حرب البوسنة: بداية الحرب وموقف الامم المتحدة: رهائن الأمم المتحدة.. الصرب ونقطة ضعف القوة الدولية

رهائن الأمم المتحدة: اللحظة التي اكتشف فيها الصرب نقطة ضعف القوة الدولية

إذا كانت سربرنيتسا قد كشفت أن الأمم المتحدة لا تملك القوة الكافية لحماية «المناطق الآمنة»، فإن ما حدث قبلها بأسابيع كشف شيئًا أخطر: يمكن للقوات الصربية البوسنية أن تجعل قوة الأمم المتحدة نفسها أداة ضغط على الدول التي أرسلتها.

في مايو 1995، بدأت القوات الصربية البوسنية باحتجاز أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بعد تصاعد الضربات الجوية التي ينفذها الناتو. لم يكن الهدف عسكريًا بالمعنى التقليدي فقط، بل كان محاولة لمنع استخدام القوة الجوية من خلال جعل الجنود الموجودين على الأرض رهائن محتملين.

وهنا ظهرت مفارقة نادرة في الحروب الحديثة: القوة الدولية التي يفترض أن تردع أحد أطراف الحرب أصبحت هي نفسها ورقة تفاوضية في يد الطرف الذي يفترض أن تردعه.

لماذا احتُجز الجنود الأمميون؟

في مايو 1995، نفذ الناتو سلسلة من الضربات ضد مواقع للقوات الصربية البوسنية، خصوصًا بعد استمرار انتهاكات مناطق الحظر والتهديدات للمناطق الآمنة. وكانت القيادة الصربية البوسنية تدرك أن لديها مشكلة لا تستطيع حلها بالطريقة التقليدية. لم تكن تملك قوة جوية قادرة على مواجهة الناتو. لكنها كانت تملك شيئًا آخر: قوات الأمم المتحدة المنتشرة على الأرض.

ولهذا بدأت القوات الصربية البوسنية باحتجاز أفراد من قوات الأمم المتحدة في مواقع مختلفة، وربطت ذلك عمليًا بالتهديد باستمرار الضربات الجوية. كان الحساب بسيطًا وقاسيًا:

إذا كانت طائرات الناتو تضرب القوات الصربية، فإن وجود جنود دوليين في مناطق قريبة من الأهداف يمكن أن يجعل استخدام القوة الجوية أكثر تعقيدًا. وبذلك أصبحت قوات حفظ السلام، من دون أن تريد، جزءًا من معادلة الردع.

الرهائن لم يكونوا مجرد جنود عشوائيين

كانت القوات الأممية تضم جنودًا من دول متعددة، وكان احتجازهم يعني أن أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى مقتل جنود تابعين لدول أوروبية. وهذه نقطة مهمة لفهم رد الفعل الغربي. لو كانت القوة الموجودة على الأرض قوة محلية، لكان من الممكن التعامل مع خسائرها باعتبارها جزءًا من الحرب. لكن عندما تكون القوات جنودًا تابعين لدول أجنبية أرسلتهم الأمم المتحدة، يصبح قتلهم أو تعريضهم للخطر أزمة سياسية داخل تلك الدول نفسها.

وبالتالي نجح الصرب البوسنيون في نقل جزء من الحرب من البوسنة إلى عواصم أوروبا.

لماذا كان هذا التكتيك فعالًا؟

لأن الناتو كان يمتلك التفوق العسكري، لكنه لم يكن يريد خوض حرب مفتوحة. كانت أهدافه في تلك المرحلة محدودة، وكان استخدام القوة الجوية مرتبطًا بمهمة دعم قرارات الأمم المتحدة وحماية قواتها ومناطقها الآمنة. لكن القصف من الجو لا يشبه الحرب البرية. الطائرات تستطيع تدمير هدف خلال دقائق، لكنها لا تستطيع حماية جندي أممي يحتجزه خصم على الأرض.

وهكذا أصبح هناك تعارض بين أداتين دوليتين: القوة الجوية تستطيع الضغط على الصرب. لكن وجود قوات حفظ السلام يمكن أن يقيد استخدام القوة الجوية. وقد فهمت القيادة الصربية البوسنية هذه العلاقة جيدًا.

هل نجحت سياسة الرهائن؟

نجحت مؤقتًا. وهذا التفصيل مهم. لم تؤدِ عملية احتجاز الجنود إلى إنهاء التدخل الدولي، ولم تمنح الصرب البوسنيين انتصارًا استراتيجيًا دائمًا. لكنها نجحت في جعل استخدام القوة الجوية أكثر صعوبة، وأجبرت الدول الغربية على التفكير في سلامة قواتها الموجودة على الأرض.

وفي نهاية مايو 1995، كان مئات من أفراد الأمم المتحدة قد احتُجزوا في مواقع مختلفة. وقد كشفت الأزمة مدى هشاشة نموذج التدخل الذي اعتمد على قوات حفظ السلام الخفيفة مع وجود قوة جوية في الخلفية.

المشكلة التي لم ينتبه إليها الصرب

كان بإمكان احتجاز الجنود أن يحقق هدفًا عسكريًا قصير المدى. لكن هناك فرقًا بين إجبار خصمك على التراجع وإجباره على تغيير استراتيجيته. في البداية نجح الصرب في الأول. لكنهم ساعدوا في الوصول إلى الثاني.

فكلما زادت قدرة القوات الصربية البوسنية على استخدام جنود الأمم المتحدة كرهائن، أصبح واضحًا أن وجود قوات حفظ السلام في وسط الحرب لم يعد يوفر الحماية التي يفترض أن يوفرها.

وبدأ التفكير يتجه إلى سؤال مختلف: إذا كانت قوات الأمم المتحدة تعيق استخدام القوة التي تحتاج إليها لحماية نفسها، فهل يجب تغيير طبيعة المهمة كلها؟ وكانت الإجابة ستأتي سريعًا.

سقوط نموذج «حفظ السلام»

كان نموذج الأمم المتحدة يقوم على فكرة أن وجود القوات الدولية يمكن أن يساعد على منع التصعيد، وأن الأطراف ستضطر إلى مراعاة وجودها. لكن أزمة الرهائن أثبتت أن العكس يمكن أن يحدث. قد يستخدم أحد الأطراف وجود القوات الدولية لزيادة قدرته على التصعيد. فبدلًا من أن يكون الجندي الأممي عامل ردع، أصبح في بعض الحالات عامل تقييد للطرف الآخر.

وهنا بدأت فكرة إعادة تشكيل القوة الدولية تظهر بوضوح. لم يعد الأمر يتعلق فقط بزيادة عدد الجنود. بل أصبح السؤال: هل تستطيع قوات حفظ السلام تنفيذ مهمتها أصلًا إذا لم يكن لديها تفوق عسكري كافٍ؟

من الرهائن إلى حماية القوات

كان هناك درس آخر مهم. الدول التي أرسلت قواتها إلى البوسنة لم تكن مستعدة لأن ترى جنودها يتحولون إلى رهائن في حرب لا تريد أن تكون طرفًا فيها. وهذا أدى إلى إعادة التفكير في طريقة استخدام القوة. إذا كان جنود الأمم المتحدة بحاجة إلى حماية، فإن الحماية لا يمكن أن تعتمد فقط على حسن نية الأطراف. وكان لا بد من وجود قوة قادرة على الرد بسرعة إذا تعرضت القوات الدولية للهجوم.

وهنا بدأ الدور العسكري للناتو يصبح أكثر أهمية. لكن هذا لم يكن يعني بعد أن الناتو قرر شن حرب لإسقاط جمهورية صربسكا. كان الانتقال تدريجيًا.

ثم جاء التحول السياسي

في صيف 1995 تغيرت البيئة السياسية بسرعة. كانت الحرب قد وصلت إلى مرحلة استنزاف، وسقوط سربرنيتسا ثم المجازر التي أعقبتها جعلت استمرار سياسة الانتظار أكثر صعوبة. وفي الوقت نفسه، كانت القوات البوسنية والكرواتية تحقق تقدمًا على الأرض.

وهكذا اجتمعت ثلاثة عوامل: ضغط عسكري على الصرب البوسنيين، غضب دولي متزايد، وفشل واضح في نموذج حفظ السلام. وكانت النتيجة أن القوة الجوية لم تعد مجرد أداة محدودة لردع خرق معين. أصبحت جزءًا من حملة عسكرية أوسع.

المفارقة: الرهائن ساعدوا على تغيير قواعد اللعبة

من الناحية التكتيكية، كان احتجاز الجنود الأمميين ذكيًا. لقد استغل الصرب البوسنيون نقطة ضعف واضحة في النظام الدولي. لكن من الناحية الاستراتيجية، كان الأمر أكثر تعقيدًا. فالضغط على الأمم المتحدة والناتو بهذه الطريقة جعل استمرار النموذج القديم أكثر صعوبة.

وبعبارة أخرى: كلما أثبت الصرب أن وجود الأمم المتحدة يمنع الناتو من استخدام القوة، أصبح لدى الناتو سبب أكبر لإعادة النظر في الطريقة التي يستخدم بها القوة. وهذا ما حدث.

لم يعد السؤال الغربي: «كيف نقصف من دون تعريض جنود الأمم المتحدة للخطر؟» 

بل بدأ يتحول إلى: «كيف نعيد بناء المهمة العسكرية بحيث لا يستطيع أحد استخدام جنود الأمم المتحدة كرهائن؟»

وهذا فرق جوهري.

لماذا لم ينسحب الناتو؟

كان بإمكان الدول الغربية أن تقول إن الوضع أصبح خطرًا جدًا، وتسحب قواتها. لكن الانسحاب كان سيعني شيئًا أكبر من مجرد حماية الجنود. كان يعني أن القوات الصربية البوسنية استطاعت إجبار المجتمع الدولي على الخروج. وكان هذا سيقوض مصداقية الأمم المتحدة والناتو في أوروبا في لحظة كانت القارة تعيد فيها بناء نظامها الأمني بعد نهاية الحرب الباردة. لذلك أصبح الانسحاب سياسيًا أكثر تكلفة.

وهذه نقطة مهمة لفهم ما حدث لاحقًا: الدول الغربية لم تعد تتعامل مع البوسنة باعتبارها أزمة إنسانية بعيدة، بل باعتبارها اختبارًا لمصداقية النظام الأمني الأوروبي الجديد.

من احتجاز الجنود إلى إعادة تشكيل القوة

في النصف الثاني من عام 1995، بدأت عملية إعادة تنظيم الوجود العسكري الدولي. وبعد انتهاء الحرب، حلت قوة تنفيذية متعددة الجنسيات بقيادة الناتو، IFOR، محل قوات UNPROFOR لتنفيذ الجوانب العسكرية لاتفاق دايتون. وهذا التحول يكشف حجم التغيير الذي حدث خلال أشهر قليلة.

  • في البداية: الأمم المتحدة تحفظ السلام.
  • ثم: الأمم المتحدة تحاول حماية المناطق الآمنة بدعم جوي من الناتو.
  • ثم: جنود الأمم المتحدة يصبحون رهائن.
  • ثم: يتحول الناتو إلى القوة العسكرية الرئيسية لتنفيذ السلام.

لم يكن ذلك صدفة. كان نتيجة مباشرة لفشل نموذج القوة الخفيفة المحايدة في مواجهة حرب لا تحترم حيادها.

لكن ماذا عن ملاديتش؟

هنا نعود إلى الشخصية التي أصبحت محورًا أساسيًا في هذه السلسلة. كان ملاديتش قائدًا عسكريًا، ولذلك كان ينظر إلى قوات الأمم المتحدة بطريقة مختلفة عن الدبلوماسيين. بالنسبة إليه كانت تلك القوات جزءًا من البيئة العسكرية التي يمكن استغلالها.

  • إذا استطاع احتجازها، فهو يقلل قدرة الناتو على القصف.
  • وإذا استطاع الضغط عليها، فهو يستطيع حماية مواقع قواته.
  • وإذا استطاع التعامل مع الأمم المتحدة باعتبارها قوة غير مستعدة للقتال، يصبح وجودها أقل ردعًا.

لكن المشكلة كانت أن هذا التفكير لم يحسب شيئًا واحدًا: القوى الكبرى تستطيع تغيير قواعد اللعبة عندما تصبح القواعد القديمة غير قابلة للاستمرار. وهذا ما بدأ يحدث بعد سربرنيتسا.

الخلاصة

احتجاز جنود الأمم المتحدة في مايو ويونيو 1995 لم يكن حادثًا ثانويًا في حرب البوسنة. كان لحظة كشفت بوضوح أن قوات حفظ السلام يمكن أن تصبح نقطة ضعف إذا لم تكن محمية بقوة عسكرية قادرة على فرض نفسها.

نجح الصرب البوسنيون في استخدام الرهائن لتقييد الضربات الجوية مؤقتًا، لكنهم لم يحلوا المشكلة الاستراتيجية. بل ساعدوا على إقناع الغرب بأن نموذج التدخل القائم على قوات حفظ السلام المحدودة والقوة الجوية المقيدة لم يعد صالحًا. ولهذا فإن احتجاز الجنود يمكن اعتباره أحد الجسور التي نقلت الحرب من مرحلة «حفظ السلام» إلى مرحلة «فرض السلام».

لكن بقي السؤال الأكبر:بعد سربرنيتسا، ما الذي جعل الولايات المتحدة والناتو ينتقلان من الضربات المحدودة إلى حملة جوية واسعة؟ ولماذا حدث ذلك في أغسطس 1995 تحديدًا؟ هذه ستكون نقطة التحول في الحلقة القادمة: من حفظ السلام إلى الحرب الجوية.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.