حين تتقدم السلطة كعلاقات لا كمؤسسات

في المرحلة التي تلت الوحدة وما تلاها من إدارة سياسية طويلة، لم تعد الدولة اليمنية تُفهم فقط عبر مؤسساتها الرسمية، بل عبر شبكة أعمق وأكثر تأثيرًا: شبكة المصالح غير المعلنة التي تربط الجيش بالقبيلة وبمراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي.
هنا لا نتحدث عن انهيار الدولة، بل عن شكل مختلف من عملها؛ حيث تتراجع المؤسسة لصالح العلاقة، ويتقدم التوازن غير الرسمي على النظام القانوني الصارم.
في هذا السياق، يصبح سؤال “من يحكم اليمن؟” أقل أهمية من سؤال “كيف تُدار القوة داخل الدولة؟”.
الجيش: مؤسسة رسمية بامتدادات غير رسمية
يُفترض في الجيوش الحديثة أن تكون أداة احتكار الدولة للعنف.
لكن في الحالة اليمنية، ظل الجيش أقرب إلى بنية متعددة الطبقات.
فهو من جهة:
مؤسسة رسمية تابعة للدولة
ومن جهة أخرى:شبكة ولاءات داخلية
وتقاطعات مع النفوذ السياسي والقبلي
هذا التداخل جعل الجيش ليس كتلة موحدة، بل مجالًا لإعادة توزيع القوة بين مراكز متعددة.
وبالتالي، لم يكن الجيش خارج المجتمع، بل امتدادًا له داخل بنية الدولة نفسها.
القبيلة: سلطة اجتماعية داخل الدولة لا خارجها
على عكس التصور السطحي، لم تكن القبيلة في اليمن كيانًا خارج الدولة، بل كانت جزءًا من آليات عملها.
فالقبيلة:
توفر شبكات حماية ونفوذ
وتلعب دورًا في التوازنات المحلية
وتشارك في إعادة إنتاج السلطة على المستوى السياسي
وهذا جعل العلاقة بين الدولة والقبيلة ليست علاقة صراع دائم فقط، بل علاقة دمج جزئي وتبادل نفوذ.
الدولة لم تستطع إلغاء القبيلة، والقبيلة لم تستطع إسقاط الدولة، بل تشكل بينهما نظام توازن طويل.
القوة كشبكة لا كهرم هرمي
في النماذج الكلاسيكية للدولة، تُفهم السلطة كهرم:
مركز أعلى يسيطر على مؤسسات أدنى.
لكن في الحالة اليمنية، يتراجع هذا النموذج لصالح شكل أكثر تشابكًا:
مراكز قوة متعددة
روابط شخصية ومناطقية
وتداخل بين العسكري والاجتماعي والسياسي
هكذا تصبح القوة أقرب إلى شبكة متداخلة منها إلى هرم واضح.
الاقتصاد كجزء من توزيع النفوذ
لا يمكن فهم شبكة القوة دون النظر إلى الاقتصاد كأداة سياسية.
ففي ظل محدودية الموارد:
تتحول الوظائف إلى أدوات نفوذ
وتصبح الموارد القليلة محورًا لإعادة التوزيع
ويتداخل الاقتصاد مع السياسة بشكل شبه كامل
وبذلك، لا يكون الاقتصاد مستقلًا عن السلطة، بل أحد أدواتها الأساسية في إدارة التوازنات.
الدولة كإدارة للتوازنات لا كاحتكار كامل
في هذا النموذج، لا تعمل الدولة بمنطق الاحتكار الكامل للسلطة، بل بمنطق إدارة التوازنات بين مراكز القوة.
فبدل:
إنهاء النفوذ المحلي
أو دمج جميع القوى داخل مؤسسة مركزية واحدة
يتم:
احتواء القوى المختلفة
وإعادة توزيعها داخل النظام
ومنع أي طرف من السيطرة الكاملة
هذا يجعل الدولة أقل صلابة مؤسسيًا، لكنها أكثر مرونة في إدارة التعدد.
الاستقرار النسبي وثمنه البنيوي
هذا الشكل من إدارة الدولة منح اليمن فترات من الاستقرار النسبي، لكنه حمل داخله تكلفة بنيوية مهمة:
استمرار تعدد مراكز القوة
ضعف المؤسسات المستقلة
واعتماد الدولة على التوازنات لا على القواعد الثابتة
وبالتالي، كان الاستقرار قائمًا على ديناميكية قابلة للاهتزاز مع أي تغير في موازين القوى.
الدولة داخل المجتمع لا فوقه
في هذا النموذج، لا تقف الدولة فوق المجتمع كسلطة مستقلة تمامًا، بل تعمل داخله ومن خلاله.
فالمؤسسات الرسمية تتداخل مع:
البنى القبلية
الشبكات الاجتماعية
والمصالح الاقتصادية المحلية
وهذا يجعل الحدود بين الدولة والمجتمع أقل وضوحًا، وأكثر قابلية للتداخل المستمر.
من التوازن إلى الهشاشة المتراكمة
مع الزمن، يؤدي استمرار إدارة القوة بهذه الطريقة إلى نتيجة حتمية:
تراكم هشاشة بنيوية داخل النظام.
فما يبدو كاستقرار سياسي هو في الواقع:
تأجيل للصراعات
وإعادة توزيع مستمر للتوترات
دون حل جذري لبنية السلطة نفسها
ومع تغير الظروف الإقليمية أو الداخلية، تصبح هذه التوازنات أكثر عرضة للانهيار.
خلاصة: دولة تُدار بالشبكات لا بالمؤسسات
تكشف هذه المرحلة أن الدولة اليمنية لم تعمل كنموذج مؤسساتي مكتمل، بل كنظام معقد من الشبكات المتداخلة.
فالجيش والقبيلة والاقتصاد لم تكن عناصر منفصلة عن الدولة، بل كانت جزءًا من طريقة عملها نفسها.
وهكذا، يصبح فهم السلطة في اليمن مستحيلًا دون النظر إلى هذه الشبكات التي تعيد إنتاج القوة باستمرار، خارج منطق الدولة الكلاسيكي القائم على الاحتكار والمؤسسات الصلبة.
وفي المقال القادم، سننتقل إلى عنصر حاسم داخل هذه المنظومة: الاقتصاد النفطي الهش، وكيف شكّل حدود الدولة وقدرتها على الاستمرار.
سلسلة: اليمن: الدولة التي لم تخرج من الجغرافيا