اليمن: تفكك الدولة: الحوثيون: كيف ملأ الهامش فراغ المركز

حين تنتقل السلطة من الدولة إلى الأطراف

في لحظات تفكك الدول، لا يحدث الفراغ السياسي فعليًا، بل يُعاد ملؤه بسرعة من قبل قوى كانت تعمل في الهامش، قبل أن تتحول إلى فاعل مركزي.

في الحالة اليمنية، لم يكن صعود الحوثيين حدثًا منفصلًا أو طارئًا، بل نتيجة مباشرة لتراكم طويل من اختلالات بنيوية داخل الدولة:

  • ضعف المركز

  • تآكل المؤسسات

  • وتعدد مراكز القوة غير الرسمية

وهكذا، لم يظهر الفاعل الجديد خارج التاريخ، بل من داخل فراغه.

من الهامش الاجتماعي إلى الفعل السياسي

في بداياته، لم يكن المشروع الحوثي كيانًا دولتيًا أو سلطة مركزية، بل حركة نشأت داخل سياق اجتماعي وسياسي محلي.

لكن التحول الأساسي لم يكن في النشأة، بل في البيئة التي سمحت بالتحول:

  • تراجع الدولة المركزية

  • انشغال السلطة بصراعات داخلية

  • وغياب احتكار فعلي للقوة

في هذه اللحظة، يصبح الهامش السياسي أكثر قابلية للتحول إلى مركز بديل.


تفكك المركز: الفراغ كعامل إنتاج للسلطة

عندما يضعف المركز، لا يتوقف إنتاج السلطة، بل ينتقل إلى مستويات أدنى.

في اليمن، لم يحدث انهيار مفاجئ للدولة، بل عملية تآكل تدريجي:

  • مؤسسات تفقد فعاليتها

  • أجهزة أمنية غير موحدة

  • وتوازنات سياسية غير مستقرة

هذا التآكل لم يخلق فراغًا، بل فتح المجال أمام إعادة توزيع القوة.

وهنا يبدأ الهامش في التحول من موقع تابع إلى موقع فاعل.


الجغرافيا السياسية للهامش

لا يمكن فهم صعود أي فاعل في اليمن دون النظر إلى الجغرافيا السياسية:

  • مناطق جبلية معقدة

  • صعوبة السيطرة المركزية

  • وتاريخ طويل من الاستقلال المحلي النسبي

هذه العوامل تجعل من بعض المناطق بيئة مناسبة لتكوين سلطات بديلة عندما يضعف المركز.

وبالتالي، فإن الجغرافيا لا تنتج الصراع فقط، بل تحدد أيضًا من يمكنه الصعود عند انهيار التوازن.


من حركة محلية إلى سلطة مركزية

التحول الأساسي في الحالة الحوثية لم يكن في الفكرة، بل في الوظيفة.

فمن:

  • حركة ذات طابع محلي
    إلى:

  • فاعل سياسي وعسكري يملك قدرة على إدارة الأرض والموارد

هذا التحول لا يحدث إلا في سياق انهيار تدريجي لمركز الدولة، حيث تصبح القوة هي العامل الحاسم في إعادة تشكيل السلطة.


إعادة تعريف مفهوم الدولة

مع صعود القوى المحلية، يتغير معنى الدولة نفسها:

  • لم تعد تحتكر القرار

  • ولم تعد المصدر الوحيد للأمن

  • ولم تعد المرجع الوحيد للشرعية السياسية

بدلًا من ذلك، تصبح الدولة جزءًا من معادلة أكبر تضم فاعلين متعددين.

وهذا التحول هو جوهر مرحلة التفكك: انتقال الدولة من الاحتكار إلى التنازع.


المركز المتآكل والهامش الصاعد

في هذه المرحلة، لا يعود هناك مركز واضح وقوي، بل مركز:

  • متنازع عليه

  • محدود القدرة

  • ومضطر للتفاوض مع أطراف متعددة

وفي المقابل، يظهر الهامش كقوة منظمة تدريجيًا، تستفيد من الفراغات بدل أن تكون مجرد نتيجة لها.


السلطة كإعادة توزيع مستمرة

ما يحدث في هذه المرحلة ليس صراعًا تقليديًا بين دولتين، بل عملية مستمرة لإعادة توزيع السلطة داخل المجال السياسي نفسه.

كل طرف:

  • يحاول تثبيت نفوذه

  • وإعادة تعريف حدود السيطرة

  • وفرض شكل من الشرعية الواقعية

وبذلك، تتحول الدولة إلى ساحة إعادة تشكيل دائمة بدل أن تكون إطارًا ثابتًا.


خلاصة: حين لا يختفي المركز بل يتشظى

صعود الحوثيين لا يمكن فهمه كحدث منفصل، بل كنتاج مباشر لتفكك طويل في بنية الدولة اليمنية.

فالمركز لم يختفِ فجأة، بل:

  • فقد احتكاره

  • وتآكلت قدرته

  • وتحوّل إلى طرف داخل معادلة أكبر

وفي المقابل، لم يظهر “بديل خارجي”، بل أعيد إنتاج السلطة من داخل الهامش نفسه.

وفي المقال القادم، سننتقل إلى البعد الآخر من التفكك: الجنوب من جديد، وكيف عادت فكرة الانقسام لتطرح سؤال الوحدة من جديد بصيغة أكثر حدة وتعقيدًا.

سلسلة: اليمن: الدولة التي لم تخرج من الجغرافيا


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.