
حين تتحول وقائع الحرب إلى صفات ثابتة، ويصبح السياق أول ما يُحذف من التاريخ
في الصورة الشائعة عن الغرب الأمريكي، يبدو المشهد واضحًا وبسيطًا: بلدة بيضاء هادئة، نساء وأطفال داخل البيوت، رجال يعملون في الحقول، ثم يظهر السكان الأصليون من البرية، يهاجمون، يقتلون، ينهبون، يحرقون، ويخطفون النساء والأطفال.
تكررت هذه الصورة في الكتب والأفلام والحكايات الشعبية حتى أصبحت أقرب إلى حقيقة بديهية. لكن المشكلة ليست في أن هذا النوع من الأحداث لم يقع. لقد وقعت بالفعل غارات وحروب وعمليات قتل وأسر ارتكبتها جماعات من السكان الأصليين، كما ارتكب المستوطنون والجيش الأمريكي أعمال عنف واسعة ضد السكان الأصليين.
المشكلة في شيء آخر: كيف تحولت أفعال محددة ارتكبتها جماعات محددة، في ظروف تاريخية محددة، إلى صورة ثابتة لشعوب كاملة؟
هنا تبدأ رواية المنتصر.
حين تختفي بداية القصة
عندما تقع غارة على مستوطنة، يمكن أن تكون الواقعة صحيحة تمامًا: هجوم، قتلى، أسرى، منازل محترقة. لكن الواقعة وحدها لا تخبرنا لماذا حدثت.
قد تكون الغارة بداية الصراع، وقد تكون حلقة في سلسلة طويلة من الانتقام. قد يكون من هاجم قد فقد أرضًا أو أقارب في أحداث سابقة، وقد يكون الطرف الآخر قد تعرض فعلًا لهجوم سابق. ولا يعني هذا أن الانتقام يصبح عدلًا، ولا أن قتل المدنيين يصبح مشروعًا. لكنه يعني أن الفعل الواحد لا يكفي لتفسير التاريخ.
حين نأخذ الغارة ونحذف ما سبقها، يصبح المهاجم بلا سبب، والمعتدى عليه بلا تاريخ.
وهذا هو أحد أكثر الأساليب فاعلية في صناعة الرواية التاريخية: لا تحتاج إلى اختلاق حادثة، بل يكفي أحيانًا أن تبدأ الحكاية من اللحظة التي تجعل طرفًا واحدًا يبدو مذنبًا منذ البداية.
فالمستوطن الذي يصل إلى منطقة جديدة قد يظهر في الرواية بوصفه رجلًا يريد بناء بيت ومزرعة وحياة لأسرته. لكن السكان الذين يعيشون في تلك المنطقة منذ أجيال قد يرون المشهد بصورة مختلفة تمامًا. بالنسبة إليهم، قد لا يكون وصول عائلة جديدة مجرد انتقال أفراد، بل جزءًا من توسع مستمر: مستوطنة، ثم طريق، ثم حصن، ثم مزيد من المزارعين، ثم نزاع على الأرض، ثم اتفاق، ثم خرق للاتفاق، ثم مواجهة، ثم انتقام.
إذا حذفنا هذه العملية كلها، ثم ظهر لنا في النهاية مشهد هجوم على مستوطنة، فمن السهل أن نعتقد أن القصة بدأت هناك.
لكن التاريخ لا يبدأ عند اللحظة التي وصلت فيها الرصاصة إلى المستوطن.
من «قاتل» إلى «متوحش»
هناك فرق هائل بين أن نقول: «هاجمت هذه الجماعة مستوطنة وقتلت عددًا من سكانها»، وبين أن نقول: «السكان الأصليون متوحشون يهاجمون المستوطنات ويقتلون النساء والأطفال».
الجملة الأولى تصف حدثًا. أما الثانية فتصنع هوية.
وهذا هو التحول الأخطر.
فالجريمة، مهما كانت بشعة، تظل فعلًا ارتكبه أشخاص في زمن معين. لكن عندما تتحول إلى صفة عرقية أو ثقافية، يصبح كل فرد من الجماعة حاملًا محتملًا للجريمة، حتى لو لم يرتكبها ولم يكن موجودًا أصلًا.
وهنا لا يعود التاريخ يتحدث عن ما فعله بعض الناس، بل عن ما يُفترض أن يكون عليه شعب بأكمله.
ولذلك لا ينبغي أن يكون الرد على الصورة النمطية هو إنكار عنف السكان الأصليين. سيكون ذلك مجرد صناعة أسطورة مضادة.
المجتمعات الأصلية في أمريكا الشمالية لم تكن مجتمعًا واحدًا ولا ثقافة واحدة. كانت هناك شعوب ومجتمعات مختلفة، بينها تحالفات وحروب وصراعات على الأرض والموارد، ووقعت بينها عمليات قتل وأسر وانتقام. وكان بعض المحاربين يشنون غارات على خصومهم ويقتلون ويأسرون ويستولون على الممتلكات.
الاعتراف بهذه الوقائع لا يضعف نقد الصورة النمطية، بل يقويه. لأن المشكلة ليست أن السكان الأصليين كانوا مسالمين، ثم جاء الأوروبيون ليحولوا عالمًا مسالمًا إلى عالم عنيف. هذه صورة مبسطة أيضًا.
المشكلة أن عنف بعض الجماعات تحول في الرواية إلى طبيعة لشعوب كاملة، بينما لم يُعامل عنف الطرف الآخر بالطريقة نفسها.
فالحرب مليئة بالوحشية، لكن معنى الوحشية يتغير بحسب من ارتكبها ومن يملك سلطة تفسيرها.
رواية المنتصر لا تحتاج إلى الكذب
هذه ربما هي النقطة الأهم.
رواية المنتصر ليست بالضرورة رواية مختلقة. قد تكون تفاصيل كثيرة فيها صحيحة. قد يكون المستوطنون قد قتلوا فعلًا، وقد تكون النساء والأطفال قد تعرضوا للخطف، وقد تكون قرى قد أحرقت، وقد تكون قبائل قد ارتكبت أعمالًا وحشية.
لكن الرواية يمكن أن تكون صحيحة في تفاصيلها وكاذبة في صورتها الكلية.
يمكن أن تعرض كل الأحداث التي تدين خصمها، دون أن تنكر حقيقة واحدة، ثم تضعها في ترتيب يجعل نتيجة معينة تبدو حتمية.
وهذا أكثر قوة من الكذب الصريح؛ لأن القارئ لا يستطيع بسهولة أن يشير إلى جملة واحدة ويقول: هذه كذبة.
المشكلة تكون في الأشياء التي لم تُذكر. نعرف الغارة، ولا نعرف دائمًا ما سبقها. نعرف القتيل، ولا نعرف دائمًا سلسلة الأحداث التي جعلت القتال ممكنًا. نعرف المستوطنة المحترقة، ولا نرى دائمًا الأرض التي سبقت بناءها. نعرف «الهندي المتوحش»، ولا نرى عشرات الشعوب المختلفة التي اختُزلت في هذه الشخصية الواحدة.
حتى صورة المرأة والطفل تؤدي دورًا مهمًا في هذه الرواية. فقتل طفل أو خطف امرأة جريمة صادمة، بغض النظر عن هوية مرتكبها. لكن عندما تستخدم هذه الصورة لتلخيص صراع طويل، فإنها تنقل الصراع من التاريخ والأرض والسياسة إلى ثنائية أبسط بكثير: الحضارة في مواجهة الوحشية.
لا تحتاج الرواية عندها إلى أن تشرح لماذا بدأ الصراع. يكفي أن ترى الطفل الخائف. ومن الصعب أخلاقيًا أن تسأل بعد ذلك: ماذا حدث قبل الغارة؟
عندما تصبح الوحشية صفة لطرف وضرورة للطرف الآخر
الحروب البشرية مليئة بالانتهاكات. لكن الفرق يظهر في الطريقة التي تُفسر بها. عندما يرتكبها الطرف المهزوم، قد تصبح دليلًا على طبيعته. وعندما يرتكبها المنتصر، يمكن أن تُفسر باعتبارها ضرورة عسكرية، أو انتقامًا، أو خطأً فرديًا، أو حادثة استثنائية، أو ثمنًا مؤلمًا لبناء الدولة.
وهنا لا تتغير الأفعال فقط، بل يتغير معناها. هذه ليست مشكلة خاصة بتاريخ السكان الأصليين. إنها واحدة من الآليات المتكررة في كتابة التاريخ. الطرف الذي يمتلك الدولة والمؤسسات والأرشيف والمدرسة والصحيفة والسينما يمتلك قدرة أكبر على تحديد المصطلحات التي ستستعملها الأجيال التالية.
ولهذا فإن السؤال ليس ببساطة: هل كانت الرواية كاذبة؟ السؤال الأصعب هو: من امتلك القدرة على تحديد أي جزء من الحقيقة سيصبح هو القصة؟
ولا يعني ذلك أن كل ما نعرفه عن تاريخ السكان الأصليين مجرد دعاية كتبها المنتصرون. فلدينا اليوم مصادر أصلية، وشهادات من السكان الأصليين، وأبحاث تاريخية وأثرية وأنثروبولوجية أعادت كثيرًا من التعقيد إلى الصورة.
لكن أثر الرواية القديمة لا يختفي بسهولة.فالمشكلة في الصور النمطية أنها لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة بالكامل حتى تستمر. يكفي أن تحتوي على بعض الوقائع الحقيقية، ثم تُكرر بالطريقة نفسها حتى تتحول من أحداث تاريخية إلى شخصية نمطية.
وهكذا يصبح «الهندي» في المخيال الشعبي شخصًا واحدًا، رغم أن المجتمعات الأصلية كانت متعددة اللغات والثقافات والمصالح والتحالفات. بعضهم حارب الأوروبيين، وبعضهم تحالف معهم ضد شعوب أصلية أخرى، وبعضهم تعامل تجاريًا معهم، وبعضهم حاول التكيف، وبعضهم قاوم حتى النهاية.
لكن الرواية الشعبية تحتاج إلى خصم واضح، ولذلك تختزل عشرات المجتمعات في شخصية واحدة.
لا نحتاج إلى قلب الأسطورة
أسهل طريقة للرد على صورة «الهندي المتوحش» هي قلبها: الهندي النبيل في مواجهة المستوطن الوحشي. لكن هذا لا يحل المشكلة.
إنه يستبدل رواية أحادية بأخرى. التاريخ الأكثر نضجًا لا يحتاج إلى أبطال كاملين ووحوش كاملين. يمكنه أن يقول في الوقت نفسه إن بعض السكان الأصليين ارتكبوا أعمالًا وحشية، وإن بعض المستوطنين كانوا ضحايا حقيقيين، وإن التوسع الاستيطاني انتزع أراضي السكان الأصليين ودمر مجتمعاتهم، وإن الدولة الأمريكية مارست لاحقًا سياسات عنيفة ومدمرة تجاههم.
يمكن لكل هذه الحقائق أن تكون صحيحة في الوقت نفسه. فالحقيقة التاريخية لا تحتاج إلى طرف بريء بالكامل حتى تدين الظلم.
وهنا يصبح الفرق مهمًا بين فهم الجريمة وتبريرها. أن نبحث عن أسباب الغارة لا يعني أن نبرر قتل المدنيين. وأن ندرس ظروف التوسع الاستيطاني لا يعني أن كل مستوطن كان مجرمًا. وأن نعترف بجرائم السكان الأصليين لا يعني أن سياسات اقتلاعهم تصبح عادلة.
التاريخ الجاد لا يحتاج إلى تبرئة أحد كي يرفض اختزال الجميع.
من يحدد زاوية الكاميرا؟
ربما لا تكمن قوة رواية المنتصر في أنها تمنعنا من معرفة الحقيقة، بل في أنها تجعلنا نعرف جزءًا منها بطريقة تمنعنا من رؤية بقية الأجزاء.
نعرف الغارة، ولا نعرف ما قبلها. نعرف القتيل، ولا نعرف دائمًا الصراع الذي سبقه. نعرف المستوطنة المحترقة، ولا نرى دائمًا الأرض التي سبقت بناءها. نعرف «الهندي المتوحش»، ولا نرى الشعوب التي اختُزلت في هذه الشخصية.
وفي النهاية، لا يحتاج المنتصر دائمًا إلى اختلاق التاريخ كي ينتصر في الذاكرة. يكفي أحيانًا أن يروي الحقيقة من زاويته، وأن يحدد أين تبدأ القصة وأين تنتهي، ومن يظهر في الصورة ومن يبقى خارج الإطار.
فالمشكلة ليست فقط في أن المنتصر يكتب التاريخ؛ بل في أنه قد يملك أيضًا حق تحديد السؤال الذي سنطرحه على التاريخ.
وعندما نسأل فقط: «من هاجم؟» قد نحصل على إجابة صحيحة.
لكن عندما نسأل: «متى بدأت القصة، ومن يملك الأرض، وماذا حدث قبل أن يبدأ الهجوم، ومن اختار أن يروي هذه اللحظة دون غيرها؟» فإننا لا نغير الحقيقة.
نحن فقط نراها كاملة.