حين تغيب الشرطة: لماذا ينهب بعض الناس ولا يفعل الآخرون؟

ما الذي يمنع الإنسان من الاعتداء على ممتلكات الآخرين حين تنفلت الشوارع من الرقابة؟

في أكتوبر 2026، عادت مشاهد الاضطرابات إلى واجهة الأخبار الأوروبية. في فرنسا، بدأت مظاهرات شارك فيها طلاب ونقابيون وفئات أخرى، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية والخدمات العامة، ثم تحولت بعض التجمعات إلى مواجهات مع الشرطة، وإحراق للممتلكات ونهب للمتاجر. وفي ميلانو الإيطالية، شهدت احتجاجات أخرى أعمال تخريب ونهب دفعت الحكومة إلى إعلان إجراءات أمنية مشددة ونشر مزيد من الجنود.

لم يكن جميع المشاركين في هذه الاحتجاجات مخربين، ولم تتحول جميع التجمعات إلى العنف. لكن المشاهد التي انتشرت من بعض المدن أعادت طرح سؤال يتجاوز أسباب الاحتجاجات ومطالبها: لماذا يستغل بعض الناس الفوضى للاستيلاء على أموال الآخرين، بينما يمتنع آخرون عن ذلك، حتى عندما تتراجع الرقابة ويصبح الاعتداء ممكنًا؟

المسألة هنا ليست تبرير الاحتجاج أو إدانته، بل فهم ما يحدث للسلوك الإنساني عندما تضعف سلطة القانون.

حين يتحول الغضب إلى فرصة

ليس كل من يخرج إلى الشارع يحمل الدافع نفسه. هناك من يريد التعبير عن موقف سياسي أو اجتماعي، وهناك من يشارك تضامنًا مع الآخرين، وهناك من يدخل في المواجهات بدافع الغضب. ثم تظهر، في بعض الحالات، فئة لا يعنيها المطلب الأصلي بقدر ما يعنيها استغلال الفوضى.

عندما تُحطم واجهة متجر، وتغيب الشرطة عن المكان، قد يرى شخص في المشهد فرصة للاستيلاء على البضائع. وقد ينضم إليه آخرون، ثم يتحول الفعل الفردي إلى مشهد جماعي، فيشعر كل مشارك بأن مسؤوليته أقل لأن الآخرين يفعلون الشيء نفسه.

لكن غياب الرقابة لا يجعل السرقة مشروعة، والغضب من الحكومة لا يمنح صاحبه حق الاعتداء على متجر أو منزل أو سيارة لا يملكها.

وقد يكون صاحب المتجر الذي يتعرض للنهب شخصًا عاديًا، يعمل لتأمين معيشته، أو يشغّل عددًا من العمال الذين قد يخسرون وظائفهم بسبب ما حدث. وهكذا قد تنتهي بعض صور الاحتجاج بإلحاق الضرر بأشخاص لا علاقة لهم بالمطالب التي خرج المحتجون من أجلها.

هل عرف العرب هذا المشهد؟

عرفته بعض البلدان العربية أيضًا، ولا يصح تجاهل ذلك عند المقارنة.

ففي تونس، بعد فرار زين العابدين بن علي في يناير 2011، شهدت البلاد أعمال نهب وحرق في ظل اضطراب أمني واسع. وفي مصر خلال الأيام الأولى من ثورة يناير، أدى انسحاب الشرطة من مناطق عديدة إلى ظهور مخاوف من السرقة والاعتداء على المتاجر والمنازل.

لكن المشهد المصري والتونسي تضمّن أيضًا جانبًا آخر: مواطنون خرجوا لحراسة الأحياء، وحماية المتاجر، وتنظيم دوريات ليلية، ومساعدة الجيش في حفظ الأمن. وفي بعض الأماكن، حاول السكان منع اللصوص من استغلال غياب الشرطة.

هذه الوقائع لا تسمح بالقول إن المجتمعات العربية محصنة ضد النهب، لكنها تذكرنا بأن المجتمع الواحد قد يُظهر سلوكين متناقضين في اللحظة نفسها: من يستغل الفوضى، ومن يعتبر حماية ممتلكات الآخرين مسؤولية لا يجوز التخلي عنها.

والسؤال الذي يستحق التأمل ليس أي شعب يخلو من الجريمة، بل لماذا تتغلب لدى بعض الناس نزعة الاستغلال، بينما تتغلب لدى آخرين نزعة الحماية والتضامن؟

الوازع الديني: هل يتوقف احترام الحقوق عند غياب القانون؟

في المجتمعات التي يحتل الدين فيها مكانة مؤثرة، لا تقتصر حرمة أموال الناس على وجود قانون يعاقب المعتدي. فالسرقة محرمة حتى لو لم يرَ الإنسان أحد، وحتى لو كان احتمال القبض عليه ضعيفًا.

ومن هذه الزاوية، يستطيع الوازع الديني أن يؤدي وظيفة تتجاوز الخوف من العقوبة: أن يمنع الإنسان من فعل ما يراه خطأ، حتى عندما يستطيع فعله دون أن يُحاسب.

فلا يصبح مال الغير مباحًا لأن صاحبه غني، ولا لأن المتجر تابع لشركة كبيرة، ولا لأن الإنسان غاضب من السلطة، ولا لأن البلاد تمر بأزمة. كما أن رفض الظلم لا يمنح الفرد الحق في ممارسة الظلم على شخص آخر.

لكن هذه الوظيفة الأخلاقية للدين لا تتحقق بمجرد الانتماء إليه أو ممارسة الشعائر. فقد يكون الإنسان متدينًا في مظهره، لكنه يتجاوز حقوق الآخرين عندما تتعارض مع مصلحته. وقد يلتزم شخص غير متدين بحرمة الممتلكات انطلاقًا من ضميره وتربيته ومبادئه.

لذلك، ليست المسألة في مقدار التدين الذي يعلنه الإنسان، بل في ما إذا كانت القيم التي يؤمن بها تتحول إلى حدود يرفض تجاوزها حين تتاح له الفرصة.

المجتمع الذي يضبط سلوك أفراده

لا يعمل الوازع الديني منفردًا. فالتربية الأسرية، والعلاقة بالجيران، والسمعة الاجتماعية، والشعور بالمسؤولية تجاه المحيط، كلها قد تجعل الاعتداء على ممتلكات الآخرين فعلًا مرفوضًا حتى في غياب الشرطة.

في بعض البيئات، لا ينظر الإنسان إلى السرقة باعتبارها مخالفة للقانون فحسب، بل باعتبارها عارًا وخيانة للأمانة واعتداءً على حقوق قد تكون مرتبطة بأشخاص يعرفهم أو بأسر تعيش في محيطه.

وقد يكون هذا الرفض أقوى عندما تتضافر المرجعية الدينية مع التربية والعلاقات الاجتماعية؛ فيشعر الفرد أن احترام أموال الآخرين جزء من التزامه الأخلاقي، وليس مجرد إجراء يفرضه النظام العام.

وفي المقابل، قد تضعف هذه الضوابط عندما تتفكك الروابط الاجتماعية، أو تتراجع الثقة المتبادلة، أو يعتقد الفرد أن ما يفعله لن يثير اعتراضًا من محيطه. وقد يزداد ذلك وضوحًا في الحشود التي يشعر أفرادها بأنهم مجهولون، وأن المسؤولية ستضيع بينهم.

ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن المجتمعات العربية كلها تحتفظ بهذه الروابط بالدرجة نفسها، أو أن المجتمعات الأوروبية تفتقر إليها. فالاحتجاجات الأوروبية نفسها تضم أعدادًا كبيرة من المشاركين الذين يرفضون العنف والنهب، كما أن المجتمعات العربية شهدت حالات انهارت فيها الضوابط الأمنية والاجتماعية.

لماذا يختلف السلوك بين مجتمع وآخر؟

قد تلفت مشاهد النهب في بعض الاضطرابات الأوروبية الانتباه أكثر من مشاهد مماثلة في احتجاجات عربية أخرى. لكن المشاهد الإعلامية وحدها لا تكفي لإثبات أن مجتمعًا أكثر أخلاقًا من مجتمع آخر؛ فهي تعرض الأحداث الأكثر صخبًا، ولا تكشف بالضرورة ما فعله معظم المشاركين.

ومع ذلك، فإن اختلاف السلوك بين البيئات يستحق البحث والتأمل. فالدين، والتربية، وطبيعة العلاقات الاجتماعية، ومدى احترام الملكية الخاصة، والخوف من العقوبة، كلها عوامل قد تتداخل في تشكيل سلوك الإنسان عندما تضعف الرقابة.

وقد يفسر ذلك لماذا يمتنع شخص عن أخذ ما ليس له، بينما يستغل آخر اللحظة نفسها لسرقته. لكن لا ينبغي اختزال المسألة في عامل واحد، أو تحويلها إلى حكم مسبق على شعب أو ثقافة.

فالمجتمع لا يُختبر فقط في أوقات الهدوء، حين تكون الشرطة حاضرة والقوانين نافذة، بل يُختبر أيضًا في اللحظات التي تتراجع فيها الرقابة ويصبح تجاوز الحدود ممكنًا.

الاختبار الحقيقي للأخلاق

في الظروف العادية، يستطيع القانون أن يردع كثيرًا من السلوكيات، لكن لا توجد دولة تستطيع وضع شرطي أمام كل متجر أو منزل أو ممتلكات خاصة. ولهذا يحتاج المجتمع إلى ما يتجاوز الرقابة الخارجية: إلى ضمير فردي، وتربية، وقيم مشتركة تجعل الاعتداء على حقوق الآخرين أمرًا مرفوضًا حتى حين يغيب العقاب.

وهنا يمكن للوازع الديني أن يؤدي دورًا مهمًا، عندما يجعل احترام المال والحقوق التزامًا لا يتغير بتغير الظروف. كما يمكن للتربية والروابط الاجتماعية أن تعززا هذا الالتزام وتمنحاه حضورًا في الحياة اليومية.

لكن القيمة الحقيقية لأي منظومة أخلاقية لا تظهر في الشعارات التي يرفعها الناس عن أنفسهم، بل في السلوك الذي يختارونه عندما تتاح لهم فرصة مخالفتها.

فحين تغيب الشرطة، لا يتحول الجميع إلى لصوص، ولا يصبح الجميع حراسًا. ما يظهر هو اختلاف الحدود التي يحملها الناس في داخلهم، وما إذا كانت تلك الحدود قادرة على الصمود عندما تصبح مخالفتها ممكنة.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.