حرب البوسنة: الناتو ونهاية الحرب: دايتون.. كيف انتهت الحرب التي لم يستطع أحد حسمها؟

دايتون: كيف انتهت الحرب التي لم يستطع أحد حسمها؟

انتهت حرب البوسنة في نهاية عام 1995، لكن نهايتها لم تكن شبيهة بنهايات الحروب التقليدية. لم يدخل جيش منتصر إلى سراييفو ليعلن سقوط خصمه، ولم تستسلم جمهورية صربسكا، ولم تختفِ القوى السياسية التي خاضت الحرب. بدل ذلك، وصل الأطراف إلى طاولة المفاوضات بعدما تغير ميزان القوة بما يكفي لجعل استمرار الحرب أقل فائدة من قبول التسوية.

وهنا تكمن أهمية اتفاق دايتون. فهو لم يكن مجرد وثيقة أنهت إطلاق النار، بل كان محاولة لبناء دولة من الأطراف نفسها التي أمضت ثلاث سنوات ونصف في تدمير قدرتها على العيش المشترك. ولذلك فإن فهم دايتون يتطلب النظر إليه باعتباره نتيجة عسكرية وسياسية في الوقت نفسه.

عندما أصبح استمرار الحرب مكلفًا للجميع

بحلول خريف 1995 لم يعد الوضع الذي بدأت به الحرب قائمًا. القوات الصربية البوسنية لم تعد صاحبة التفوق الذي امتلكته عام 1992، بينما أصبحت القوات البوسنية أكثر تنظيمًا، وتحالفت مع القوات الكرواتية بعد إنهاء الصراع بين البوشناق والكروات عام 1994. وفي صيف 1995 حققت القوات الكرواتية والبوسنية تقدمًا واسعًا، بالتزامن مع حملة الناتو الجوية.

لكن هذا لا يعني أن الصرب البوسنيين كانوا على وشك الاختفاء عسكريًا. كانت لديهم قوات وأراضٍ وقيادة منظمة، وكان بإمكانهم الاستمرار في القتال، لكن المشكلة أصبحت أن استمرار القتال لم يعد يضمن لهم تحسين شروطهم.

وهنا يحدث أحد أهم التحولات في أي حرب: عندما يبقى الطرف قادرًا على القتال، لكنه يبدأ في الشك بأن القتال سيحسن موقعه السياسي.

الولايات المتحدة تدخل مرحلة مختلفة

كانت واشنطن قد حاولت طوال الحرب دفع الأطراف نحو التسوية، لكن في 1995 أصبحت الظروف أكثر ملاءمة للضغط المباشر. وكانت الإدارة الأمريكية تدرك أن أي اتفاق لن ينجح إذا لم يعكس ميزان القوة الحقيقي على الأرض.

ولهذا تولى الدبلوماسي الأمريكي ريتشارد هولبروك مهمة مركزية في الضغط على الأطراف، مستخدمًا مزيجًا من الدبلوماسية والضغط العسكري والسياسي.

لم تكن واشنطن تحاول ببساطة إقناع الأطراف بأن يتصالحوا.

كانت تحاول الوصول إلى صيغة تقول لهم عمليًا: هذه هي الحدود التي أصبح ممكنًا التفاوض عندها، وهذه هي تكلفة رفض الاتفاق.

وهذا هو الفرق بين الوساطة في بداية الحرب والوساطة في نهايتها.

لماذا ذهبت المفاوضات إلى دايتون؟

اختيرت قاعدة رايت-باترسون الجوية قرب دايتون في ولاية أوهايو مكانًا للمفاوضات في نوفمبر 1995.

وكان اختيار المكان له دلالة عملية؛ فقد أرادت الولايات المتحدة أن تبقي الأطراف في بيئة مغلقة وتحت ضغط تفاوضي مباشر، بعيدًا عن الإعلام وضغوط العواصم المحلية.

شارك في المفاوضات ممثلون عن الحكومة البوسنية، وصربيا والجبل الأسود، والقيادة الكرواتية، إلى جانب الأطراف البوسنية المختلفة، وكان ميلوشيفيتش يؤدي دورًا محوريًا في تمثيل الجانب الصربي في المفاوضات.

وهنا تظهر نقطة مهمة لفهم ما حدث لاحقًا: الشخص الذي تفاوض على إنهاء الحرب لم يكن بالضرورة الشخص نفسه الذي سيواجه المحكمة الجنائية لاحقًا.

فالمجتمع الدولي كان يحتاج إلى قادة الحرب للتفاوض، لكنه لم يعتبر التفاوض إعفاءً تلقائيًا من المسؤولية الجنائية.

ماذا كان المطلوب من الاتفاق؟

كان الهدف الأساسي وقف الحرب وإنشاء إطار سياسي يسمح للبوسنة والهرسك بالبقاء دولة واحدة.

وهذا لم يكن أمرًا بسيطًا.

فالقوات الصربية البوسنية كانت قد سيطرت على مساحة كبيرة من البلاد، وكانت تريد ضمان وجود سياسي وإداري قوي للصرب داخل الدولة الجديدة، بينما كانت الحكومة البوسنية تريد الحفاظ على وحدة الدولة وعدم تحويل المكاسب العسكرية الصربية إلى استقلال فعلي.

أما كروات البوسنة، فكان لديهم بدورهم مشروع سياسي ومناطق نفوذ ومصالح مرتبطة بكرواتيا.

ولهذا لم يكن الاتفاق بحثًا عن «الحل المثالي»، بل عن ترتيب يستطيع أطراف الحرب قبوله دون العودة مباشرة إلى القتال.

الدولة الواحدة والكيانان

خرج اتفاق دايتون بصيغة شديدة التعقيد.

أُبقيت البوسنة والهرسك دولة واحدة ذات سيادة، لكنها قُسمت داخليًا إلى كيانين رئيسيين: اتحاد البوسنة والهرسك، الذي يضم البوشناق والكروات، وجمهورية صربسكا.

وكان هذا أحد أهم تناقضات الاتفاق.

فهو حافظ على وحدة البوسنة كدولة، لكنه في الوقت نفسه اعترف بواقع جغرافي وسياسي صنعته الحرب.

وبذلك لم يحاول دايتون إعادة عقارب الساعة إلى عام 1992.

لقد أخذ الخريطة التي صنعتها الحرب، ثم حاول تحويلها من خريطة عسكرية إلى خريطة سياسية.

لماذا قبل الصرب بهذا الترتيب؟

لأنهم حصلوا على شيء مهم جدًا.

جمهورية صربسكا لم تحصل على دولة مستقلة، لكن الكيان الصربي أصبح جزءًا أساسيًا من البنية السياسية الجديدة للبوسنة والهرسك.

وهذا يعني أن الجانب الصربي لم يخرج من الحرب خاسرًا بالكامل.

احتفظ بكيان سياسي وإقليمي واسع داخل الدولة البوسنية، وضمن له الاتفاق نظامًا دستوريًا ومؤسسات تمثيلية خاصة.

لكن في المقابل، تخلت القيادة الصربية البوسنية عن هدف الاستقلال الكامل الذي كان يمكن أن يحول الجمهورية إلى دولة صربية مستقلة داخل البوسنة.

وهذه هي طبيعة التسوية.

كل طرف اضطر إلى التخلي عن جزء من هدفه كي يحتفظ بجزء آخر.

وماذا حصلت الحكومة البوسنية؟

حصلت على ما كان أكثر أهمية من الناحية القانونية والسياسية: استمرار البوسنة والهرسك كدولة واحدة معترف بها دوليًا.

لكنها لم تحصل على دولة مركزية قوية كما كانت تريد.

فالسلطة وزعت بين الدولة والكيانين ومؤسسات عديدة، وأصبحت عملية اتخاذ القرار شديدة التعقيد.

ولهذا يمكن القول إن الحكومة البوسنية ربحت الحرب من حيث بقاء الدولة، لكنها لم تستعد البوسنة الموحدة سياسيًا كما كانت قبل الحرب.

وماذا عن كرواتيا؟

كانت كرواتيا أيضًا جزءًا مهمًا من التسوية.

بعد إنهاء الحرب الكرواتية-البوشناقية، أصبحت العلاقة بين الكروات والبوشناق مختلفة، وأصبح اتحاد البوسنة والهرسك الإطار الذي يجمعهما داخل الدولة الجديدة.

وبذلك أزال دايتون احتمال استمرار وجود ثلاث سلطات متحاربة منفصلة، لكنه لم يلغِ الانقسامات التي صنعتها الحرب.

وهذه نقطة ستصبح مهمة جدًا في تاريخ البوسنة بعد 1995.

الاتفاق لم يكن سلامًا فقط، بل نظامًا جديدًا

أحد أهم جوانب دايتون أنه لم يكتفِ بإعلان وقف إطلاق النار.

الاتفاق وضع ترتيبات دستورية وسياسية وأمنية، وحدد شكل الدولة وتقاسم السلطة، وأسس آليات لعودة اللاجئين والنازحين والتعاون في تنفيذ الاتفاق.

لكن هذا التعقيد كان له ثمن.

فالدولة التي خرجت من الحرب أصبحت شديدة اللامركزية، وتوزيع السلطة فيها مرتبط بصورة كبيرة بالانقسامات الإثنية التي كرستها الحرب.

وبالتالي نجح دايتون في تحقيق هدفه الأساسي: إيقاف الحرب.

لكنه لم يحل كل المشكلات التي أنتجتها الحرب.

وهنا يجب التفريق بين نجاح الاتفاق في إنهاء القتال وبين نجاحه في بناء دولة فعالة.

القوة العسكرية بعد الحرب

كان المجتمع الدولي قد تعلم درسًا مهمًا من سنوات الحرب.

لم تعد الأمم المتحدة هي القوة العسكرية الأساسية التي يُفترض أن تفرض الاتفاق.

بعد توقيع دايتون، تولت قوة متعددة الجنسيات بقيادة الناتو، IFOR، تنفيذ الجوانب العسكرية للاتفاق، وانتشرت بأعداد كبيرة في البوسنة.

وكان هذا تحولًا واضحًا مقارنة بمرحلة UNPROFOR.

في زمن الحرب كان المجتمع الدولي يحاول حفظ السلام دون امتلاك قوة كافية لفرضه.

أما بعد دايتون، فقد جاء الترتيب مختلفًا:

الاتفاق السياسي أولًا، ثم قوة عسكرية كبيرة تملك القدرة على فرض الالتزام به.

وهذه كانت إحدى أهم الدروس التي خرج بها المجتمع الدولي من تجربة البوسنة.

هل كان دايتون عادلًا؟

هذا سؤال مختلف عن سؤال: هل كان فعالًا؟

من الناحية الإنسانية والأخلاقية، يمكن انتقاد الاتفاق لأنه لم يعاقب جميع المسؤولين عن الجرائم قبل التوصل إلى السلام، ولأنه قبل في النهاية جزءًا كبيرًا من الواقع الإقليمي الذي صنعته الحرب.

لكن من الناحية العملية، كان أمام المفاوضين خيار صعب.

كان عليهم أن يوقفوا حربًا أودت بحياة عشرات الآلاف وشردت ملايين الأشخاص، وكان أي اتفاق يتطلب تنازلات.

لذلك فإن دايتون ليس نموذجًا للعدالة الكاملة.

إنه نموذج لـالسلام الممكن بعد حرب لا يستطيع أي طرف إنهاءها بالشكل الذي يريد.

وهنا تظهر مشكلة العدالة الدولية

لكن قبول القادة بالتفاوض لم يعنِ أن المجتمع الدولي نسي الجرائم.

وهذا يقودنا إلى واحدة من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في قصة البوسنة.

ففي الوقت نفسه تقريبًا الذي كان فيه السياسيون يجلسون للتفاوض، كانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة قد بدأت بالفعل بمحاكمة مسؤولين عن جرائم الحرب.

وهذا يعني أن المجتمع الدولي فصل بين مسارين:

مسار سياسي لإنهاء الحرب.

ومسار قضائي لمحاسبة الأفراد.

وقد يبدو هذا التناقض غريبًا في البداية.

كيف يمكنك أن تجلس مع رجل لإنهاء الحرب، ثم تطلب لاحقًا القبض على أشخاص من المعسكر نفسه؟

لكن من الناحية القانونية والسياسية، كان هناك فرق جوهري بين التفاوض مع ممثلي الأطراف لإنهاء النزاع وبين منحهم حصانة من الجرائم التي ارتكبوها.

وهنا تبدأ قصة جديدة تمامًا.

ماذا حدث لراتكو ملاديتش؟

بعد الحرب لم يعد ملاديتش قائدًا عسكريًا في جبهة مشتعلة.

اختفى تدريجيًا من المشهد العلني، وتحول من قائد جيش إلى هارب من العدالة الدولية.

وهنا تظهر المفارقة التي ناقشناها في بداية السلسلة: الشخص الذي كان يمتلك سلطة هائلة أثناء الحرب أصبح بعد الحرب شخصًا مطلوبًا، بينما النظام السياسي الذي خاض الحرب لم يختفِ فورًا.

لم يكن التحول من «قائد» إلى «هارب» نتيجة قرار واحد بسيط.

كان جزءًا من عملية سياسية طويلة تغيرت فيها السلطة في بلغراد وبانیا لوكا، وتغيرت حسابات صربيا نفسها، وأصبح استمرار حماية المطلوبين دوليًا عبئًا على الدولة بدل أن يكون أصلًا سياسيًا.

وهذا هو الموضوع الذي سنحتاج إلى تفكيكه في المقالات التالية.

الخلاصة

لم ينتهِ الصراع في دايتون لأن أحد الأطراف هُزم بالكامل.

انتهى لأن ميزان القوة تغير بما يكفي، وأصبح استمرار الحرب أكثر تكلفة من التسوية.

القوات الصربية البوسنية خسرت قدرتها على فرض شروطها كما كانت في بداية الحرب، لكنها احتفظت بكيان سياسي وإقليمي داخل البوسنة. والحكومة البوسنية نجحت في الحفاظ على الدولة الموحدة، لكنها قبلت بنظام داخلي شديد التعقيد. أما كروات البوسنة فوجدوا مكانهم داخل اتحاد مع البوشناق.

ولهذا كان دايتون تسوية أكثر منه انتصارًا.

وقد نجح في أهم شيء كان مطلوبًا منه: إيقاف الحرب.

لكن السلام الذي صنعه لم يمحُ نتائج الحرب؛ بل حولها من خطوط جبهة إلى مؤسسات ودساتير وكيانات سياسية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الحرب انتهت على الخريطة، لكنها تركت جزءًا من نفسها داخل بنية الدولة التي ولدت من السلام.

أما قصة ملاديتش وميلوشيفيتش وكاراديتش وغيرهم، فلم تنتهِ في دايتون.

فبعد أن جلس قادة الحرب إلى طاولة التفاوض، بدأ سؤال آخر يفرض نفسه:

متى يتحول رجل الحرب من شريك ضروري في صناعة السلام إلى متهم مطلوب أمام العدالة الدولية؟

وهنا تبدأ المرحلة الأخيرة من السلسلة: ما بعد الحرب، وسقوط النظام الذي حمى قادة الحرب، ثم مطاردة ملاديتش ومحاكمته.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.