من دايتون إلى لاهاي: لماذا تأخرت العدالة سنوات؟

انتهت الحرب في البوسنة، لكن نهاية القتال لم تعنِ أن الذين قادوا الحرب أصبحوا فورًا خلف القضبان. كان اتفاق دايتون يحتاج إلى رجال يملكون نفوذًا حقيقيًا لإنهاء القتال، بينما كانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة تريد ملاحقة بعض هؤلاء الرجال أنفسهم بتهم تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وهنا نشأت واحدة من أكثر مفارقات مرحلة ما بعد الحرب تعقيدًا: المجتمع الدولي أراد السلام بسرعة، لكنه احتاج سنوات حتى يستطيع تنفيذ العدالة.
ولم تكن المشكلة في وجود المحكمة وحده، فقد أُنشئت بالفعل منذ 1993. المشكلة كانت في شيء أكثر واقعية: من سيعتقل المتهمين عندما يكون بعضهم محميًا من مؤسسات محلية، وبعضهم يمتلك أنصارًا داخل الجيش والأجهزة الأمنية، وبعضهم لا يزال يتمتع بمكانة سياسية أو رمزية؟
لذلك لم تكن رحلة ملاديتش من قائد جيش إلى سجين في لاهاي رحلة قضائية فقط، بل كانت أيضًا قصة تغير السلطة وتفكك شبكات الحماية.
المحكمة التي سبقت نهاية الحرب
أنشأ مجلس الأمن الدولي المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة عام 1993، أي قبل نهاية الحرب بعامين.
كان ذلك قرارًا استثنائيًا في تاريخ العدالة الدولية الحديثة، لأن المحكمة لم تنتظر انتهاء النزاع حتى تبدأ العمل. بدأت التحقيقات والاتهامات بينما كانت المعارك لا تزال مستمرة.
لكن إنشاء المحكمة لم يكن يعني أن لديها شرطة خاصة بها. كانت المحكمة تستطيع إصدار لوائح الاتهام وأوامر الاعتقال وإجراء المحاكمات، لكنها كانت تعتمد على الدول والقوات الموجودة في المنطقة لتنفيذ الاعتقالات وتسليم المتهمين. وهنا ظهرت الفجوة بين القانون والقدرة على فرض القانون.
يمكن لقاضٍ أن يقول إن شخصًا مطلوب للعدالة، لكن إذا كانت القوة التي تستطيع اعتقاله لا تريد أو لا تستطيع الوصول إليه، فقد يبقى الأمر القضائي سنوات دون تنفيذ.
السلام احتاج إلى بعض هؤلاء الرجال
كانت هذه إحدى أكثر مشكلات مرحلة ما بعد دايتون حساسية. القادة الذين كانوا يملكون القدرة على وقف القتال لم يصبحوا بلا قيمة سياسية بمجرد توقيع الاتفاق. كان ميلوشيفيتش لاعبًا أساسيًا في التفاوض، وكان كاراديتش يمثل القيادة السياسية لصرب البوسنة، بينما كان ملاديتش قائد القوة العسكرية التي تسيطر على الأرض.
لكن المجتمع الدولي كان أمام معادلة صعبة: إذا أردت إنهاء الحرب، عليك التعامل مع الأشخاص الذين يملكون القدرة على إنهائها؛ وإذا أردت تحقيق العدالة، فعليك لاحقًا ملاحقة بعض الأشخاص أنفسهم. وهذا لا يعني أن دايتون منحهم حصانة قانونية. لكنه يعني أن الأولوية السياسية في تلك اللحظة كانت وقف الحرب.
لماذا لم تعتقلهم قوات الناتو فورًا؟
قد يبدو الأمر غريبًا اليوم: قوات الناتو كانت موجودة بأعداد كبيرة في البوسنة بعد دايتون، فلماذا لم تدخل ببساطة إلى مخابئ ملاديتش وكاراديتش وتعتقلهما؟ الجواب أن المهمة العسكرية التي جاءت بعد دايتون كانت في الأساس تنفيذ الاتفاق العسكري والحفاظ على السلام، وليس خوض عمليات واسعة لاعتقال جميع المطلوبين. كما أن اعتقال شخصية مثل ملاديتش لم يكن عملية شرطية عادية.
كان يمكن أن يؤدي إلى اشتباك مسلح مع حراسه أو أنصاره، وربما إلى اضطراب أمني داخل المناطق الصربية. ولهذا كان هناك تردد في السنوات الأولى في تنفيذ عمليات اعتقال يمكن أن تؤدي إلى تجدد العنف. وهنا ظهر تناقض آخر:
القوة الدولية كانت موجودة لمنع عودة الحرب، ولذلك كانت حريصة على ألا يؤدي تنفيذ العدالة إلى إشعال حرب جديدة.
لكن الضغط لم يتوقف
هذا لا يعني أن المجتمع الدولي تخلى عن المحكمة. بل بدأ استخدام أدوات أخرى: المساعدات الاقتصادية، العلاقات الدبلوماسية، العقوبات، إعادة بناء المؤسسات، والتقارب الأوروبي.
وبدأت الدول التي تريد الخروج من العزلة الدولية تدرك أن التعاون مع المحكمة أصبح جزءًا من شروط العودة إلى النظام الدولي الطبيعي. وبذلك تحولت العدالة من مسألة أخلاقية وقانونية فقط إلى مصلحة سياسية أيضًا. كلما تغيرت الحكومات في المنطقة، تغيرت حسابات حماية المطلوبين.
سقوط ميلوشيفيتش
كانت نقطة التحول الأوضح في صربيا عام 2000. بعد سنوات من حكم ميلوشيفيتش، خسر الانتخابات الرئاسية وسط أزمة سياسية واحتجاجات جماهيرية، ثم غادر السلطة. ولم يكن هذا مجرد تغيير في شخص الرئيس. كان تحولًا في العلاقة بين الدولة الصربية والمجتمع الدولي.
الحكومة الجديدة كانت بحاجة إلى رفع العزلة الدولية وإعادة بناء علاقات صربيا مع الغرب، وكان التعاون مع المحكمة أحد الملفات الأساسية في هذا المسار. وفي عام 2001 اعتُقل ميلوشيفيتش وسُلِّم إلى لاهاي.
وهنا ظهرت الحقيقة التي ستتكرر لاحقًا: سقوط الحماية السياسية أهم أحيانًا من صدور أمر الاعتقال نفسه.
ماذا حدث لكاراديتش؟
ظل رادوفان كاراديتش مختفيًا لسنوات بعد الحرب. وفي عام 2008 اعتُقل في بلغراد بعد أن عاش سنوات بهوية مختلفة وبمظهر بعيد عن صورته السياسية السابقة. كان اعتقاله دليلًا آخر على أن الزمن يعمل ضد شبكات الحماية. فالرجل الذي كان يومًا رئيسًا لكيان صربي بوسني لم يعد يمتلك الدولة التي تحميه كما كانت في زمن الحرب.
وفي عام 2016 أُدين أمام المحكمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ثم حُكم عليه بالسجن مدى الحياة بعد الاستئناف. لكن بقي اسم واحد أكثر استعصاءً.
ملاديتش: لماذا كان أصعب؟ السنوات الطويلة في الظل
كان ملاديتش مختلفًا لأنه لم يكن مجرد سياسي سابق. كان قائدًا عسكريًا، وكانت له روابط طويلة بالمؤسسة العسكرية والأمنية في يوغوسلافيا السابقة ثم صربيا، كما حظي بدعم شبكات من العسكريين السابقين والمتعاطفين. وظل يتمتع بصورة بطولية لدى جزء من القوميين الصرب. وهذا جعل اعتقاله أكثر حساسية من الناحية الأمنية والسياسية. لم يكن المطلوب مجرد العثور على مكان اختبائه. كان المطلوب تفكيك الشبكة التي جعلت اختفاءه ممكنًا.
ظل ملاديتش هاربًا حتى عام 2011. وخلال هذه السنوات ظهرت تقارير متكررة عن أماكن محتملة لوجوده، وعن شبكة من الأشخاص الذين ساعدوه، وعن صعوبة اختراق هذه الشبكة. لكن التحول السياسي داخل صربيا استمر. ومع الوقت أصبح استمرار حماية ملاديتش أكثر تكلفة على الدولة.
كانت صربيا تريد تحسين علاقاتها مع أوروبا، وكان ملف المطلوبين يشكل عقبة مستمرة أمام ذلك. وهكذا أصبح السؤال يتغير من: كيف نحمي ملاديتش؟ إلى: كيف نتخلص من هذا العبء دون تفجير أزمة داخلية؟ وهذا فرق سياسي هائل.
الاعتقال عام 2011.. من قائد إلى متهم
في 26 مايو 2011 أعلنت السلطات الصربية اعتقال راتكو ملاديتش في قرية لزاريفو شمال بلغراد. كان يعيش بهوية غير علنية، وظهر بعد الاعتقال بصورة مختلفة تمامًا عن الرجل الذي ظهر في تسجيلات الحرب. وبعد أيام قليلة سُلِّم إلى المحكمة في لاهاي.
وهكذا انتهت مطاردة استمرت قرابة ستة عشر عامًا منذ نهاية الحرب. لكن الاعتقال لم يكن نهاية القصة. كان بداية المحاكمة التي ستحدد مسؤوليته الفردية عن الجرائم المنسوبة إليه.
في زمن الحرب كان ملاديتش يستطيع إصدار الأوامر وتحريك الوحدات العسكرية والتفاوض مع المسؤولين الدوليين. أما في لاهاي، فقد تغيرت القاعدة بالكامل. لم يعد السؤال: كم عدد الجنود الذين تحت قيادتك؟
بل أصبح: ما الذي فعلته أنت؟ وما الذي أمرت به؟ وما الذي كنت تعرفه؟ وما الذي كان بإمكانك منعه؟
وهذه النقلة من السلطة العسكرية إلى المسؤولية القانونية هي جوهر المحاكمات الدولية. فالقائد لا يُدان لمجرد أنه كان قائدًا أثناء الحرب؛ يجب أن تثبت المحكمة مسؤوليته وفق الأدلة والقواعد القانونية.
سربرنيتسا أصبحت قلب القضية..
كانت سربرنيتسا من أهم الملفات في محاكمة ملاديتش. لم تقتصر القضية على المجزرة نفسها، بل شملت أيضًا حملة القصف والقنص ضد سراييفو وجرائم ارتُكبت في مناطق أخرى من البوسنة. لكن سربرنيتسا كانت مختلفة بسبب طبيعة الجريمة وحجمها. المحكمة خلصت إلى أن قتل آلاف الرجال والفتيان البوشناق بعد سقوط الجيب كان جزءًا من عملية منظمة، وأن ما حدث يرقى إلى الإبادة الجماعية.
وفي عام 2017 أُدين ملاديتش بتهم متعددة، بينها الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة. ثم أُكد الحكم في الاستئناف عام 2021.
كما أن عددًا من المتهمين لم يصل إلى المحاكمة، بعضهم بسبب الوفاة، وبعضهم بسبب نقص الأدلة أو اختلاف حدود الاختصاص والمسؤولية. لذلك فإن القول إن المحكمة «حققت العدالة الكاملة» سيكون مبالغة. لكن القول إنها لم تفعل شيئًا سيكون خاطئًا أيضًا.
لقد أسست سجلًا قضائيًا هائلًا حول الحرب، وثبتت مسؤوليات فردية في عدد كبير من القضايا، ووثقت الجرائم بأدلة وشهادات ووثائق امتدت لسنوات.
السلام والعدالة: هل كان هناك تناقض؟
في الظاهر نعم. كيف تفاوض المجتمع الدولي مع قادة الحرب، ثم حاكم بعضهم؟ لكن عند النظر بصورة أدق، لا يوجد تناقض قانوني بالضرورة.
التفاوض على إنهاء الحرب ليس عفوًا عن الجرائم.
قد تحتاج إلى التحدث مع شخص لإنهاء الحرب، ثم تحاسبه أو تحاسب آخرين على جرائمهم وفق مسار قضائي مستقل. المشكلة الحقيقية كانت في الفجوة الزمنية بين الاثنين. ففي السنوات الأولى كان السلام هشًا إلى درجة جعلت اعتقال المطلوبين بالقوة مخاطرة كبيرة. وبعد أن أصبح السلام أكثر استقرارًا، أصبحت العدالة أكثر قابلية للتنفيذ.
وهكذا لم يكن التأخير دليلًا واحدًا على مؤامرة أو على غياب العدالة؛ كان نتيجة تعارض المصالح السياسية والأمنية والقانونية في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.
لكن هناك درسًا آخر أكثر أهمية
قصة ملاديتش توضح أن العدالة الدولية لا تعمل في فراغ. قد يكون لديك محكمة، وأدلة، وأوامر اعتقال، وقضاة، لكن تنفيذ العدالة يحتاج في النهاية إلى دولة أو قوة مستعدة للقيام بالاعتقال. ولهذا تغير مصير ملاديتش عندما تغيرت البيئة السياسية في صربيا.
لم تتغير الأدلة فجأة عام 2011. ولم يصبح أمر اعتقاله أكثر قانونية مما كان عليه عام 1996. الذي تغير هو القدرة السياسية على تنفيذ الأمر. وهذه ربما واحدة من أهم الحقائق في تاريخ المحكمة كلها.
الخلاصة
استغرق انتقال ملاديتش من قائد جيش إلى سجين في لاهاي ستة عشر عامًا تقريبًا، ليس لأن المجتمع الدولي نسيه، ولا لأن المحكمة لم تكن موجودة، بل لأن القوة القانونية كانت أسرع بكثير من القوة السياسية القادرة على تنفيذها.
بعد دايتون كان الهدف الأول هو تثبيت السلام، ثم بدأت البيئة السياسية تتغير تدريجيًا. سقط ميلوشيفيتش، وتغيرت الحكومات، وضعفت شبكات الحماية، وأصبح التعاون مع المحكمة جزءًا من إعادة دمج صربيا في أوروبا. وفي النهاية، اعتُقل ملاديتش عام 2011، وحوكم، وأُدين، وثُبت الحكم عليه نهائيًا عام 2021.
لكن قصة الرجل لا تختصر قصة حرب البوسنة. فالحرب أنتجت نظامًا سياسيًا جديدًا، وأنتجت أيضًا مؤسسات دولية جديدة، وغيرت طريقة تعامل الناتو والأمم المتحدة مع النزاعات الأوروبية. ولهذا فإن السؤال الأخير ليس: هل عوقب ملاديتش؟ بل سؤال أوسع بكثير: ماذا بقي من حرب البوسنة بعد أن توقفت المدافع، ورحل الجنود الأجانب، وانتهت المحاكمات؟
فدايتون أوقف الحرب، ولاهاي حاكمت بعض قادتها، لكن البوسنة نفسها بقيت تعيش داخل النظام السياسي الذي صنعه ذلك السلام. وهنا تبدأ المرحلة الأخيرة من السلسلة: البوسنة بعد دايتون — دولة واحدة، كيانان، وثلاثة مكونات سياسية، وسلام نجح في منع الحرب لكنه لم ينهِ آثارها.