حرب البوسنة: الناتو ونهاية الحرب: انتهت الحرب: كيف أوقف السلام الحرب ولم يُنهِ الانقسام؟

بعد دايتون وانتهاء الحرب: كيف أوقف السلام الحرب ولم يُنهِ الانقسام؟

في نوفمبر 1995 انتهت الحرب، لكن البوسنة والهرسك لم تعد ببساطة إلى وضعها السابق. الاتفاق الذي أوقف القتال أنشأ دولة واحدة على الورق، لكنه بنى داخلها نظامًا سياسيًا يعترف بالانقسامات التي صنعتها الحرب ويمنحها مكانًا مؤسسيًا دائمًا.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في إرث دايتون: الاتفاق نجح في تحقيق المهمة التي وُضع من أجلها، وهي وقف الحرب، لكنه لم يُصمم أصلًا لحل جميع المشكلات التي سببتها. كان المطلوب أولًا أن تتوقف المدافع، وأن يصبح الخلاف على السلطة والحدود والمؤسسات بدلًا من أن يُحسم بالسلاح.

ولهذا فإن البوسنة بعد دايتون ليست قصة «سلام فاشل»، كما أنها ليست قصة «تسوية ناجحة بالكامل». إنها تجربة أكثر تعقيدًا: دولة بقيت موحدة، وحرب لم تعد، لكن البنية السياسية التي خرجت من الحرب جعلت الانقسام جزءًا من طريقة عمل الدولة نفسها.

دولة واحدة على الورق والواقع

أبقى اتفاق دايتون على البوسنة والهرسك دولة ذات سيادة، ولم يسمح للكيانات التي نشأت خلال الحرب بأن تتحول إلى دول مستقلة. لكن الدولة الجديدة لم تكن مركزية. قُسمت البلاد إلى كيانين رئيسيين: اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صربسكا، مع وضع خاص لمنطقة برتشكو لاحقًا. وكان لكل كيان مؤسساته وسلطاته الواسعة، بينما بقيت للحكومة المركزية صلاحيات محددة في مجالات مثل السياسة الخارجية والدفاع وبعض الملفات المشتركة.

وهكذا أصبح السؤال بعد الحرب ليس: من يسيطر على البوسنة؟ بل: كيف تستطيع دولة واحدة أن تعمل عندما تكون أجزاء كبيرة من سلطاتها موزعة بين كيانات نشأت أصلًا من الحرب؟

لماذا قبل الجميع بهذا التعقيد؟

لأن البديل لم يكن واضحًا أو سهلًا. 

  • كان الصرب البوسنيون يسيطرون على مساحة واسعة، وكانوا يريدون الحفاظ على كيان سياسي خاص بهم. أما الحكومة البوسنية فكانت تريد دولة موحدة، لكنها لم تكن قادرة على استعادة كل ما خسرته عسكريًا بالقوة.
  • والكروات البوسنيون كانوا بدورهم يملكون مطالب ومصالح خاصة.

لذلك كان دايتون تسوية بين ما يريده كل طرف وما يستطيع فرضه.

  • لم يحصل الصرب على الاستقلال.
  • ولم تحصل الحكومة البوسنية على دولة مركزية موحدة كما كانت تريد.
  • ولم يحصل الكروات على كيان مستقل.

لكن الجميع حصل على شيء أهم في تلك اللحظة: نهاية الحرب وضمان وجوده داخل النظام السياسي الجديد.

المشكلة التي تركها السلام

كان هذا النظام مناسبًا لإيقاف الحرب، لكنه أصبح أكثر صعوبة عندما انتقلت البلاد إلى الحياة الطبيعية.

  • في الحرب، يمكن أن يكون الانقسام واضحًا: هذه منطقة لهذا الطرف، وتلك منطقة للطرف الآخر.
  • أما في الدولة، فيجب اتخاذ قرارات يومية تتعلق بالاقتصاد والتعليم والضرائب والبنية التحتية والقضاء والشرطة والسياسة الخارجية.

وهنا أصبح النظام المعقد عبئًا على سرعة اتخاذ القرار. فكلما احتاجت الدولة إلى قرار مشترك، ظهرت الحاجة إلى التوفيق بين مستويات متعددة من السلطة ومصالح قومية مختلفة. وهذا جعل البوسنة دولة تعمل، لكنها تعمل ببطء شديد وكلفة سياسية مرتفعة.

الثلاثة الذين يتقاسمون الدولة

يقوم النظام السياسي البوسني بعد دايتون على الاعتراف بثلاثة شعوب مكوِّنة رئيسية: البوشناق والصرب والكروات. وهذا الاعتراف كان جزءًا من محاولة منع هيمنة مجموعة واحدة على الدولة. لكن المفارقة أن النظام الذي صُمم لحماية المكونات أصبح أيضًا وسيلة للحفاظ على الانقسام بينها. ففي بعض الحالات، لا يكون السياسي مطالبًا بإقناع الناخبين باعتباره مواطنًا بوسنيًا فقط، بل يستطيع بناء شرعيته أساسًا باعتباره ممثلًا لمجموعة قومية معينة. وهكذا أصبحت الهوية التي غذت الحرب جزءًا من آلية المنافسة السياسية بعد الحرب.

السلام غيّر نوع الصراع

  • قبل 1995 كان الخلاف يُحسم بالمدفعية والدبابات والحصار.
  • بعد 1995 أصبح الخلاف يُحسم بالانتخابات والبرلمانات والمحاكم والاعتراضات الدستورية والضغط الدولي.

وهذا تحول هائل. قد يبدو النظام السياسي فوضويًا أو غير فعال، لكنه حقق شيئًا بالغ الأهمية: نقل التنافس بين المجموعات من ساحة المعركة إلى المؤسسات. وهذا هو النجاح الأساسي لدايتون. 

  • فإذا قسنا الاتفاق بالسؤال: «هل بنى دولة مثالية؟» فالجواب لا.
  • أما إذا كان السؤال: «هل منع عودة حرب 1992–1995؟» فالإجابة أكثر إيجابية بكثير.

ماذا حدث للاجئين؟

  • كانت الحرب قد شردت ملايين الأشخاص داخل البوسنة وخارجها.
  • وكانت عودة هؤلاء إلى منازلهم واحدة من أصعب مهام ما بعد الحرب.
  • فالخريطة السكانية تغيرت خلال سنوات القتال نتيجة القتل والطرد والفرار والنزوح.
  • وكانت عودة شخص إلى منزله تعني أحيانًا العودة إلى منطقة أصبحت الأغلبية فيها من جماعة أخرى.

لذلك لم تكن العودة مجرد قضية إنسانية. كانت تعني عمليًا إعادة رسم الخريطة السكانية التي غيرتها الحرب دون استخدام القوة لإعادة رسمها. وقد عاد عدد كبير من اللاجئين والنازحين بالفعل، لكن العودة لم تكن كاملة، وظلت آثار التهجير قائمة في المجتمع البوسني لسنوات طويلة.

هل نجحت عملية إعادة الدمج؟

جزئيًا. نجحت المؤسسات الدولية في إعادة بناء قدر من الأمن، وتراجعت أهمية الحواجز العسكرية، وأصبح التنقل داخل البلاد ممكنًا بدرجة كبيرة، كما جرى توحيد جوانب عديدة من الحياة العامة. لكن الدمج الاجتماعي والسياسي كان أبطأ.

فقد بقيت المدارس في بعض المناطق تعكس الانقسامات، وبقيت الذاكرة التاريخية مختلفة بصورة كبيرة بين المجموعات. ما يعتبره طرف «تحريرًا» قد يعتبره الطرف الآخر «هزيمة»، وما يعتبره طرف «بطلًا» قد يعتبره الآخر «مجرم حرب». ولهذا فإن انتهاء الحرب لم ينتج رواية وطنية مشتركة عن الحرب.

ماذا بقي من جمهورية صربسكا؟

هذه نقطة أساسية لفهم البوسنة الحديثة. لم تختفِ جمهورية صربسكا بعد الحرب. بل أصبحت كيانًا داخل الدولة البوسنية. وكان هذا من أهم التنازلات التي جعلت الاتفاق ممكنًا. لكنها في الوقت نفسه بقيت مركزًا قويًا للسياسة الصربية البوسنية، وأصبحت علاقتها بالحكومة المركزية مصدرًا متكررًا للأزمات السياسية. فكلما حاولت السلطات المركزية توسيع صلاحيات الدولة، ظهرت مقاومة من قادة جمهورية صربسكا الذين يرون أن دايتون أعطاهم صلاحيات واسعة.

ومن هنا نشأ صراع طويل حول سؤال بسيط في ظاهره: هل تكون البوسنة دولة مركزية أقوى، أم تبقى دولة اتحادية شديدة اللامركزية؟

ولماذا لم يعد الانفصال إلى الحرب؟

لأن البيئة تغيرت بالكامل. بعد 1995 كانت القوات الدولية موجودة بأعداد كبيرة، وكانت البوسنة تحت رقابة دولية وأمنية كثيفة. كما أن صربيا نفسها تغيرت تدريجيًا، ولم تعد الظروف الإقليمية التي سمحت بحرب التسعينيات موجودة بالشكل نفسه.

والأهم أن تكلفة العودة إلى الحرب أصبحت هائلة. لم تعد النخب السياسية قادرة على افتراض أن المجتمع الدولي سيقف متفرجًا. وهذا أحد أهم آثار التدخل العسكري الذي ناقشناه في الحلقات السابقة: الجميع أصبح يعرف أن قواعد اللعبة تغيرت.

هل اختفت القومية؟

لا. وهذا أحد الأخطاء التي يقع فيها من يتعامل مع السلام وكأنه عملية محو فوري لأسباب الحرب. القومية الصربية والبوشناقية والكرواتية لم تختفِ. لكنها انتقلت إلى السياسة.

أصبح السياسي يستطيع استخدام الخطاب القومي في الانتخابات بدل استخدام الميليشيا في الشارع. وهذا ليس تحولًا مثاليًا، لكنه تحول جوهري. فالسياسة القومية يمكن أن تنتج أزمات وشللًا سياسيًا وخطابًا عدائيًا، لكنها لا تملك بالضرورة النتيجة نفسها عندما لا توجد جيوش وميليشيات تتحرك خلفها.

ماذا فعل المجتمع الدولي؟

لم يترك المجتمع الدولي البوسنة بمجرد توقيع دايتون. انتشرت قوات دولية، وأنشئت مؤسسات رقابة وإدارة دولية، واستمر الاتحاد الأوروبي والناتو والأمم المتحدة في لعب أدوار مختلفة. كما أن مكتب الممثل السامي أصبح مؤسسة شديدة النفوذ، ومنح صاحبه صلاحيات واسعة للتدخل في النظام السياسي عندما يرى أن تنفيذ اتفاق دايتون مهدد.

وهذا خلق مفارقة أخرى. الدولة التي يفترض أن تستعيد سيادتها بعد الحرب احتاجت لسنوات طويلة إلى وجود دولي قوي يساعدها على إدارة النظام الذي صنعه السلام.

هل كان ذلك احتلالًا مقنعًا؟

ليس بالمعنى الدقيق. القوات الدولية لم تدِر البوسنة كدولة محتلة، ولم تلغِ سيادتها. لكن حجم التدخل الدولي كان كبيرًا جدًا مقارنة بالدول الطبيعية. وهذا يكشف مشكلة عميقة في اتفاق دايتون: النظام كان يحتاج في سنواته الأولى إلى قوة خارجية أكبر مما تستطيع المؤسسات البوسنية نفسها توفيره. وبمرور الوقت تراجعت الحاجة إلى هذا المستوى من التدخل، لكن أثره على بنية الدولة بقي.

الاقتصاد: السلام لا يعيد ما دمرته الحرب تلقائيًا

كانت البوسنة قد خرجت من الحرب ببنية تحتية مدمرة واقتصاد منهك وعدد هائل من النازحين. بدأت عملية إعادة إعمار ضخمة بمساعدة دولية. وأعيد بناء الطرق والمنازل والجسور والمرافق، وعادت أجزاء كبيرة من الاقتصاد إلى العمل. لكن إعادة بناء الاقتصاد كانت أسهل من إعادة بناء المجتمع. يمكن إعادة بناء جسر خلال سنوات. لكن من الصعب إعادة بناء الثقة بين أشخاص قتل بعضهم بعضًا أو طردوا بعضهم من منازلهم. ولهذا بقيت آثار الحرب أطول من آثار الدمار المادي.

الجيل الذي لم يخض الحرب

ومع مرور الوقت ظهر عامل جديد. أطفال ولدوا بعد 1995 بدأوا يكبرون في بلد لم يشهدوا حربه بأنفسهم. وهذا خلق فرصة حقيقية لتجاوز الماضي. لكن المشكلة أن هؤلاء الأطفال ورثوا الذاكرة من آبائهم ومدارسهم ومجتمعاتهم. فإذا كانت كل مجموعة تقدم الحرب باعتبارها قصة مختلفة تمامًا، فإن الجيل الجديد قد لا يرث الحرب نفسها، لكنه يرث تفسيراتها. ولهذا لم يكن الزمن وحده كافيًا لمحو آثار الصراع.

المفارقة الكبرى في دايتون

نجح دايتون لأنه كان واقعيًا. لكنه كان واقعيًا إلى درجة أنه قبل كثيرًا من الحقائق التي فرضتها الحرب.

فبدل أن يقول: «سنزيل كل آثار الانقسام ثم نبني دولة جديدة»، قال عمليًا: سنستخدم الانقسامات الموجودة لإيقاف القتال، ثم نحاول إدارة الدولة من خلالها. وهذا ما جعله ناجحًا في إنهاء الحرب. وهو نفسه ما جعله مصدرًا دائمًا للمشكلات السياسية.

الخلاصة

إذا أردنا الحكم على اتفاق دايتون بعد ثلاثة عقود تقريبًا، فمن الخطأ وصفه بالفشل لمجرد أن البوسنة لم تصبح دولة مركزية مستقرة ومتماسكة كما يتمنى البعض. فالهدف الأول للاتفاق كان أكثر تواضعًا وأكثر إلحاحًا: إيقاف الحرب ومنع عودتها. وفي هذا نجح. 

لم تعد الدبابات تتقدم نحو سراييفو، ولم تعد المدن تُحاصر على نطاق الحرب السابقة، ولم تعد الخلافات بين البوشناق والصرب والكروات تُحسم بحرب شاملة. لكن السلام دفع ثمن نجاحه.

لقد أبقى جزءًا من البنية التي صنعتها الحرب داخل الدولة نفسها، فتحولت خطوط الجبهة إلى حدود إدارية، وتحولت الهويات المتصارعة إلى أحزاب ومؤسسات، وتحولت الحرب من مشكلة عسكرية إلى مشكلة دستورية وسياسية.

ولهذا يمكن اختصار إرث دايتون في مفارقة واحدة: لقد نجح في إيقاف الحرب لأنه لم يحاول حل كل شيء دفعة واحدة، لكنه لهذا السبب نفسه ترك كثيرًا من أسباب الانقسام حية داخل السلام.

وهكذا انتهت حرب البوسنة، لكن قصة البوسنة لم تنتهِ. فالسؤال التالي لم يعد: كيف نوقف الحرب؟

بل أصبح أكثر صعوبة: كيف نبني دولة يستطيع سكانها أن يعيشوا معًا بعد أن أصبح لكل جماعة ذاكرة مختلفة للحرب، ومؤسسات مختلفة، ومصالح سياسية مختلفة؟

وهنا نصل إلى الفصل الأخير من السلسلة: البوسنة اليوم: ماذا بقي من دايتون، ولماذا ما زالت الدولة تعاني من الانقسام بعد ثلاثة عقود من انتهاء الحرب؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.