقة أخرى. كلما حاولت الصين تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية، أصبحت هذه المسألة نفسها مصدرًا للمنافسة بين الصين والغرب.

هل رفضت الصين الغرب؟

هنا يجب الحذر من تبسيط القصة. الصين لم تنتقل ببساطة من: «نحب الغرب» إلى «نكره الغرب». ولم تنتقل العلاقات من التعاون إلى القطيعة. الذي تغير هو وظيفة الغرب داخل المشروع الصيني.

  • في البداية كان الغرب مصدرًا للتعلم.
  • ثم أصبح شريكًا تجاريًا.
  • ثم أصبح جزءًا من شبكة الإنتاج العالمية التي تعتمد عليها الصين.
  • ثم أصبح في بعض القطاعات منافسًا.
  • وفي قطاعات استراتيجية معينة أصبح أيضًا مصدرًا محتملًا للضغط.

وهذه المراحل يمكن أن تتعايش في الوقت نفسه. فقد تكون الصين منافسًا لشركة غربية في قطاع معين، وشريكًا لها في قطاع آخر، وسوقًا رئيسية لها في قطاع ثالث. وقد تكون الصين في الوقت نفسه حريصة على التجارة العالمية، وفي الوقت ذاته حريصة على تقليل اعتمادها على بعض التكنولوجيا الأجنبية. وهذا ليس تناقضًا بالضرورة. إنه نتيجة طبيعية لانتقال دولة من موقع الطرف الأضعف في العلاقة إلى موقع قوة كبيرة داخلها.

لكن هناك جانبًا آخر من القصة

إذا كانت الصين تخشى الاعتماد على الغرب، فإن الغرب نفسه أصبح يعتمد على الصين في قطاعات واسعة من الإنتاج وسلاسل التوريد. وهكذا لم تعد العلاقة علاقة تبعية باتجاه واحد. أصبحت شبكة اعتماد متبادلة، وإن كانت هذه الشبكة غير متساوية في كل قطاع. وهنا ظهر مصطلح مهم في السياسة والاقتصاد الحديث: تقليل المخاطر، وليس بالضرورة قطع العلاقة بالكامل. فالدول والشركات بدأت تبحث عن طرق لتقليل تعرضها لنقطة واحدة يمكن أن تتسبب في انهيار سلسلة التوريد. 

والصين نفسها تفعل الشيء ذاته. فهي تسعى إلى تطوير السوق المحلية، وتوسيع علاقاتها التجارية، وتطوير تقنياتها المحلية، وتنويع مصادر المواد والطاقة والتكنولوجيا.

وفي الوقت نفسه لا تزال سياستها الاقتصادية الرسمية تجمع بين هدفين قد يبدوان متناقضين ظاهريًا: مزيد من الاعتماد على القدرات الذاتية في العلوم والتكنولوجيا، مع استمرار الانفتاح والتعاون الاقتصادي الخارجي. وتؤكد وثائق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للفترة 2026–2030 على بناء نظام صناعي حديث، وتعزيز الاعتماد الذاتي والقوة في العلوم والتكنولوجيا، مع مواصلة الانفتاح عالي المستوى.

وهذه ربما أفضل طريقة لفهم الاتجاه الصيني الحالي: ليس الانفصال عن العالم، بل محاولة جعل الصين أقل قابلية للضغط إذا تغيرت علاقة الصين بالعالم.

من الغرب كمدرس إلى الغرب كمنافس

وهنا نصل إلى التحول الذي استغرق عقودًا كاملة. في بداية الطريق كانت الصين تقول عمليًا: لدينا مشكلة في القوة، فلنتعلم من العالم.

  • ثم: لقد تعلمنا، فلنستخدم ما تعلمناه لبناء الصناعة.
  • ثم: لقد أصبحت لدينا صناعة، لكن بعض مفاتيحها ما زالت خارجنا.
  • ثم: علينا أن نمتلك هذه المفاتيح.

وعندما بدأت الصين تفعل ذلك، أصبح الغرب ينظر إليها بصورة مختلفة أيضًا. فالدولة التي كانت تستورد التكنولوجيا أصبحت تحاول إنتاجها. والاقتصاد الذي كان يستقبل المصانع أصبح يخرج شركات تنافس الشركات التي جاءت إليه. والدولة التي كانت تعتمد على الأسواق الخارجية أصبحت تمتلك سوقًا داخلية ضخمة وشبكات تجارية عالمية. والطرف الذي كان يتعلم قواعد النظام بدأ يمتلك من القوة ما يسمح له بالتأثير في النظام نفسه.

لم يعد الغرب إذن «المعلم» في القصة الصينية. لكنه لم يتحول أيضًا إلى «عدو» بالمعنى البسيط. أصبح شيئًا أكثر تعقيدًا: شريكًا ومنافسًا ومصدرًا للتكنولوجيا، وفي الوقت نفسه مصدرًا محتملًا للقيود والضغط. وهذا هو بالضبط ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن المراحل السابقة.

المفارقة التي صنعت المرحلة الجديدة

المفارقة الكبرى أن الصين استخدمت النظام العالمي لكي تصبح قوية، ثم عندما أصبحت قوية اكتشفت أن استمرار اعتمادها على بعض أجزاء ذلك النظام يمكن أن يصبح نقطة ضعف. أي أن النجاح نفسه خلق المشكلة الجديدة. الانفتاح الذي سمح للصين بالتعلم ساعدها على بناء اقتصاد صناعي ضخم. والاقتصاد الصناعي الضخم جعلها أكثر أهمية للعالم. وأهميتها جعلتها منافسًا في قطاعات متزايدة. والمنافسة دفعت إلى إجراءات تهدف إلى حماية بعض التقنيات والأسواق. وهذه الإجراءات بدورها دفعت الصين إلى تسريع بناء البدائل المحلية.

وبذلك أصبح العالم الذي ساعد الصين على بناء قوتها جزءًا من البيئة التي تدفعها الآن إلى البحث عن استقلال أكبر. وهنا اكتملت حلقة مهمة في مشروع الخروج من «قرن الإهانة». 

  • في الماضي كانت المشكلة أن الصين لم تكن قادرة على منع الآخرين من فرض إرادتهم عليها.
  • ثم تعلمت أن القوة الاقتصادية والصناعية شرط للاستقلال.
  • ثم اكتشفت أن القوة الاقتصادية نفسها يمكن أن تظل محدودة إذا كانت مفاتيح التكنولوجيا الأساسية خارجها.
  • فأصبحت القوة تعني شيئًا أوسع: أن تمتلك الدولة القدرة على الاستمرار حتى عندما تتغير الظروف الخارجية.

وهذا يفسر لماذا أصبحت الشرائح الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والبرمجيات، والمعدات الصناعية، والمواد المتقدمة، والطاقة، والبيانات، والشبكات، جزءًا من مفهوم الأمن والقوة في الصين الحديثة.

  • لقد تغير تعريف القوة مرة أخرى.
  • لم تعد القوة أن تمتلك جيشًا قويًا فقط.
  • ولم تعد أن تمتلك مصانع كثيرة فقط.

بل أن تمتلك القدرة على إنتاج ما تحتاجه، وتطوير ما لا تملكه، والحفاظ على عمل اقتصادك عندما تصبح البيئة الخارجية أكثر صعوبة. وهكذا انتقلت الصين خلال العقود الماضية من مرحلة كان الغرب فيها مصدرًا للتعلم، إلى مرحلة أصبح فيها الغرب جزءًا من شبكة الاعتماد المتبادل، ثم إلى مرحلة أصبح فيها منافسًا في بعض المجالات ومصدرًا محتملًا للضغط في مجالات أخرى.

لكن السؤال الذي يظل مفتوحًا هو الأهم: هل وصلت الصين فعلًا إلى النقطة التي تستطيع فيها أن تقول إن ضعفها القديم لم يعد قابلًا للتكرار؟ فهي أصبحت دولة صناعية كبرى، وقوة اقتصادية، وقوة عسكرية، وتملك قدرات تكنولوجية واسعة، وتسعى إلى مزيد من الاستقلال في التقنيات الحيوية. لكنها في الوقت نفسه ما زالت جزءًا من الاقتصاد العالمي، وتعتمد على التجارة والأسواق وسلاسل التوريد الدولية، وما زالت تواجه فجوات تقنية في بعض المجالات.

لذلك فإن السؤال الأخير في هذه السلسلة لا ينبغي أن يكون: 

  • هل أصبحت الصين أقوى؟ فالجواب واضح تاريخيًا.
  • بل السؤال الأصعب: هل خرجت الصين فعلًا من الحالة التي صنعت «قرن الإهانة»؟

وهنا نصل إلى المقال الأخير: الصين اليوم، لا باعتبارها صورة دعائية لقوة مكتملة، ولا باعتبارها دولة ما زالت أسيرة الماضي، وإنما باعتبارها نتيجة لهذا الطريق الطويل كله: ماذا بنت؟ ماذا تغير؟ وما الذي بقي من نقاط الضعف القديمة في دولة أصبحت واحدة من أهم القوى في العالم؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.