اليمن: الدولة بعد الوحدة: علي عبد الله صالح: إدارة الدولة بالتوازن لا بالمؤسسات

حين تحولت السلطة إلى شبكة بقاء داخل دولة هشة

بعد الوحدة اليمنية، لم يكن التحدي الحقيقي هو إعلان قيام دولة موحدة، بل كيفية إدارة هذا الكيان المركب الذي جمع داخله:

  • بنى قبلية

  • إرثًا اشتراكيًا مختلفًا

  • نفوذًا عسكريًا متشعبًا

  • وتوازنات مناطقية معقدة

في هذا السياق، لم يظهر علي عبد الله صالح بوصفه “باني دولة حديثة” بالمعنى التقليدي، بل كمدير توازنات داخل فضاء يصعب إخضاعه عبر المؤسسات وحدها.

وهنا تكمن خصوصية تجربته:
فالسلطة لم تُدار أساسًا عبر مؤسسات مستقرة وقواعد واضحة، بل عبر شبكة دقيقة من التحالفات والاحتواء وإعادة توزيع النفوذ.


الدولة بعد الوحدة: مركز سياسي فوق بنية غير مستقرة

الوحدة اليمنية لم تُنتج تلقائيًا مركزًا وطنيًا قويًا، بل وضعت السلطة أمام مهمة شبه مستحيلة:
كيف يمكن إدارة فضاء يحمل داخله مراكز قوة متعددة ومتناقضة أحيانًا؟

كان هناك:

  • جيش متعدد الولاءات

  • قبائل تمتلك نفوذًا فعليًا

  • نخب جنوبية وشمالية مختلفة

  • ومجتمع لم يتحول بعد إلى إطار وطني مندمج بالكامل

في هذا الواقع، لم يكن ممكنًا إدارة الدولة بمنطق مؤسساتي صارم كما في الدول المستقرة نسبيًا.


صالح: السلطة كفن للبقاء

ما ميّز علي عبد الله صالح ليس بناء نظام مؤسسات حديثة، بل قدرته على البقاء داخل بيئة شديدة التقلب.

السلطة في عهده اعتمدت على:

  • التوازن بين القوى

  • توزيع الامتيازات

  • وإدارة التناقضات بدل حسمها

لم يكن الهدف دائمًا إنهاء مراكز النفوذ المنافسة، بل إبقاءها داخل معادلة يمكن التحكم بها نسبيًا.

وهكذا، أصبحت الدولة أقرب إلى شبكة علاقات معقدة، لا جهازًا إداريًا متماسكًا بالكامل.


الجيش والقبيلة: شراكة الضرورة

في كثير من الدول، يُفترض أن يحتكر الجيش القوة لصالح الدولة المركزية.
لكن في اليمن، بقيت العلاقة أكثر تعقيدًا.

فالجيش لم يكن منفصلًا بالكامل عن:

  • القبيلة

  • المصالح المحلية

  • أو شبكات النفوذ التقليدية

ولهذا، لم تعمل السلطة على إلغاء هذه الروابط، بل على إعادة توظيفها داخل النظام السياسي.

الدولة هنا لم تُضعف القبيلة بالكامل، والقبيلة لم تُسقط الدولة بالكامل؛ بل نشأت بينهما علاقة تبادل نفوذ مستمرة.


المؤسسات كواجهة… لا كأساس كامل للحكم

رغم وجود مؤسسات رسمية:

  • حكومة

  • برلمان

  • أجهزة إدارية

فإن القرار الحقيقي كثيرًا ما كان يُدار عبر التفاهمات غير الرسمية.

هذا لا يعني غياب الدولة بالكامل، بل يعني أن المؤسسات لم تكن المصدر الوحيد للسلطة.

في العمق، كانت هناك:

  • شبكات ولاء

  • تحالفات شخصية

  • وموازين قوة متغيرة

وهكذا، أصبحت الدولة تعمل بمنطق “الإدارة السياسية للتوازن” أكثر من عملها بمنطق المؤسسات الصلبة.


الاستقرار عبر الاحتواء لا عبر الحسم

واحدة من أهم سمات هذه المرحلة أن النظام لم يسعَ دائمًا إلى القضاء الكامل على خصومه أو منافسيه.

بدل ذلك، كان يميل إلى:

  • الاحتواء

  • إعادة الدمج

  • أو توزيع النفوذ بطريقة تمنع الانفجار الشامل

هذه الاستراتيجية منحت النظام قدرة طويلة نسبيًا على البقاء، لكنها حملت داخلها مشكلة خطيرة:
أن الدولة نفسها بقيت معتمدة على استمرار التوازنات الهشة.


الاقتصاد المحدود وإعادة توزيع الولاءات

في ظل اقتصاد محدود وضعيف نسبيًا، أصبحت الموارد أداة سياسية بامتياز.

لم تكن الدولة تملك فائضًا اقتصاديًا كبيرًا يسمح ببناء مؤسسات قوية ومستقلة، لذلك جرى استخدام:

  • الوظائف

  • الامتيازات

  • والعلاقات الاقتصادية

كوسائل لإدارة الولاءات والحفاظ على الاستقرار النسبي.

وهكذا، أصبح الاقتصاد جزءًا من شبكة السلطة، لا مجالًا منفصلًا عنها.


دولة تبدو مستقرة… لكنها مؤجلة الانفجار

في الظاهر، استطاع النظام الحفاظ على قدر من الاستقرار مقارنة بمراحل سابقة.
لكن هذا الاستقرار لم يكن قائمًا على حل التناقضات البنيوية، بل على إدارتها وتأجيل انفجارها.

فالمشكلات الأساسية بقيت حاضرة:

  • هشاشة المركز

  • تعدد مراكز القوة

  • الفوارق المناطقية

  • وضعف الاندماج الوطني الكامل

ومع تراكم الضغوط، بدأت هذه التوازنات تصبح أكثر هشاشة بمرور الوقت.


من إدارة الدولة إلى إدارة الأزمة الدائمة

مع الوقت، تحولت السلطة تدريجيًا من مشروع بناء دولة إلى عملية إدارة مستمرة للأزمات:

  • أزمة ولاءات

  • أزمة اقتصاد

  • أزمة توازنات داخلية

  • وضغوط إقليمية ودولية متزايدة

وهنا بدأت الدولة تبدو أقل ككيان مستقر، وأكثر كنظام يحاول منع الانهيار الكامل عبر إعادة توزيع النفوذ باستمرار.


خلاصة: السلطة كشبكة لا كمؤسسة

تكشف مرحلة علي عبد الله صالح أن الدولة اليمنية بعد الوحدة لم تُبنَ على أساس مؤسسات حديثة مكتملة، بل على معادلة أكثر تعقيدًا:
إدارة مجتمع متشظٍ عبر شبكة واسعة من التوازنات السياسية والاجتماعية والعسكرية.

هذه المعادلة منحت النظام قدرة طويلة على البقاء، لكنها جعلت الدولة نفسها مرتبطة بشخصية السلطة وشبكات النفوذ أكثر من ارتباطها بمؤسسات مستقرة قابلة للاستمرار بمعزل عنها.

وفي المقال القادم، سنقترب أكثر من البنية العميقة لهذه الشبكات، عبر تحليل العلاقة بين الجيش والقبيلة وإعادة توزيع القوة داخل الدولة اليمنية الحديثة.

سلسلة: اليمن: الدولة التي لم تخرج من الجغرافيا


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.