روسيا لا تحسم الحرب وأوكرانيا لا تنهيها: من يملك قرار الحرب والسلام؟

بين حرب لا تستطيع روسيا حسمها وسلام لا تستطيع أوكرانيا فرضه، أصبحت الحرب الأوكرانية صراعًا على شروط النهاية أكثر من كونها معركة على الأرض فقط

منذ اندلاع الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا، يبدو السؤال بسيطًا: كيف تعجز روسيا، وهي الدولة الأكبر والأقوى عسكريًا، عن حسم الحرب؟ لكن السؤال المقابل لا يقل أهمية:

إذا كانت أوكرانيا تخوض حربًا وجودية، فلماذا لم تكن التسوية السياسية خيارًا حقيقيًا منذ البداية؟

المشكلة أن كلا السؤالين يفترضان أن الحرب تسير وفق إرادة طرف واحد. بينما الواقع أكثر تعقيدًا: روسيا تملك القدرة على مواصلة الحرب لكنها لم تحقق الحسم الذي تريده، وأوكرانيا تقاوم كي لا تُفرض عليها تسوية بشروط روسية، بينما يملك الغرب قدرة هائلة على دعم الحرب لكنه لا يدفع ثمنها البشري المباشر.

وهكذا أصبحت الحرب أطول من أن تكون مجرد مواجهة بين دولتين.

روسيا تستطيع التقدم، لكنها لا تستطيع ابتلاع أوكرانيا

روسيا حققت مكاسب إقليمية، وما زالت تتقدم في بعض المحاور، لكن معدل التقدم بقي بطيئًا للغاية مقارنة بحجم الموارد التي تنفقها الحرب. وتشير تقديرات حديثة إلى أن القوات الروسية حققت مكاسب محدودة في صيف 2026 رغم استمرار الهجوم، بينما بلغت كلفة الحرب البشرية والمادية مستويات هائلة. والسبب أن احتلال أرض ليس هو نفسه إخضاع دولة.

أوكرانيا دولة واسعة، وسكانها وجيشها وبنيتها السياسية لم ينهاروا. وكلما تقدمت القوات الروسية، أصبحت مطالبة بحماية خطوط الإمداد والمناطق التي احتلتها ومواجهة الهجمات المضادة والاستهداف بعيد المدى.

لذلك فإن التفوق الروسي في الحجم لا يتحول تلقائيًا إلى نصر سريع. لكن هذا لا يعني أن روسيا عاجزة. إنها قادرة على الاستمرار في الحرب، وتملك موارد أكبر من أوكرانيا، وتستطيع تحمل مستوى من الاستنزاف لا تستطيع كييف تحمله بالسهولة نفسها.

وهنا يظهر السؤال الحقيقي: إذا كانت روسيا تستطيع الاستمرار، فلماذا لا تقبل بتسوية تنهي الحرب؟

لأن موسكو لا تقيس النصر بعدد السنوات

روسيا لا تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة حدودية فقط. منذ البداية ارتبط الصراع بمسألة أوسع: موقع أوكرانيا في النظام الأمني الأوروبي، وعلاقتها بالغرب، وقدرة روسيا على منع تحولها إلى دولة مرتبطة عسكريًا بالولايات المتحدة وحلف الناتو.

ولهذا فإن السيطرة على الأراضي ليست سوى جزء من الحساب. إذا استطاعت موسكو في النهاية فرض حياد أوكراني، والاحتفاظ بأراضٍ واسعة، وتقليص القدرات العسكرية الأوكرانية، وإجبار الغرب على الاعتراف بواقع جديد، فقد تعتبر ذلك نتيجة استراتيجية حتى لو لم تدخل قواتها كييف.

أما إذا انتهت الحرب مع بقاء أوكرانيا قوية، مسلحة، ومندمجة بالكامل في الغرب، فقد ترى موسكو أن الثمن الذي دفعته لم يحقق أهدافها. وهذا يفسر استمرار الحرب رغم بطء التقدم الروسي.

لكن ماذا عن أوكرانيا؟

هنا تصبح الرواية أكثر تعقيدًا. من السهل القول إن أوكرانيا «اختارت الحرب»، لكن هذا التعبير يخفي مرحلتين مختلفتين تمامًا.

قبل الغزو الشامل شيء، وبعده شيء آخر.

قبل فبراير 2022 كانت لدى أوكرانيا مساحة أكبر للمناورة: الحياد، التفاوض، محاولة التوازن بين روسيا والغرب، أو البحث عن ترتيبات أمنية جديدة. وبالفعل، خلال مفاوضات إسطنبول في ربيع 2022 نوقشت فكرة حياد أوكرانيا مقابل ضمانات أمنية دولية، وكان التخلي عن السعي إلى عضوية الناتو جزءًا من التصورات التي نوقشت آنذاك. لكن الخلافات حول الضمانات، وحجم الجيش، والأسلحة، والأراضي، وشروط التنفيذ بقيت عميقة.

لذلك لا يصح اختصار المسألة في أن أوكرانيا «رفضت السلام». كانت هناك محاولة تفاوضية، لكنها لم تنتج اتفاقًا نهائيًا.

وهل كانت أوكرانيا مضطرة إلى الحرب؟

هنا يجب التفريق بين سؤالين. هل كان يمكن تجنب الحرب قبل وقوعها؟ ربما.

هل كان بإمكان أوكرانيا بعد الغزو أن تتعامل معه كما لو أنه مجرد خلاف سياسي؟

بالتأكيد لا. الدولة التي تتعرض لغزو واسع أمام خيار صعب: المقاومة، أو قبول شروط الطرف المهاجم. والقبول لم يكن يعني مجرد إنهاء القتال، بل كان يمكن أن يعني قيودًا على الجيش والسياسة الخارجية ومستقبل العلاقة مع الغرب. لذلك فإن القول إن أوكرانيا «لم تكن مضطرة للحرب» يحتاج إلى تحديد اللحظة التي نتحدث عنها. قبل الحرب، كانت الخيارات أوسع. بعد الغزو، أصبحت الخيارات أضيق بكثير.

لكن أوكرانيا لم تكن الطرف الوحيد الذي يملك مصلحة في استمرار الحرب

وهنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية. أوكرانيا تدفع الثمن الأكبر بشريًا وماديًا، ولذلك لا يمكن القول ببساطة إنها «مستفيدة» من الحرب. لكن الحرب أنتجت فوائد استراتيجية لأطراف أخرى. أوروبا أعادت بناء تصورها الأمني حول روسيا. والولايات المتحدة عززت موقعها داخل الأمن الأوروبي. وحلف الناتو توسع وتماسك.

وروسيا دخلت في مواجهة طويلة مع الغرب واستنزفت جزءًا كبيرًا من قدراتها العسكرية. وأوكرانيا نفسها أصبحت أكثر ارتباطًا بالغرب سياسيًا وعسكريًا مما كانت عليه قبل الحرب. إذن الحرب لم تعد مجرد قضية أوكرانية روسية.

كل طرف أصبح يضع حساباته داخلها.

وهنا يصعب معرفة أين تنتهي مصلحة أوكرانيا وأين تبدأ مصالح داعميها.

الدولة الصغيرة تدفع ثمن الصراع الأكبر

هذه هي المفارقة الأهم. أوكرانيا تريد أن تبقى دولة مستقلة وقادرة على تحديد مستقبلها. روسيا تريد منع تحولها إلى منصة استراتيجية للغرب. الولايات المتحدة تريد منع روسيا من فرض نظام أمني أوروبي بالقوة. أوروبا تريد منع عودة القوة الروسية إلى قلب الأمن الأوروبي. كل طرف يملك جزءًا من الحقيقة، لكن أوكرانيا هي التي تدفع الجزء الأكبر من الثمن البشري.

وهذا لا يجعلها مجرد «أداة» للغرب، كما لا يجعل روسيا مجرد قوة معتدية بلا حسابات استراتيجية. إنه يجعلها دولة تقع عند تقاطع مصالح قوى أكبر منها.

ولهذا لم تكن المشكلة في الحرب وحدها

المشكلة أيضًا في سؤال: من يستطيع إنهاء الحرب؟ روسيا تستطيع مواصلة القتال. أوكرانيا تستطيع مواصلة المقاومة. الغرب يستطيع مواصلة التسليح. لكن لا يستطيع أي طرف منفردًا الحصول بسهولة على النتيجة الكاملة التي يريدها.

وهذا ما جعل الحرب تتحول إلى استنزاف طويل. روسيا لا تستطيع تحقيق أهدافها القصوى بسرعة. وأوكرانيا لا تستطيع استعادة كل أراضيها بالقوة بسهولة. والغرب لا يريد الدخول في حرب مباشرة مع روسيا.

وهكذا يبقى الجميع داخل منطقة وسطى: لا نصر حاسم، ولا هزيمة حاسمة، ولا سلام مقبول.

لماذا لا تحسم روسيا إذن؟

لأن الحسم الذي قد تحتاجه موسكو أكبر من قدرتها على تحقيقه بتكلفة مقبولة. يمكنها احتلال المزيد من الأرض. لكن هل تستطيع احتلال أوكرانيا وإخضاعها سياسيًا؟ يمكنها تدمير المزيد من البنية التحتية. لكن هل يؤدي ذلك إلى استسلام الدولة؟ يمكنها زيادة التعبئة. لكن هل تستحق المكاسب الإضافية تكلفتها؟ ولهذا قد يكون الهدف الروسي الواقعي هو تحسين موقعه التفاوضي تدريجيًا، لا تحقيق انتصار عسكري شامل.

والمفارقة أن استمرار الحرب نفسه قد يخدم هذا الهدف إلى حد ما. كلما طال الاستنزاف، تغيرت الحسابات الأوكرانية والأوروبية والأمريكية. وقد يصبح ما كان مرفوضًا في سنة معينة مقبولًا بعد سنوات من الحرب. وهذا ما يجعل الزمن عنصرًا في الحرب، لا مجرد مدة لها.

وأوكرانيا أيضًا لا تستطيع إنهاء الحرب وحدها

في الجهة المقابلة، كييف تحتاج إلى دعم خارجي للاستمرار. لكن الدعم الغربي ليس تفويضًا مفتوحًا بلا نهاية. وقد بدأت بالفعل محاولات تفاوض جديدة في 2026، فيما قدمت كييف مقترحات إلى المفاوضين الأمريكيين لإنهاء الحرب، في وقت ما زالت فيه واشنطن تحاول دفع الطرفين نحو تسوية.

وهنا تظهر المفارقة: أوكرانيا تريد السلام، لكنها لا تريد السلام بأي ثمن. وروسيا تريد التفاوض، لكنها لا تريد التفاوض من نقطة ضعف. والولايات المتحدة تريد إنهاء الحرب، لكنها تريد نهاية تحقق مصالحها الاستراتيجية.لذلك لا يكفي أن يسأل أحد: متى ستنتهي الحرب؟ بل يجب أن يسأل: بأي ميزان قوة ستنتهي؟

من يملك الحرب ومن يدفع ثمنها؟

ربما هذه هي القراءة الأهم. روسيا بدأت الحرب، ولذلك تتحمل مسؤولية قرار الغزو. وأوكرانيا تملك حق الدفاع عن نفسها. لكن الحرب، بعد سنوات من استمرارها، أصبحت أكبر من مجرد قرار روسي وقرار أوكراني.

دخلت فيها حسابات أمريكا وأوروبا والناتو، وتغيرت بسببها خريطة الأمن الأوروبي، وأصبحت كل جولة عسكرية جزءًا من مفاوضات أكبر. ولهذا فإن اختزال الحرب في صورة واحدة ــ «روسيا تريد الحرب» أو «أوكرانيا تريد الحرب» ــ لا يفسر استمرارها.

الحرب تستمر لأن أي طرف لم يحصل بعد على النتيجة التي يستطيع قبولها.

روسيا لم تحصل على أوكرانيا التي تريدها. وأوكرانيا لم تحصل على السلام الذي تستطيع الوثوق به. والغرب لم يحصل على تسوية تضمن أمنه دون تكلفة إضافية.

وهكذا تستمر الحرب. ليس لأن أحدًا لا يريد السلام بالضرورة، بل لأن السلام نفسه أصبح معركة على شروطه. وفي النهاية يبقى السؤال الأصعب:

إذا كانت روسيا لا تستطيع حسم الحرب، وأوكرانيا لا تستطيع إنهاءها، والغرب لا يريد أن يخوضها مباشرة، فمن الذي سيقرر في النهاية شكل السلام؟

فالذي يملك القدرة على التأثير في شروط النهاية، قد يكون أهم من الذي يملك القدرة على كسب المعركة التالية.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.