حرب البوسنة: بداية الحرب وموقف الامم المتحدة: راتكو ملاديتش.. لماذا تجرأ على تحدي الأمم المتحدة؟

راتكو ملاديتش.. كيف تجرأ على تحدي الأمم المتحدة؟

في الحروب، لا يكفي أن نعرف ما حدث؛ الأهم أحيانًا أن نفهم لماذا اعتقد صاحب القرار أن ما يفعله ممكن. وهذا لا يعني تبرير القرار، ولا تخفيف مسؤوليته عن الجرائم التي ارتكبت لاحقًا، وإنما محاولة فهم الحساب العسكري والسياسي الذي سبقها.

وفي حالة راتكو ملاديتش، يصبح السؤال شديد الأهمية: لماذا قرر جيش جمهورية صربسكا مهاجمة سربرنيتسا في يوليو 1995، وهي منطقة أعلنت الأمم المتحدة أنها «آمنة»، وكانت فيها قوات حفظ سلام دولية؟ الإجابة لا تكمن في أن ملاديتش كان يعتقد أن الأمم المتحدة لا وجود لها، بل في أنه كان يرى أن وجودها لا يعني بالضرورة استعدادها للقتال. وهذا فرق هائل.

ملاديتش لم يكن يهاجم الأمم المتحدة من فراغ

كان راتكو ملاديتش قائدًا عسكريًا شديد النفوذ في جمهورية صربسكا، وقد أصبح منذ سنوات الحرب أحد أهم صانعي القرار العسكري فيها. وكان يعرف شيئًا مهمًا عن طبيعة الوجود الدولي في البوسنة: الأمم المتحدة جاءت أساسًا لحفظ السلام وتقديم المساعدة الإنسانية، وليس لخوض حرب شاملة إلى جانب الحكومة البوسنية.

كما كان يعرف أن استخدام القوة الجوية ضد القوات الصربية البوسنية ظل محدودًا، وأن قوات حفظ السلام نفسها مقيدة بقواعد اشتباك وإجراءات سياسية وعسكرية معقدة. وبالتالي لم يكن السؤال في ذهنه على الأرجح: هل تستطيع الأمم المتحدة استخدام القوة؟ بل: إلى أي مدى ستكون مستعدة لاستخدامها؟ وهذا هو السؤال الذي سيحدد الحساب كله.

تجربة السنوات السابقة كانت تشجعه

قبل سربرنيتسا، كان الصرب البوسنيون قد تعاملوا مع الأمم المتحدة والناتو مرات عديدة. حدثت ضربات جوية محدودة، وصدرت إنذارات، وفرضت مناطق حظر جوي ومناطق آمنة، لكن كل ذلك لم يتحول إلى حرب جوية شاملة ضد القوات الصربية البوسنية.

ومن منظور عسكري، كانت هذه الخبرة تخلق نمطًا يمكن قراءته على النحو التالي: 

الغرب يهدد → يستخدم قدرًا محدودًا من القوة → يتراجع عندما تصبح قوات الأمم المتحدة على الأرض معرضة للخطر.

وهذا الاستنتاج لم يكن صحيحًا بالكامل، لكنه لم يكن بلا أساس. فأزمة الرهائن في مايو ويونيو 1995 أثبتت بالفعل أن القوات الصربية البوسنية تستطيع رفع تكلفة التدخل الدولي باحتجاز أفراد الأمم المتحدة.

وهنا تعلم ملاديتش شيئًا آخر: الأمم المتحدة ليست وحدها في الميدان؛ لكنها أيضًا نقطة ضعف بالنسبة إلى الناتو.

أزمة الرهائن غيرت الحساب

في مايو 1995 نفذ الناتو ضربات ضد مواقع صربية بوسنية، وردت القوات الصربية البوسنية باحتجاز أفراد من قوات الأمم المتحدة. كان الهدف واضحًا: جعل استخدام القوة الجوية أكثر كلفة. وبالفعل، وجد صانعو القرار الغربيون أنفسهم أمام معضلة حقيقية. فإذا استمرت الضربات، فقد يتعرض جنود الأمم المتحدة المحتجزون للخطر، وإذا توقفت، فقد يتضرر مصداقية التهديد العسكري.

لكن بالنسبة إلى القيادة الصربية البوسنية، كانت النتيجة العملية أكثر أهمية: لقد تمكنوا من إجبار القوة الجوية الأقوى في أوروبا على حساب مخاطرها. وهذا ربما عزز الاعتقاد بأن الناتو لن يخاطر بحرب واسعة بسبب سربرنيتسا. لكن هنا تحديدًا وقع الخطأ الاستراتيجي.

النجاح السابق لم يكن ضمانًا للمستقبل

يمكن لخصم أن ينجح في ردع خصمه مرة، ثم يكتشف أن الظروف تغيرت. وهذا ما حدث في البوسنة عام 1995. أزمة الرهائن أثرت فعلًا في استخدام القوة، لكنها في الوقت نفسه كشفت للدول الغربية أن نموذج حفظ السلام أصبح غير قابل للاستمرار. فالجنود الذين أُرسلوا لحماية المدنيين أصبحوا أنفسهم أدوات للضغط على الحكومات التي أرسلتهم. وهذا جعل المشكلة أكثر حدة بدل أن يحلها. كان بإمكان ملاديتش أن يرى النتيجة الأولى: الغرب متردد.

لكن كان من الأصعب عليه أن يرى النتيجة الثانية: الغرب بدأ يبحث عن طريقة للتخلص من هذا التردد.

لماذا كانت سربرنيتسا مهمة عسكريًا؟

من وجهة النظر العسكرية الصربية البوسنية، لم تكن سربرنيتسا مجرد مدينة رمزية.

  • كان الجيب يمثل منطقة بوسنية معزولة داخل منطقة تسيطر عليها القوات الصربية البوسنية في شرق البلاد.
  • وكان وجوده يعني بقاء جيب معادٍ قريب من خطوط الاتصال الصربية، إضافة إلى وجود قوات بوسنية داخله.
  • ومن ثم كان القضاء على الجيب يحقق مكاسب عسكرية واضحة:
  • توحيد السيطرة على مساحة أكبر من شرق البوسنة، إزالة جيب بوسني محاصر، وتحسين الوضع الدفاعي للقوات الصربية البوسنية.

لكن هذه الحسابات العسكرية كانت تتجاهل شيئًا مهمًا: سربرنيتسا لم تعد مجرد موقع على الخريطة بعد إعلانها منطقة آمنة. أصبح وراءها اسم الأمم المتحدة.

المشكلة في تقدير قوة الخصم

في أي عملية عسكرية، لا يكفي تقدير قوة العدو الموجود أمامك؛ يجب أن تحسب أيضًا القوة التي يمكن أن يستدعيها العدو. وهنا يبدو أن الحساب الصربي البوسني ركز بصورة كبيرة على القوة الموجودة داخل سربرنيتسا. وكانت تلك القوة محدودة. لكن القوة الحقيقية التي كان يجب حسابها كانت الناتو.

المفارقة أن الناتو لم يكن موجودًا كقوة برية داخل الجيب، ولذلك كان من السهل التعامل مع سربرنيتسا كهدف عسكري محلي. لكن أي هجوم عليها كان يمكن أن يحول المعركة إلى مواجهة بين القوات الصربية البوسنية والمجتمع الدولي. وهذا ما حدث في النهاية، وإن ليس بالسرعة التي كان يمكن توقعها.

لماذا لم يخشَ ملاديتش من الطائرات؟

لأن تجربة استخدام القوة الجوية حتى ذلك الوقت لم تكن حاسمة. كانت هناك ضربات جوية، لكنها كانت مرتبطة بقيود سياسية وعسكرية، وكان تحديد الأهداف والتنسيق مع الأمم المتحدة جزءًا من العملية.

كما أن وجود قوات الأمم المتحدة على الأرض خلق مشكلة إضافية: كلما اقترب القتال من مواقع الأمم المتحدة، زادت مخاطر الضربات الجوية على القوات الدولية نفسها. ولهذا لم يكن من غير المعقول عسكريًا أن يعتقد ملاديتش أن الناتو سيحتاج إلى وقت قبل أن يتخذ قرارًا بالتصعيد. 

لكن هذا الحساب كان قائمًا على افتراض خطير: أن الغرب سيظل يتصرف في يوليو 1995 بالطريقة التي تصرف بها في السنوات السابقة. وهذا الافتراض ثبت خطؤه.

هل كان ملاديتش يعتقد أنه يستطيع احتلال المنطقة بلا مقاومة؟

ليس بالضرورة. الأرجح أن الحساب كان أكثر تعقيدًا. كانت القوات الصربية البوسنية تعرف أن هناك قوات أممية، لكنها كانت ترى أن هذه القوات محدودة، وأنها ليست مستعدة لفتح حرب مباشرة. كما كانت تعرف أن القوات البوسنية داخل الجيب نفسها تعاني من نقص السلاح والإمداد. ومن هنا أصبحت العملية تبدو قابلة للتنفيذ.

لكن هناك فارقًا بين: القدرة على دخول سربرنيتسا و القدرة على التحكم في كل ما سيحدث بعد دخولها.

القوات الصربية البوسنية أثبتت قدرتها على تحقيق الأولى. لكن ما حدث بعد ذلك خلق عواقب استراتيجية لم تعد تحت سيطرتها.

وهنا تأتي النقطة الأخطر: الرهائن

كان احتجاز جنود الأمم المتحدة في مايو ويونيو قد أعطى الصرب البوسنيين ورقة ضغط مهمة. لكن استخدام هذه الورقة مرة أخرى بعد سقوط سربرنيتسا كان سيصبح أكثر خطورة. فقد كانت القوات الأممية قد تحولت من قوة مراقبة إلى جزء من أزمة دولية. وكان قتل أو احتجاز جنود دول غربية أو تهديدهم بصورة مباشرة قادرًا على تغيير الحساب السياسي في عواصم تلك الدول. وبالفعل، بعد سقوط سربرنيتسا، لم تعد فكرة «حماية الجنود الأمميين بأي ثمن» هي العامل الوحيد في القرار. 

بدأ السؤال الآخر يفرض نفسه: ماذا سيحدث إذا استمرت القوات الصربية في اختبار المجتمع الدولي؟

ملاديتش حقق شيئًا مهمًا عسكريًا لكنه خسر سياسيًا

وهذه من أكثر مفارقات سربرنيتسا أهمية. إذا نظرنا إلى العملية في بدايتها فقط، فقد نجح ملاديتش: تم الاستيلاء على الجيب، وتراجعت القوات البوسنية، وانتهى وجودها العسكري المنظم في المنطقة. لكن النجاح العسكري لم يتحول إلى مكسب سياسي طويل الأمد. بل حدث العكس.

سربرنيتسا أصبحت رمزًا لفشل المجتمع الدولي، ثم أصبحت الجرائم التي أعقبت سقوطها سببًا إضافيًا لزيادة الضغط الدولي، ثم تحولت إلى أحد أهم العوامل التي جعلت استمرار سياسة التردد الغربية أكثر صعوبة. وهكذا تحول الانتصار المحلي إلى مشكلة استراتيجية أكبر.

هل كان الهجوم نفسه خطأً استراتيجيًا؟

إذا فصلنا تمامًا بين السؤال الأخلاقي والسؤال العسكري، فالإجابة تحتاج إلى بعض التفصيل. الهجوم على سربرنيتسا كان يحمل منطقًا عسكريًا مفهومًا ضمن أهداف السيطرة على شرق البوسنة.

لكن الخطأ الاستراتيجي كان في تقدير العواقب السياسية الدولية للهجوم. فالقيادة الصربية البوسنية لم تتعامل مع سربرنيتسا كعملية عسكرية عادية داخل حرب مستمرة، بل تعاملت معها كأنها يمكن أن تكون عملية عسكرية محدودة لا تغير قواعد اللعبة.

لكن وجود الأمم المتحدة جعل الأمر مختلفًا. وسقوط منطقة آمنة أمام قوات دولية لم يكن مجرد انتصار ميداني. كان تحديًا مباشرًا لمصداقية نظام دولي كامل.

ثم جاء الخطأ الأكبر

إذا كان الاستيلاء على سربرنيتسا يمكن تفسيره عسكريًا، فإن ما حدث بعد السيطرة عليها كان كارثيًا من الناحية السياسية والاستراتيجية. فالقتل الجماعي المنظم لآلاف الرجال والفتيان البوشناق لم يكن ضروريًا لتحقيق السيطرة العسكرية على الجيب. ولم يكن مجرد نتيجة تلقائية للمعركة. وكان أثره الدولي هائلًا.

وهنا يجب الفصل مرة أخرى بين شيئين: القرار العسكري بالاستيلاء على المنطقة و القرار الجنائي بقتل الأسرى والمحتجزين.

الأول يمكن تحليله ضمن منطق الحرب. أما الثاني فقد أصبح أساسًا لمسؤولية جنائية دولية، وأثبتت المحاكم الدولية لاحقًا أنه كان جزءًا من عملية منظمة للقتل الجماعي. وهذا الفارق ضروري حتى لا يتحول التحليل الاستراتيجي إلى تبرير للجريمة.

ماذا كان يمكن أن يتوقعه ملاديتش؟

كان يستطيع أن يتوقع اعتراضًا دوليًا، وربما ضربات جوية محدودة، وربما ضغطًا دبلوماسيًا. لكن ما كان أصعب هو توقع حجم التحول الذي سيحدث بعد سقوط المنطقة ووقوع المجازر. ففي أغسطس وسبتمبر 1995 تغيرت طبيعة التدخل الدولي بصورة كبيرة.

أصبحت الضربات الجوية أكثر كثافة، وترافقت مع هجمات برية واسعة للقوات الكرواتية والبوسنية، وأصبح الضغط العسكري والسياسي على القيادة الصربية البوسنية أكبر بكثير وبهذا أصبح صيف 1995 نقطة انتقال من مرحلة كان فيها ملاديتش قادرًا على اختبار حدود المجتمع الدولي إلى مرحلة بدأ فيها المجتمع الدولي يفرض حدودًا جديدة عليه.

الخلاصة

لم يتجرأ راتكو ملاديتش على مهاجمة سربرنيتسا لأنه كان يعتقد أن الأمم المتحدة غير موجودة، ولا لأنه كان يجهل وجود الناتو. الأقرب إلى فهم قراره هو أنه استخف بمدى استعداد القوى الدولية لتحويل وجودها الرمزي إلى مواجهة عسكرية حقيقية.

كانت لديه أسباب تدفعه إلى هذا الاعتقاد: سنوات من التردد الدولي، الضربات الجوية المحدودة، تعقيد آلية استخدامها، هشاشة قوات حفظ السلام، وتجربة احتجاز الرهائن التي أثبتت أن وجود جنود الأمم المتحدة يمكن أن يقيد يد الناتو. لكن هذا النجاح التكتيكي أخفى خطأً استراتيجيًا. لقد افترض أن التردد الغربي ثابت، بينما كان التردد نفسه يقترب من نهايته.

ولهذا يمكن فهم سربرنيتسا باعتبارها لحظة انقلب فيها الحساب: ملاديتش ظن أنه يختبر حدود الأمم المتحدة، لكن الأحداث التي أعقبت سقوط المدينة ساعدت في دفع الغرب إلى إعادة رسم تلك الحدود بالقوة.

وهنا تأتي الحلقة التالية، وهي من أهم حلقات السلسلة: احتجاز جنود الأمم المتحدة لم يكن مجرد حادثة جانبية في الحرب. لماذا لجأ الصرب البوسنيون إلى الرهائن؟ وكيف تحولت هذه الورقة التي نجحت في تقييد الناتو مؤقتًا إلى أحد الأسباب التي دفعت الغرب إلى تغيير قواعد اللعبة؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.