حرب البوسنة: الناتو ونهاية الحرب: ما بعد دايتون.. كيف تحول قادة الحرب من رجال أقوياء إلى مطاردين؟

ما بعد دايتون: كيف تحول قادة الحرب من رجال أقوياء إلى مطاردين؟

انتهت حرب البوسنة في نوفمبر 1995، لكن اتفاق دايتون لم يكن نهاية القصة بالنسبة إلى الذين قادوا الحرب. فقد توقفت المدافع، وتغيرت الخرائط العسكرية إلى حدود سياسية، ودخلت قوات دولية جديدة إلى البلاد، بينما بقيت أسماء كثيرة من سنوات الحرب مرتبطة بملفات مفتوحة أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف عندها: المجتمع الدولي الذي احتاج إلى التفاوض مع قادة الأطراف لإنهاء الحرب لم يكن مستعدًا بالضرورة لمنحهم حصانة من المسؤولية عن الجرائم. ولذلك بدأت بعد دايتون عملية مختلفة تمامًا؛ لم تعد المعركة على الأرض، بل أصبحت حول من سيبقى في السلطة، ومن سيُسلَّم للمحكمة، ومن يستطيع الاختفاء، ومن ستتغير الدولة التي تحميه.

انتهت الحرب ولم تنتهِ السلطة

لم يكن انتهاء الحرب يعني أن جميع القادة الذين خاضوها خرجوا من المشهد في اليوم التالي.

بعضهم بقي داخل المؤسسات السياسية، وبعضهم احتفظ بنفوذ واسع، وبعضهم ظل مرتبطًا بالأجهزة الأمنية والعسكرية التي نشأت خلال الحرب. ولم تكن البوسنة دولة مركزية قوية تستطيع ببساطة أن تعيد ترتيب المشهد السياسي وحدها؛ فقد أصبح النظام الذي أنشأه دايتون شديد التعقيد، بينما بقيت القوى التي خرجت من الحرب موجودة داخل هذا النظام.

ولهذا فإن الانتقال من الحرب إلى السلام لم يكن انتقالًا مباشرًا من الحرب إلى العدالة.

كان هناك أولًا انتقال من الحرب إلى السياسة.

ثم بدأت السياسة نفسها تتغير.

المحكمة كانت موجودة قبل نهاية الحرب

لم تبدأ محاكمة قادة الحرب بعد دايتون.

ففي عام 1993 أنشأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، المعروفة اختصارًا بـICTY، للنظر في الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي التي ارتُكبت في حروب يوغوسلافيا.

وهذا مهم جدًا، لأن إنشاء المحكمة سبق اتفاق دايتون.

أي أن المجتمع الدولي لم يقل للأطراف: تفاوضوا أولًا، وبعد ذلك سنقرر هل كانت هناك جرائم.

بل كانت عملية العدالة الدولية قد بدأت أصلًا، ثم جاءت التسوية السياسية لإنهاء الحرب.

وهنا بدأ يظهر التوتر بين مسارين مختلفين: الدبلوماسية التي تحتاج إلى التحدث مع أصحاب النفوذ، والقضاء الذي يريد محاسبة الأفراد.

لماذا لم يُعتقلوا فورًا؟

لأن امتلاك أمر اعتقال لا يعني امتلاك القدرة على تنفيذ الاعتقال.

هذه نقطة تبدو بسيطة لكنها تفسر الكثير من تاريخ ما بعد الحرب.

كانت المحكمة قادرة على إصدار لوائح اتهام وأوامر توقيف، لكنها لم تكن تملك قوة شرطة خاصة بها قادرة على دخول المناطق التي يختبئ فيها المتهمون واعتقالهم.

وكان تنفيذ أوامر المحكمة يعتمد بدرجة كبيرة على تعاون الدول والقوات الدولية الموجودة في المنطقة.

وهنا ظهرت مشكلة حقيقية: ماذا تفعل إذا كان المطلوب موجودًا في منطقة لا تتعاون سلطاتها بالكامل مع المحكمة؟

كان يمكن إصدار الأمر القضائي، لكن تنفيذ الأمر يحتاج إلى قوة سياسية وأمنية.

كاراديتش وملاديتش: اسمان في قلب القضية

كان رادوفان كاراديتش، الزعيم السياسي لصرب البوسنة، وراتكو ملاديتش، قائد قواتها المسلحة، من أبرز المطلوبين لدى المحكمة.

وقد وُجهت إليهما اتهامات خطيرة، شملت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ثم أصبحت قضية سربرنيتسا وسراييفو وغيرها جزءًا أساسيًا من الملفات التي نظرت فيها المحكمة.

لكن الرجلين لم يذهبا إلى لاهاي بعد انتهاء الحرب.

بل اختفيا.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر مراحل القصة غرابة: كيف يستطيع شخص كان يظهر علنًا أمام العالم ويقود قوات كبيرة أن يتحول خلال سنوات قليلة إلى رجل يعيش في الظل؟

الإجابة تكمن في تغير البيئة السياسية.

دايتون لم يسقط جمهورية صربسكا

وهذه نقطة ضرورية حتى نفهم ما حدث.

لم تكن نتيجة دايتون إزالة جمهورية صربسكا أو تفكيك بنيتها السياسية.

على العكس، أصبحت جمهورية صربسكا أحد الكيانين الأساسيين داخل البوسنة والهرسك.

وبالتالي لم يكن من الممكن التعامل مع انتهاء الحرب باعتباره احتلالًا عسكريًا يتيح للقوات الدولية اعتقال كل المطلوبين بالقوة.

كان هناك كيان سياسي ومؤسسات محلية ومجموعة من المصالح المتشابكة.

ولهذا أصبح القبض على كبار المطلوبين عملية سياسية وأمنية تدريجية أكثر منها عملية عسكرية مباشرة.

ولماذا لم يكن ميلوشيفيتش مختفيًا؟

هنا تظهر مقارنة مهمة.

سلوبودان ميلوشيفيتش لم يكن قائدًا عسكريًا صربيًا بوسنيًا مختبئًا في قرية أو منزل آمن.

كان رئيسًا لصربيا ثم رئيسًا لجمهورية يوغوسلافيا الاتحادية، وكان لاعبًا سياسيًا مركزيًا في المفاوضات التي أنهت حرب البوسنة.

ولهذا احتاج المجتمع الدولي إلى التعامل معه سياسيًا.

لكن انتهاء حرب البوسنة لم يكن نهاية مسيرته السياسية.

بعد سنوات قليلة، دخل في مواجهة سياسية داخلية كبيرة، خصوصًا بعد حرب كوسوفو عام 1999، ثم خسر الانتخابات الرئاسية في عام 2000 وسط احتجاجات واسعة.

بعد سقوطه من السلطة، تغيرت قدرة الدولة الصربية على حمايته.

وفي عام 2001 اعتقلته السلطات الصربية وسُلِّم إلى المحكمة في لاهاي.

وهنا نرى بوضوح العلاقة بين تغير السلطة وتغير مصير المطلوبين.

سقوط الحماية السياسية

هذه ربما أهم قاعدة لفهم مرحلة ما بعد الحرب:

المتهم الذي تحميه دولة أو شبكة سياسية يمكن أن يبقى هاربًا سنوات، لكن تغير السلطة قد يحول أمر الاعتقال من وثيقة غير قابلة للتنفيذ إلى عملية ممكنة.

وهذا ما حدث بدرجات مختلفة مع عدد من المتهمين.

ففي السنوات الأولى بعد الحرب، كانت أجزاء من البيئة السياسية والأمنية في صربيا والبوسنة لا تزال مرتبطة برجال الحرب والمؤسسات التي عملوا من خلالها.

لكن مع مرور الوقت بدأت الحسابات تتغير.

أصبحت العلاقات مع الغرب، ورفع العقوبات، والاندماج الأوروبي، والحصول على مساعدات واستثمارات، والتعاون الدولي، أكثر أهمية من حماية بعض الشخصيات التي أصبحت عبئًا سياسيًا.

وهنا بدأ ميزان المصالح يتحول.

كاراديتش يختفي تحت هوية جديدة

تمكن كاراديتش من الاختفاء سنوات طويلة، وفي النهاية اعتُقل في بلغراد عام 2008.

واللافت في قصته أنه عاش فترة طويلة بهوية مختلفة، وظهر علنًا بمظهر رجل يعمل في مجال الطب البديل، قبل أن تتعرف السلطات إليه وتعتقله.

لكن الأهم من غرابة الاختفاء نفسه هو ما يكشفه سياسيًا.

كاراديتش لم يكن رجلًا مجهولًا.

كان أحد أبرز قادة الحرب.

ومع ذلك استطاع أن ينتقل من شخصية سياسية وعسكرية معروفة عالميًا إلى رجل يعيش حياة مختلفة تمامًا داخل العاصمة الصربية.

وهذا لم يكن ممكنًا فقط بسبب قدرته الشخصية على الاختفاء، بل بسبب شبكات الحماية والدعم التي سمحت له بالبقاء خارج متناول المحكمة لسنوات.

ملاديتش كان أكثر صعوبة

أما راتكو ملاديتش فكانت قصته مختلفة قليلًا.

كان يتمتع بشبكات قوية داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، واحتفظ بعلاقات مع أشخاص كانوا مستعدين لمساعدته على الاختفاء.

وظل اسمه حاضرًا في البيئة السياسية والقومية الصربية، وكان بالنسبة إلى بعض أنصاره بطلًا عسكريًا، بينما كان بالنسبة إلى المحكمة أحد أخطر المطلوبين.

وهذا جعل اعتقاله أكثر حساسية.

فالدولة لم تكن تتعامل فقط مع رجل مطلوب، بل مع رمز سياسي وعسكري له أنصار وشبكات ومؤسسات سابقة يمكن أن تحميه.

لماذا تغيرت الأمور؟

لم يكن هناك يوم واحد قررت فيه صربيا فجأة أن تسلم كل المطلوبين.

كان هناك تغير تدريجي في الدولة والمجتمع والعلاقات الدولية.

بعد سقوط ميلوشيفيتش، أصبحت القيادة الجديدة في بلغراد أكثر استعدادًا للتعاون مع المحكمة الدولية، وإن ظل الأمر محل صراع سياسي داخلي.

وسُلِّم عدد من المتهمين خلال السنوات التالية.

لكن ملاديتش ظل خارج متناول السلطات لفترة أطول.

وهذا يوضح أن سقوط النظام لا يعني بالضرورة سقوط كل شبكاته في اليوم نفسه.

قد تتغير الحكومة، بينما تبقى المؤسسات القديمة والأفراد الذين عملوا فيها.

الاعتقال لا يعني نهاية القضية

بعد القبض على المطلوبين تبدأ مرحلة أخرى.

المحكمة لا تحاكم «حربًا» كاملة، وإنما أفرادًا ومسؤوليات محددة.

وهذا يتطلب إثبات أن المتهم ارتكب الجريمة بنفسه أو ساهم فيها وفق المعايير القانونية المعتمدة، أو كان مسؤولًا عنها ضمن سلسلة القيادة عندما تتوافر شروط المسؤولية الجنائية.

وهنا تصبح القضية مختلفة جذريًا عن الخطاب السياسي.

في الحرب يمكن أن يقول القائد: «كانت هذه عملية عسكرية.»

لكن المحكمة تسأل أسئلة أكثر تحديدًا:

من أصدر الأمر؟

من عرف؟

من كان يملك القدرة على منع الجريمة؟

ما الذي حدث بعد أن عرف المسؤول بما يجري؟

وهل كانت الجرائم جزءًا من خطة أو سياسة أو نمط من الأفعال؟

وهذه الأسئلة هي التي جعلت ملفات البوسنة تستغرق سنوات طويلة.

ملاديتش أمام المحكمة

اعتُقل ملاديتش في صربيا عام 2011، بعد نحو ستة عشر عامًا من نهاية حرب البوسنة.

وفي لاهاي بدأت محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.

وفي عام 2017 أُدين بارتكاب الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة.

ثم أكدت آلية الأمم المتحدة الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحكمتين الجنائيتين ليوغوسلافيا السابقة ورواندا الحكم في الاستئناف عام 2021.

وهنا انتهت مرحلة طويلة من المطاردة، لكن ليس بمعنى أن المحكمة «حاكمت الحرب كلها».

لقد حاكمت مسؤولية شخص محدد عن الجرائم التي ثبتت عليه قضائيًا.

ماذا عن الانتقائية؟

وهنا يجب العودة إلى السؤال الذي بدأنا به هذه السلسلة: لماذا حوكم ملاديتش بينما لم يُحاكم كل من ارتكب جرائم خلال الحرب؟

هذا سؤال مشروع، لكن الإجابة تحتاج إلى دقة.

المحكمة لم تكن مؤسسة تملك صلاحية محاكمة كل شخص شارك في الحرب.

كانت هناك حدود للاختصاص، وأدلة متفاوتة، ومتطلبات قانونية لإثبات المسؤولية الفردية، كما أن بعض الأشخاص ماتوا قبل محاكمتهم، وبعض الملفات لم تصل إلى مستوى الإثبات المطلوب.

وفي المقابل، حوكم أيضًا أشخاص من أطراف مختلفة في الحرب، وليس فقط الصرب.

لذلك سيكون من غير الدقيق اختزال المحكمة في فكرة «محاكمة الصرب فقط».

لكن هذا لا يعني أن النظام كان كاملًا أو أن كل أشكال العدالة كانت متساوية.

فالوصول إلى المتهمين، والتعاون السياسي، وقدرة الدول على تنفيذ الاعتقالات، كلها عوامل أثرت فعليًا في مسار العدالة.

ولهذا فإن الانتقائية ليست تفسيرًا كافيًا، لكنها أيضًا ليست سؤالًا يمكن تجاهله.

المفارقة الأخيرة

بعد كل ما حدث، يمكن أن ننظر إلى مسار الحرب من زاوية مختلفة.

في البداية كان ملاديتش قائدًا عسكريًا يستطيع تحريك آلاف الجنود.

ثم أصبح طرفًا في حرب دولية معقدة.

ثم أصبح مطلوبًا من محكمة دولية.

ثم اختفى.

ثم أصبح رمزًا لبعض أنصاره.

ثم اعتُقل.

ثم جلس أمام المحكمة التي كانت بعيدة تمامًا عن ساحة الحرب التي كان يتحكم بها.

هذه ليست مجرد قصة سقوط رجل.

إنها قصة تغير البيئة السياسية التي جعلت قوته ممكنة أصلًا.

فالقائد لا يكون قويًا فقط لأنه يمتلك السلاح؛ يكون قويًا لأن هناك دولة أو مؤسسة أو شبكة أو مجتمعًا سياسيًا يسمح له باستخدام ذلك السلاح.

وعندما تتغير تلك البيئة، قد يبقى الرجل نفسه، لكن قدرته على حماية نفسه تختفي.

الخلاصة

لم تتحول شخصيات الحرب البوسنية من قادة أقوياء إلى متهمين ومطاردين بمجرد توقيع دايتون.

حدث ذلك على مراحل: أولًا توقفت الحرب، ثم تغيرت موازين القوى، ثم بدأت المؤسسات الدولية في ممارسة الضغط، ثم تغيرت الحكومات في المنطقة، وأصبح التعاون مع المحكمة أكثر فائدة للدول من حماية بعض قادة الحرب.

ولهذا فإن قصة ملاديتش لا يمكن فهمها باعتبارها قصة «هروب رجل من العدالة» فقط.

إنها أيضًا قصة انهيار البيئة السياسية التي جعلت اختفاءه ممكنًا لسنوات طويلة.

والأهم أن دايتون لم يضع نهاية فورية لهذا الصراع؛ لقد نقل الصراع من الجبهة إلى المؤسسات، ومن المدفعية إلى الدستور، ومن الجيش إلى السياسة، ثم من السياسة إلى المحاكم.

وهنا ربما تكون المفارقة الأعمق في حرب البوسنة كلها: السلام احتاج إلى التفاوض مع رجال الحرب، بينما احتاجت العدالة لاحقًا إلى ملاحقتهم.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.