مفارقة الألوهية البشرية: هل يستطيع العقل السليم أن يؤمن بما تنفيه معرفته عن ذاته؟
ليس غريبًا أن يدّعي الإنسان ما ليس فيه. فالإنسان يستطيع أن يكذب، وأن يتظاهر، وأن يصنع لنفسه صورة يعرف في داخله أنها زائفة. وقد يدّعي السلطة أو المعرفة أو القداسة أو حتى الألوهية، لا لأنه يصدق دعواه، بل لأنه اكتشف أن الآخرين مستعدون لتصديقها.
الغريب يبدأ في مكان آخر تمامًا: ماذا لو كان الإنسان لا يدّعي الألوهية فقط، بل يؤمن بها حقًا؟
هنا لا تعود المسألة سياسية ولا أخلاقية، بل تصبح مسألة تتعلق بطبيعة الوعي نفسه.
فالإنسان لا يحتاج إلى برهان خارجي لكي يعرف أنه إنسان. معرفته بحدوده ليست نظرية تلقاها من الآخرين، وإنما حقيقة يعيشها في كل لحظة. لقد وُلد، وله أب وأم، ويجوع ويعطش، يمرض ويتألم، يجهل أشياء كثيرة، يحتاج إلى غيره، ويتعرض لما لا يستطيع منعه. جسده نفسه شهادة مستمرة على محدوديته.
الإله، وفق المعنى المطلق للكلمة، هو نقيض هذه المحدودية: لا يحتاج، ولا يعجز، ولا يجهل، ولا يخضع لقوة خارجة عنه. ولذلك فإن المسافة بين الإنسان والإله هنا ليست فرقًا في الدرجة، كما بين قوي وضعيف أو عالم وجاهل؛ إنها فرق في طبيعة الوجود نفسه.
ومن هنا تنشأ المفارقة.
إذا قال إنسان سليم العقل: «أنا إله»، مع علمه بأنه ليس كذلك، فلا توجد مفارقة حقيقية. إنه يكذب. وقد يكون للكذب غرض سياسي أو مادي أو اجتماعي، لكن الكذب يظل مفهومًا عقليًا بسيطًا: الحقيقة شيء، وما يقوله عنها شيء آخر.
أما إذا كان يؤمن بأن قوله حقيقة، فالمشكلة تصبح أعمق. إذ كيف يمكن للوعي أن يحتفظ في اللحظة نفسها بمعرفتين متناقضتين عن الشيء ذاته: أن يعرف الإنسان نفسه بوصفه كائنًا محدودًا، وأن يعتقد في الوقت ذاته أنه الكائن المطلق؟
ليس المقصود هنا التناقض بين فكرتين فلسفيتين مجردتين، بل بين الاعتقاد وبين التجربة المباشرة. الإنسان لا يقرأ عن ضعفه ثم يستنتجه؛ إنه يختبره. المرض ليس قضية نظرية، والعجز ليس استنتاجًا، والموت ليس مفهومًا مجردًا. إنها وقائع تصطدم بها الذات في وجودها اليومي.
ولهذا فإن تفسير الألوهية بمجرد الغرور لا يكفي. الغرور تضخيم لصورة الذات، لكنه لا يلغي إدراكها لطبيعتها. قد يرى المغرور نفسه أعظم من الآخرين، وقد يعتقد أنه أذكى أو أقوى أو أحق بالحكم، لكنه يظل قادرًا على معرفة أنه يحتاج إلى الطعام وأنه قابل للمرض والموت.
أما الاعتقاد الحقيقي بالألوهية المطلقة فيقتضي شيئًا مختلفًا: أن تصبح الوقائع التي تكشف محدودية الذات غير قادرة على إنتاج النتيجة التي ينتجها العقل السليم منها.
وهنا يجب الفصل بين الكذب والوهم.
الكاذب يحتفظ بالحقيقة ثم يخالفها في كلامه. إنه يعرف الفاصل بين الواقع والادعاء، ولذلك يستطيع أن يعيش داخليًا دون أن يقع في التناقض الذي يبدو للآخرين.
أما من يؤمن فعلًا بأنه إله، فإن المشكلة ليست أنه اختار أن يقول عكس الحقيقة، وإنما أن العلاقة بين وعيه والحقيقة نفسها قد تغيرت. لم تعد الحقيقة الخارجية قادرة على تصحيح الاعتقاد بالطريقة المعتادة.
ومن هذه الزاوية، لا يكون ادعاء الألوهية في حالة العقل السليم تفسيرًا مناسبًا بحد ذاته. فإذا استُبعد الكذب المتعمد، والاستعارة، والرمزية، والمفاهيم الثقافية التي تستخدم لفظ «الإله» بمعنى مختلف، وبقي أمامنا إنسان يؤمن حرفيًا بأنه الإله المطلق، فإننا نكون أمام حالة لا يمكن تفسيرها بالغرور وحده.
إنها تتطلب اضطرابًا في بنية الاعتقاد أو في اختبار الواقع.
وهذا لا يعني أن كل من نُسب إليه ادعاء الألوهية في التاريخ كان مختلًا. تلك مسألة أخرى؛ فقد يكون الادعاء من صنع السلطة، أو من صنع أتباع الحاكم، أو من صنع رواية تاريخية لاحقة. كما أن استعمال لفظ «إله» في ثقافة ما قد لا يطابق مفهوم الإله المطلق الذي نقصده اليوم.
لكن إذا تجاوزنا الرواية والتأويل، ووضعنا أمامنا الحالة باعتبارها واقعة مكتملة: إنسان سليم الإدراك يعرف أنه بشر، ثم يؤمن بأنه الإله المطلق، فإن التناقض لا يمكن إخفاؤه خلف كلمة «غرور».
فالإنسان يستطيع أن يكذب على الآخرين بشأن حقيقته، لكنه لا يستطيع، وهو محتفظ بوعيه السليم، أن يجعل معرفته بذاته ونقيضها حقيقة واحدة في الوقت نفسه.
ومن هنا ربما يكون السؤال الأعمق ليس:
لماذا ادعى بعض البشر أنهم آلهة؟
بل:
ما الذي يحدث للوعي عندما يفقد الحد الفاصل بين ما يعرفه الإنسان عن نفسه وما يريد أن يكونه؟
عند هذه النقطة تتحول الألوهية من قضية تتعلق بطموح الإنسان إلى مرآة تكشف هشاشة الوعي نفسه. فالإنسان قادر على اختلاق صورة عن ذاته، وقادر على جعل الآخرين يؤمنون بها، لكنه حين يفقد القدرة على التمييز بين الصورة والحقيقة، لا يعود أمام مجرد كذبة ناجحة؛ بل أمام انهيار في العلاقة بين الذات والواقع.
وهنا يكمن الفارق الحاسم: من يقول «أنا إله» وهو يعرف أنه ليس إلهًا يكذب؛ أما من يؤمن بأنه إله رغم معرفته الإنسانية السليمة، فقد أصبح السؤال عن صحة اعتقاده أقل أهمية من السؤال عن سلامة الآلية التي أنتجت هذا الاعتقاد.