اخر امبراطور الصين: حياة رجل انتهت معه إمبراطورية

وُلد بويي إمبراطورًا، وفقد عرشه طفلًا، ثم عاد إلى العرش في دولة صنعتها اليابان، وانتهى به الأمر مواطنًا عاديًا في الصين الجديدة

في عام 1908، كان القصر الإمبراطوري في بكين يعيش واحدة من آخر لحظاته التي تشبه قرونًا طويلة من التاريخ الصيني. داخل المدينة المحرمة، حيث عاش أباطرة أسرة تشينغ، جرى اختيار طفل صغير ليصبح إمبراطور الصين.

كان اسمه بويي، ولم يكن قد تجاوز عامه الثاني.

لم يكن يعرف معنى الإمبراطورية، ولا معنى أن يكون حاكمًا لمئات الملايين من البشر. ومع ذلك، وجد نفسه فجأة في قلب واحدة من أقدم المؤسسات السياسية في العالم.

كان يُعامل بوصفه الإمبراطور، وتُقام حوله الطقوس، وينحني أمامه رجال أكبر منه بعشرات السنين، وتحيط به الحاشية والخدم. كان العالم الذي يراه الطفل داخل القصر يقول له إن الصين كلها تقع خلف تلك الجدران وتنتظر أوامره.

لكن العالم الحقيقي كان يتغير بسرعة.

إمبراطور وُلد في نهاية عصر

كانت أسرة تشينغ قد حكمت الصين منذ عام 1644، لكنها دخلت في القرن التاسع عشر في سلسلة طويلة من الأزمات والحروب والاضطرابات.

تعرضت الصين لضغوط القوى الأوروبية، وخاضت حروبًا مع بريطانيا وفرنسا واليابان، وفقدت أجزاء من نفوذها، وظهرت داخلها حركات تطالب بإصلاح النظام الإمبراطوري أو إسقاطه.

وعندما أصبح بويي إمبراطورًا، لم تكن الإمبراطورية في بداية عصر جديد، بل كانت تقترب من نهايتها. بعد ثلاث سنوات فقط، اندلعت الثورة الصينية عام 1911.

وفي فبراير 1912، تنازل بويي عن العرش. كان عمره نحو ست سنوات. وهكذا انتهت أكثر من ألفي سنة من النظام الإمبراطوري الصيني، بينما كان آخر إمبراطور لهذا النظام طفلًا لم يكن قد بلغ سنًا تسمح له بفهم ما حدث.

إمبراطور داخل المدينة المحرمة

لم تنته حياة بويي الإمبراطورية فورًا. بموجب الترتيبات التي رافقت تنازله، سُمح له ولعائلته بالبقاء داخل المدينة المحرمة، والاحتفاظ بلقبه وامتيازاته. لذلك عاش بويي سنواته الأولى وهو يرى عالمين مختلفين في الوقت نفسه. داخل القصر، كان لا يزال إمبراطورًا. وخارج القصر، كانت الصين قد أصبحت جمهورية. كان يدخل عليه المسؤولون، وتقام له الطقوس، ويعيش بين الخدم والحاشية، بينما كانت السلطة الحقيقية قد انتقلت إلى عالم آخر خارج الأسوار.

كبر بويي في هذا التناقض الغريب. لم يعد يحكم الصين، لكنه لم يعش أيضًا حياة المواطن الصيني العادي. كان يعيش داخل بقايا الإمبراطورية نفسها. وفي عام 1924 انتهى هذا الوضع عندما أُخرج من المدينة المحرمة. عندها فقد آخر مكان كان يربطه رسميًا بحياة الأباطرة.

من المدينة المحرمة إلى تيانجين

انتقل بويي إلى منطقة الامتياز الياباني في مدينة تيانجين، حيث عاش حياة مختلفة تمامًا عن حياته السابقة. كان لا يزال يحمل لقب الإمبراطور السابق، لكنه لم يعد يملك دولة. وفي هذه المرحلة ازداد ارتباطه باليابانيين، الذين كانوا يوسعون نفوذهم في شمال الصين ومنشوريا.

ثم جاءت اللحظة التي أعادت بويي إلى العرش. لكنها لم تكن عودة إلى الصين التي فقدها.

إمبراطور في منشوريا

في عام 1931 احتلت اليابان منشوريا، وهي المنطقة الواقعة في شمال شرق الصين. وفي العام التالي أُنشئت دولة مانشوكو تحت السيطرة اليابانية. اختار اليابانيون بويي ليكون رأس هذه الدولة، مستفيدين من اسمه بوصفه آخر أفراد الأسرة الإمبراطورية التي حكمت الصين.

في البداية حمل لقب رئيس الدولة، ثم أصبح عام 1934 إمبراطورًا. وهكذا عاد بويي إلى العرش بعد أكثر من عشرين عامًا من تنازله عنه. لكن هذه المرة كان القصر في مكان آخر، والدولة مختلفة، والقوة الحقيقية ليست في يديه. كان إمبراطور مانشوكو، بينما كانت اليابان صاحبة النفوذ العسكري والسياسي الأكبر في البلاد.

عاش بويي مرة أخرى وسط المراسم والملابس الإمبراطورية والحاشية، لكنه كان يعيش داخل نظام نشأ في ظل الاحتلال الياباني. وكان ذلك العرش مختلفًا تمامًا عن عرش طفولته.

نهاية مانشوكو

استمر بويي في منصبه حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي أغسطس 1945، دخل الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان وشن هجومًا واسعًا على القوات اليابانية في منشوريا. انهارت مانشوكو بسرعة. انتهت الدولة التي كان بويي إمبراطورًا عليها، وانتهى معها آخر عرش حمله. حاول بويي مغادرة المنطقة، لكنه أُلقي القبض عليه من قبل القوات السوفيتية.

وهكذا تحول آخر إمبراطور للصين، الذي كان قد عاش داخل القصور وبين الحرس والخدم، إلى أسير حرب. بقي في الاتحاد السوفيتي عدة سنوات، قبل أن يُسلّم إلى الحكومة الصينية عام 1950.

الإمبراطور في السجن

كانت الصين قد تغيرت مرة أخرى. في عام 1949 انتصر الشيوعيون بقيادة ماو تسي تونغ، وأُعلنت جمهورية الصين الشعبية. وعندما عاد بويي إلى الصين، لم تعد هناك أسرة إمبراطورية تنتظر عودته، ولا جمهورية قديمة يمكن أن يعود إليها. كانت الصين الجديدة قد بدأت. 

أُرسل إلى مركز لإعادة التأهيل، وقضى سنوات في السجن يتعلم حياة مختلفة تمامًا عن تلك التي عاشها منذ طفولته. كان عليه أن يتعلم القيام بالأعمال اليومية التي لم يكن يقوم بها بنفسه في القصر، وأن يعيش بعيدًا عن الحاشية والخدم وكل مظاهر الحياة الإمبراطورية. وفي عام 1959 صدر قرار بالعفو عنه. كان عمره آنذاك 52 عامًا.

المواطن الذي كان إمبراطورًا

خرج بويي من السجن ليعيش بقية حياته في بكين كمواطن عادي. لم يعد هناك قصر، ولا عرش، ولا حاشية، ولا إمبراطورية. عمل في حديقة نباتية، ثم شارك في أعمال سياسية واستشارية في السنوات الأخيرة من حياته.

كان الرجل الذي جلس على عرش الصين وهو طفل يعيش الآن حياة بسيطة داخل الدولة التي قامت بعد سقوط النظام الذي مثّله. وفي عام 1967 توفي بويي عن عمر 61 عامًا. لم يكن موته نهاية أسرة تشينغ فقط، فقد انتهت تلك الأسرة سياسيًا قبل ذلك بعقود. كان موته نهاية حياة بدأت داخل عالم الإمبراطوريات وانتهت داخل عالم مختلف تمامًا. فقد وُلد بويي في المدينة المحرمة، في عالم كان فيه الإمبراطور مركز الدولة. 

وفقد عرشه وهو طفل، ثم عاد إليه في مانشوكو في ظل النفوذ الياباني. ثم أصبح أسير حرب. ثم سجينًا. ثم مواطنًا عاديًا. ولهذا تبدو حياة آخر إمبراطور للصين وكأنها تختصر في شخص واحد التحول الهائل الذي مرت به الصين خلال النصف الأول من القرن العشرين: من الإمبراطورية، إلى الجمهورية، إلى الاحتلال والحرب، ثم إلى الصين الجديدة.

لم يكن بويي هو من صنع هذه التحولات، لكنه عاشها كلها تقريبًا خلال حياة واحدة.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.