حين تحول الناتو من الردع إلى الحرب

لم يكن تدخل الناتو في حرب البوسنة قرارًا واحدًا اتُّخذ في يوم واحد، ولم تبدأ الطائرات الغربية فجأة في أغسطس 1995 وكأن السنوات الثلاث السابقة لم تكن موجودة. الذي حدث كان تحولًا تدريجيًا في طبيعة التدخل: من مراقبة وحظر جوي، إلى ضربات محدودة، ثم إلى استخدام القوة لحماية المناطق الآمنة، وأخيرًا إلى حملة جوية واسعة هدفت إلى تغيير الحساب العسكري للقوات الصربية البوسنية.
وهذا التحول مهم لفهم نهاية الحرب؛ لأن السؤال ليس فقط: لماذا قصفت أمريكا والناتو الصرب؟ بل: لماذا أصبح القصف في صيف 1995 مقبولًا سياسيًا وعسكريًا، بينما كان استخدام القوة قبل ذلك محدودًا ومترددًا؟
من حفظ السلام إلى استخدام القوة
دخلت الأمم المتحدة البوسنة وهي تحاول البقاء في موقع الوسيط، بينما كان الناتو يملك القدرة العسكرية الجوية التي تفتقر إليها الأمم المتحدة. ولذلك نشأت منذ البداية علاقة غير عادية بين المؤسستين: الأمم المتحدة تمنح الشرعية والتفويض، والناتو يوفر جزءًا من القوة اللازمة لتنفيذ القرارات.
في البداية كان الاستخدام العسكري محدودًا. فالناتو فرض منطقة حظر جوي فوق البوسنة، وبدأ لاحقًا بتنفيذ عمليات ضد الطائرات التي تنتهك الحظر. ثم توسع دوره عندما سمح مجلس الأمن باستخدام القوة الجوية لدعم المناطق الآمنة.
لكن كل ذلك كان لا يزال ضمن مفهوم الردع، لا الحرب الشاملة.
كان الهدف أن يفهم الصرب البوسنيون أن هناك حدودًا لا ينبغي تجاوزها، وليس أن يتم تدمير قدرتهم العسكرية بالكامل.
الضربة الأولى غيرت شيئًا
في فبراير 1994، أسقطت طائرات الناتو أربع طائرات صربية بوسنية بعد انتهاكها منطقة الحظر الجوي قرب بانيا لوكا. وكانت هذه أول عملية قتالية للناتو منذ تأسيسه.
ثم استخدمت طائرات الحلف القوة مرة أخرى في أبريل 1994 لدعم غورازده، إحدى المناطق الآمنة، بعد تعرضها لهجوم صربي بوسني.
كانت الرسالة واضحة: الناتو مستعد لاستخدام القوة عندما تتجاوز الأطراف حدودًا معينة.
لكن الرسالة الأخرى كانت واضحة أيضًا: استخدام القوة سيظل محدودًا ومحسوبًا.
وهذا هو السبب في أن القيادة الصربية البوسنية لم تعتبر تلك الضربات تهديدًا وجوديًا.
كانت الحرب مستمرة، ومواقعها العسكرية الأساسية لم تتعرض لحملة تدمير واسعة.
لماذا بقي الناتو مترددًا؟
لأن المشكلة لم تكن عسكرية فقط.
كان بإمكان الناتو تنفيذ ضربات جوية أقوى بكثير، لكنه كان يخشى مجموعة من النتائج: سقوط مدنيين، ضرب قوات الأمم المتحدة الموجودة على الأرض، تصعيد الحرب، أو جر الدول الغربية إلى التزام عسكري لا تريد تحمله.
والأهم أن بعض الدول الغربية لم تكن ترى أن إسقاط القوة العسكرية الصربية البوسنية هو الهدف السياسي للحرب.
كانت الأولوية لا تزال التوصل إلى تسوية.
وهذا يعني أن الطائرات كانت موجودة، لكن استخدامها كان محكومًا بهدف سياسي محدود.
ثم جاءت أزمة الرهائن
في مايو 1995، وبعد تصاعد الضربات الجوية، ردت القوات الصربية البوسنية باحتجاز أفراد من قوات الأمم المتحدة واستخدام بعضهم كدروع بشرية.
كانت هذه لحظة فاصلة.
فقد أثبتت القوات الصربية البوسنية أن بإمكانها استخدام وجود قوات الأمم المتحدة لتقييد يد الناتو.
لكنها في الوقت نفسه ارتكبت خطأً استراتيجيًا مهمًا: أظهرت للدول الغربية أن نموذج حفظ السلام الحالي أصبح غير قابل للاستمرار.
لم تعد القضية مجرد حماية المدنيين.
أصبح على المجتمع الدولي أن يحمي جنوده أيضًا.
سربرنيتسا غيرت الحساب السياسي
ثم جاء يوليو 1995.
سقطت سربرنيتسا، إحدى المناطق التي أعلنت الأمم المتحدة أنها آمنة، أمام القوات الصربية البوسنية، ثم وقعت عمليات القتل الجماعي التي راح ضحيتها أكثر من ثمانية آلاف رجل وصبي بوسني مسلم.
لم يكن سقوط المدينة وحده هو الذي غير المعادلة.
كان حجم الجريمة وطبيعتها، وكونها وقعت في منطقة أعلنت الأمم المتحدة حمايتها، قد جعلا استمرار سياسة الانتظار أكثر صعوبة سياسيًا.
وفجأة لم يعد السؤال الغربي:
كيف نحافظ على وجود الأمم المتحدة؟
بل أصبح:
كيف نوقف قدرة القوات الصربية البوسنية على فرض إرادتها بالقوة؟
وهنا بدأ التحول الحقيقي.
حادثة ماركاله
في 28 أغسطس 1995 وقع انفجار في سوق ماركاله في سراييفو أدى إلى مقتل 43 شخصًا وإصابة أكثر من 70 آخرين، وفق الأمم المتحدة.
نُسب القصف إلى القوات الصربية البوسنية، وأصبح الهجوم أحد العوامل المباشرة التي سبقت بدء حملة الناتو الجوية الواسعة.
لكن من المهم الحفاظ على الدقة التاريخية: الجدل حول المسؤولية الفنية عن بعض الهجمات المدفعية في سراييفو استمر لسنوات، إلا أن المحاكم الدولية خلصت في قضايا لاحقة إلى مسؤولية القوات الصربية البوسنية عن حملة القصف والقنص ضد المدنيين في سراييفو.
ولم يكن ماركاله وحده الذي صنع القرار.
لقد جاء في لحظة كانت فيها الظروف العسكرية والسياسية قد تغيرت أصلًا.
لماذا أغسطس 1995؟
لأن عدة عوامل اجتمعت في الوقت نفسه.
كانت سربرنيتسا قد سقطت، والأزمة الإنسانية والسياسية وصلت إلى ذروتها، وكانت القوات الكرواتية والبوسنية تحقق تقدمًا على الأرض، بينما أصبح استمرار وجود قوات الأمم المتحدة بصورتها السابقة أكثر صعوبة.
كما كانت واشنطن قد أصبحت أكثر انخراطًا في البحث عن نهاية للحرب.
وفي هذه البيئة، أصبح استخدام القوة الجوية أكثر قبولًا باعتباره وسيلة لإجبار الأطراف على التفاوض من موقع مختلف.
وهذا فرق مهم.
لم يكن الهدف ببساطة الانتقام من سربرنيتسا.
كان الهدف جعل استمرار الحرب مكلفًا إلى درجة تدفع القيادة الصربية البوسنية إلى قبول تسوية سياسية.
عملية Deliberate Force
في 30 أغسطس 1995 بدأ الناتو عملية Deliberate Force ضد مواقع القوات الصربية البوسنية.
استمرت الحملة حتى 20 سبتمبر، وشملت ضربات جوية مكثفة ضد مواقع عسكرية واتصالات ودفاعات جوية ومخازن ووسائل دعم للقوات الصربية البوسنية.
وكانت هذه المرة مختلفة عن الضربات السابقة.
لم تعد الطائرات تستخدم بصورة أساسية لإرسال تحذير.
أصبحت جزءًا من حملة عسكرية هدفها إضعاف القدرة العسكرية للطرف الصربي البوسني ورفع تكلفة رفض التسوية.
وهنا يمكن القول إن الناتو انتقل فعليًا من الردع إلى فرض شروط جديدة على ساحة الحرب.
هل هزم الناتو الصرب وحده؟
لا.
وهذه نقطة مهمة حتى لا تتحول القصة إلى رواية مبسطة تقول إن الطائرات الأمريكية قصفت، فانهار جيش ملاديتش، وانتهت الحرب.
الحقيقة أكثر تعقيدًا.
في الوقت نفسه تقريبًا، كانت القوات الكرواتية تنفذ عمليات واسعة في غرب البوسنة، وكانت القوات الحكومية البوسنية تحقق تقدمًا على الأرض.
وبالتالي واجهت القوات الصربية البوسنية ضغطًا من اتجاهين:
ضغط جوي من الناتو، وضغط بري من القوات البوسنية والكرواتية.
وهذا الجمع هو الذي جعل الوضع العسكري مختلفًا جذريًا عن السنوات السابقة.
القوة الجوية لم تكن وحدها
الضربات الجوية تستطيع تدمير مراكز القيادة والاتصالات ومواقع المدفعية والدفاعات الجوية، لكنها لا تستطيع وحدها احتلال مدينة أو السيطرة على طريق جبلي أو طرد قوة برية من مساحة واسعة.
ولهذا كان أثر الناتو الأكبر مرتبطًا بتغيير البيئة التي تقاتل فيها القوات الصربية.
كلما تعرضت القيادة والاتصالات واللوجستيات والقدرات العسكرية للقصف، أصبحت قدرة الجيش على إدارة حرب طويلة أقل.
وفي الوقت نفسه كانت القوات الكرواتية والبوسنية تتحرك على الأرض.
هنا يصبح التدخل الجوي أكثر فاعلية: ليس لأنه يخوض الحرب بدل القوات البرية، بل لأنه يجعل عمل القوات البرية أسهل ويجعل تكلفة استمرار الطرف الآخر أعلى.
ماذا حدث لملاديتش؟
لم تختفِ قواته.
ولم يسقط جيشه في أيام.
لكن المسألة تحولت من سؤال: «هل يستطيع الصرب البوسنيون مواصلة القتال؟» إلى سؤال آخر: «ماذا يمكنهم تحقيق إذا واصلوا القتال؟»
وهذا التحول هو جوهر الحرب.
فالجيش يمكن أن يبقى قادرًا على القتال، لكنه قد يفقد القدرة على تحقيق أهدافه السياسية.
وفي تلك المرحلة، بدأت كلفة استمرار الحرب بالنسبة إلى القيادة الصربية البوسنية تتجاوز المكاسب التي يمكن تحقيقها.
من الحرب إلى التفاوض
بعد أسابيع من الضغط العسكري، أصبحت الظروف أكثر ملاءمة للتفاوض.
وفي أكتوبر 1995 دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ثم اجتمعت الأطراف في قاعدة رايت-باترسون الجوية في دايتون، أوهايو، للتفاوض على إنهاء الحرب.
وهنا تظهر حقيقة مهمة:
القصف لم يكن نهاية الحرب بقدر ما كان وسيلة للوصول إلى طاولة المفاوضات.
فالغرض النهائي للولايات المتحدة لم يكن احتلال البوسنة أو إسقاط صربيا أو القضاء على جمهورية صربسكا عسكريًا.
كان الهدف الوصول إلى تسوية يمكن فرضها سياسيًا بعد أن تغير ميزان القوة.
لكن لماذا قبلت صربيا نفسها بهذا المسار؟
لأن الحرب لم تعد تُدار من قبل ملاديتش وحده.
كان هناك أيضًا سلوبودان ميلوشيفيتش في بلغراد، وكان لاعبًا سياسيًا رئيسيًا في عملية التفاوض.
ومع وصول الحرب إلى هذه المرحلة، أصبحت القيادة في بلغراد أكثر اهتمامًا بإيجاد تسوية يمكن أن تحافظ على مكاسب صربية أساسية، بدل ترك الحرب تستمر بينما تتراجع المواقع العسكرية للقوات الصربية البوسنية.
وهنا سنصل في المقالات التالية إلى مسألة شديدة الأهمية:
الحرب انتهت بتفاوض بين أطراف كانت قد ارتكبت جرائم خطيرة، لكن هذا لم يمنع لاحقًا من ملاحقة بعض قادتها قضائيًا.
وهذا يفتح بابًا مختلفًا تمامًا: كيف استطاع المجتمع الدولي أن يقول في الوقت نفسه «تفاوضوا لإنهاء الحرب» و**«سنحاكم بعض المسؤولين عن جرائم الحرب»**؟
الخلاصة
لم يبدأ الناتو حربًا شاملة في البوسنة منذ البداية، ولم يكن القصف الجوي نتيجة قرار مفاجئ سببه حادث واحد.
كان هناك مسار طويل: حظر جوي، ضربات محدودة، دعم للمناطق الآمنة، أزمة الرهائن، سقوط سربرنيتسا، ثم تغير سياسي وعسكري واسع في صيف 1995.
والأهم أن الناتو لم ينتصر وحده.
الحملة الجوية جاءت في الوقت نفسه تقريبًا الذي كانت فيه القوات الكرواتية والبوسنية تحقق مكاسب ميدانية، ولذلك أصبحت القوات الصربية البوسنية أمام وضع لم تواجهه في السنوات الأولى من الحرب: قدرتها على مواصلة القتال بقيت موجودة، لكن قدرتها على تحسين موقعها السياسي من خلال القتال بدأت تتآكل.
وهنا كانت القوة الجوية تؤدي وظيفتها الحقيقية: ليس احتلال البوسنة، وليس إسقاط نظام صربيا، وإنما تغيير الحساب الذي يجلس به الخصم إلى طاولة المفاوضات.
لكن المفارقة لم تنتهِ.
فالذين قادوا الحرب من الجانب الصربي البوسني سيجلسون أو يقفون خلف عملية التفاوض، بينما سيبدأ في الوقت نفسه مسار آخر أكثر بطئًا: مسار العدالة الدولية.
وهكذا انتهت الحرب سياسيًا قبل أن تنتهي قصة المسؤولية الجنائية.