حرب البوسنة: بعد الحرب والانقسام والارث: لماذا بقيت البوسنة منقسمة بعد ثلاثين عامًا من السلام؟

 

لماذا بقيت البوسنة منقسمة بعد ثلاثين عامًا من السلام؟

انتهت حرب البوسنة عسكريًا في عام 1995، لكن السلام الذي أنهى الحرب لم ينتج دولة متجانسة. البوسنة والهرسك اليوم دولة واحدة ذات سيادة، معترف بها دوليًا، ومؤسساتها تعمل، وحربها لم تعد. ومع ذلك فإن النظام السياسي الذي نشأ من اتفاق دايتون ما زال يجعل الانقسام القومي جزءًا أساسيًا من طريقة إدارة الدولة.

وهذا ليس لأن البوسنيين ظلوا يعيشون في حالة حرب منذ 1995، ولا لأن دايتون «فشل» ببساطة. الحقيقة أكثر تعقيدًا: دايتون نجح في مهمته الأساسية، لكنه صمم السلام على أساس واقع أنتجته الحرب نفسها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا لم تتحول البوسنة إلى دولة موحدة سياسيًا بعد الحرب، بل لماذا كان من الصعب تحويل السلام العسكري إلى اندماج سياسي واجتماعي كامل.

دولة لم تعد إلى الحرب

أهم حقيقة يجب البدء منها هي أن البوسنة لم تعد إلى الحرب.

قد يبدو هذا أمرًا بديهيًا اليوم، لكنه في سياق حرب التسعينيات كان إنجازًا هائلًا. فقد خرجت البلاد من حرب شديدة العنف، مع ملايين النازحين، ودمار واسع، ومجتمعات مفصولة، وذاكرة حديثة للقتل والحصار والتهجير.

ومع ذلك لم تتحول الأزمات السياسية اللاحقة إلى حرب شاملة.

وهذا يعني أن دايتون حقق شيئًا أساسيًا جدًا: نقل الصراع من المجال العسكري إلى المجال السياسي.

قد يتعطل البرلمان، وقد تتصاعد التصريحات القومية، وقد تحدث أزمات دستورية، لكن الخلاف لا يعود إلى المدفعية.

وهذه نقطة لا ينبغي التقليل من أهميتها.

المشكلة أن السلام نفسه أصبح نظامًا سياسيًا

كان اتفاق دايتون اتفاق سلام، لكنه أصبح أيضًا الإطار الدستوري للدولة.

وهذا يعني أن ترتيبات صُممت لإنهاء حرب معينة أصبحت بعد ذلك جزءًا من الحياة السياسية اليومية.

في البداية كان من المنطقي أن يحصل كل مكوّن على ضمانات تمنع عودة الهيمنة التي يخشاها.

لكن مع مرور السنوات أصبحت هذه الضمانات نفسها أدوات سياسية.

فإذا أراد طرف تعطيل قرار، يستطيع أحيانًا استخدام المؤسسات المصممة أصلًا لحماية مصالحه.

وهكذا أصبح النظام قادرًا على منع بعض أنواع الهيمنة، لكنه في الوقت نفسه قادر على إنتاج الشلل السياسي.

لماذا بقيت جمهورية صربسكا؟

لأنها كانت جزءًا من الصفقة التي أنهت الحرب.

لم يحصل الصرب البوسنيون على دولة مستقلة، لكنهم حصلوا على كيان يتمتع بصلاحيات واسعة داخل البوسنة والهرسك.

ومن وجهة نظر صربية بوسنية، أصبحت جمهورية صربسكا ضمانة سياسية تمنع عودة نظام مركزي يمكن أن يضعف نفوذ الصرب.

أما من وجهة نظر كثير من البوشناق، فإن وجود هذا الكيان يكرس نتائج التطهير العرقي والتهجير الذي حدث أثناء الحرب.

وهنا تظهر واحدة من أصعب مشكلات ما بعد الحرب:

هل يمكن بناء سلام دائم إذا كانت الخريطة السياسية للسلام نفسها مرتبطة بالخريطة التي صنعتها الحرب؟

لا توجد إجابة سهلة.

إلغاء الكيان الصربي بالقوة أو محاولة إعادة رسم البلاد جذريًا قد تهدد الاستقرار الذي صنعه دايتون.

لكن الإبقاء عليه يعني استمرار بنية سياسية تجعل الانقسام جزءًا من الدولة.

البوشناق لا يريدون العودة إلى الماضي

من الجانب البوشناقي، هناك خوف مختلف.

البوشناق خرجوا من الحرب وهم يرون أن بقاء الدولة البوسنية نفسها كان انتصارًا أساسيًا.

فلو أصبحت المناطق الصربية والكرواتية دولًا مستقلة، لكانت نتيجة الحرب مختلفة تمامًا.

لذلك ظل الحفاظ على وحدة الدولة هدفًا مركزيًا.

لكن الوحدة القانونية لا تعني بالضرورة مركزية سياسية.

وهنا نشأ الصراع الطويل حول توسيع صلاحيات مؤسسات الدولة المركزية أو الإبقاء على معظم الصلاحيات داخل الكيانات.

كل طرف ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة.

بالنسبة إلى طرف، المركزية تعني بناء دولة طبيعية.

وبالنسبة إلى طرف آخر، قد تعني فقدان الضمانات التي حصل عليها في دايتون.

والكروات لديهم مشكلة مختلفة

لا يتطابق الموقف الكرواتي في البوسنة تمامًا مع الموقف الصربي أو البوشناقي.

الكروات يشكلون المكوّن الأصغر من المكونات الثلاثة، ولذلك ظهرت لديهم مخاوف من أن يؤدي النظام الانتخابي إلى اختيار ممثلين عنهم بأصوات مجموعات أخرى.

ومن هنا برزت مطالب بإصلاح النظام الانتخابي والدستوري بما يضمن تمثيلًا كرواتيًا أكثر استقلالًا.

وهذا يضيف طبقة أخرى من التعقيد.

فالبوسنة ليست مجرد ثنائية بين البوشناق والصرب.

إنها دولة ذات ثلاثة مكونات سياسية رئيسية، لكل منها حسابات ومخاوف مختلفة.

لماذا يصعب إصلاح دايتون؟

لأن أي تعديل كبير في النظام يمس مصالح طرف أو أكثر.

إذا قويت الحكومة المركزية، تخشى جمهورية صربسكا من فقدان صلاحياتها.

إذا زادت ضمانات الكيانات، يخشى البوشناق من تحول الدولة إلى اتحاد ضعيف دائمًا.

وإذا لم تُعدّل قواعد التمثيل، يشعر الكروات بأن وزنهم السياسي لا يضمن لهم اختيار ممثليهم بالطريقة التي يرونها عادلة.

ولهذا فإن الإصلاح الدستوري ليس مجرد مسألة قانونية.

إنه إعادة توزيع للسلطة بين جماعات لا تزال ذاكرتها السياسية مرتبطة بالحرب.

هل المشكلة في الشعب أم في النظام؟

من الخطأ تحميل البوسنيين وحدهم مسؤولية استمرار الانقسام.

النظام نفسه يشجع الأحزاب على العمل وفق خطوط قومية.

فالسياسي الذي يريد الفوز يحتاج إلى حشد مجموعة لها مخاوف محددة، ويمكنه بسهولة أن يقدم نفسه باعتباره المدافع عن حقوقها ضد المجموعات الأخرى.

وهكذا يصبح الخطاب القومي أداة انتخابية فعالة.

حتى عندما لا يريد السياسي العودة إلى الحرب، يمكنه الاستفادة من الخوف منها.

وهذه نقطة مهمة: القومية السياسية لا تحتاج إلى حرب حتى تستمر.

يكفي أن تبقى الذاكرة حاضرة، وأن تبقى المؤسسات مبنية على التوازنات القومية.

ماذا عن الأجيال الجديدة؟

هنا توجد واحدة من أكبر فرص التغيير.

جيل كامل ولد بعد الحرب ولا يتذكر الحصار أو القصف أو عمليات النزوح.

هؤلاء لا يملكون التجربة الشخصية التي امتلكها آباؤهم.

لكنهم لا يعيشون خارج النظام الذي ورثوه.

فالمدرسة، والبيئة السياسية، والذاكرة العائلية، والإعلام المحلي، كلها تستطيع إعادة إنتاج الروايات القديمة.

وبالتالي فإن مرور الزمن يساعد على تخفيف الخوف، لكنه لا يضمن وحده بناء هوية سياسية مشتركة.

سراييفو وبانيا لوكا: دولتان في دولة؟

قد يكون هذا التعبير مبالغًا فيه إذا استخدم حرفيًا، لكنه يصف شيئًا من الواقع السياسي.

سراييفو هي المركز السياسي للحكومة البوسنية ومركز الثقل البوشناقي، بينما بانيا لوكا هي المركز السياسي لجمهورية صربسكا.

ولكل منطقة فضاء سياسي وإعلامي ومؤسساتي خاص بها.

لكن في الوقت نفسه، لا توجد حدود دولية بينهما.

وهذا يخلق وضعًا فريدًا: الدولة واحدة، لكن جزءًا من الحياة السياسية يجري داخل أطر مختلفة جدًا.

ولهذا يمكن أن يعيش المواطن في البوسنة في نظام دولة واحدة، بينما تكون السياسة التي تؤثر في حياته اليومية شديدة الارتباط بالكيان الذي يعيش فيه.

المجتمع الدولي لم يخرج بالكامل

بعد الحرب، لم يختفِ المجتمع الدولي من البوسنة.

ظل هناك وجود أمني دولي، وأصبح الاتحاد الأوروبي لاعبًا مهمًا، كما استمر مكتب الممثل السامي في امتلاك صلاحيات استثنائية.

وكان الهدف هو منع انهيار النظام الذي صنعه دايتون ودفع الأطراف نحو الإصلاح.

لكن وجود هذا الدور الخارجي خلق مشكلة أخرى:

إلى أي مدى تستطيع دولة أن تبني مؤسسات مستقلة إذا ظلت بحاجة إلى حكم أو رقابة دولية في بعض أزماتها؟

كان التدخل الدولي ضروريًا في مرحلة ما بعد الحرب.

لكن كلما طال أمده، أصبح السؤال حول الاعتماد عليه أكثر إلحاحًا.

هل يمكن أن تنهار البوسنة؟

من حيث عودة حرب شاملة على نمط 1992–1995، الاحتمال أقل بكثير مما كان عليه في التسعينيات.

البيئة الإقليمية تغيرت، والمؤسسات الأمنية مختلفة، والناتو والاتحاد الأوروبي موجودان، كما أن معظم الأطراف السياسية تعرف أن تكلفة الصراع المسلح ستكون هائلة.

لكن هذا لا يعني أن الدولة محصنة من الأزمات.

الأزمات الدستورية، وتعطيل المؤسسات، والنزاعات حول صلاحيات الدولة والكيانات، والخطاب الانفصالي أو القومي يمكن أن تضع النظام تحت ضغط شديد.

والفرق هو أن هذه الصراعات تحدث داخل إطار سياسي وأمني مختلف تمامًا عن إطار التسعينيات.

لماذا لم تنجح محاولة تقسيم البوسنة بعد الحرب؟

لأن دايتون نفسه لم يمنح الكيانات حق الانفصال.

جمهورية صربسكا كيان داخل البوسنة، وليست دولة مستقلة.

وهذه نقطة قانونية وسياسية مهمة.

قد يرفع بعض السياسيين خطابًا انفصاليًا، لكن تحويل ذلك إلى دولة مستقلة يحتاج إلى واقع دولي وإقليمي مختلف تمامًا.

والاعتراف الدولي بالبوسنة كدولة واحدة، إلى جانب وجود قوات ومؤسسات دولية وأوروبية، جعل الانفصال بالقوة خيارًا شديد الخطورة.

لذلك بقيت فكرة الانفصال أداة ضغط سياسية أكثر من كونها مشروعًا واقعيًا قابلًا للتنفيذ بسهولة.

ماذا بقي من الحرب في الذاكرة؟

ربما هذه أصعب قضية على الإطلاق.

فالجرائم حوكم بعضها في لاهاي، والمقابر الجماعية اكتُشفت، والضحايا دُفنوا، واللاجئون عاد كثير منهم، لكن السؤال الذي لم يجد إجابة مشتركة هو:

كيف يتذكر بلد واحد حربًا لا يتفق سكانه حتى على روايتها الأساسية؟

بالنسبة إلى كثير من البوشناق، سربرنيتسا رمز للإبادة والمعاناة.

وبالنسبة إلى كثير من الصرب، هناك تركيز على جرائم ارتكبت ضد الصرب وعلى شعور بأن رواية الحرب الدولية انحازت إلى جانب واحد.

وبالنسبة إلى الكروات، توجد رواية خاصة بهم عن الحرب وموقعهم فيها.

هذه الذاكرات المتنافسة تجعل بناء سردية وطنية مشتركة أمرًا بالغ الصعوبة.

هل دايتون يحتاج إلى إلغاء؟

ليس بالضرورة.

وهنا يجب الحذر من الحلول السهلة.

إلغاء النظام دون وجود اتفاق بديل يمكن أن يكون أخطر من عيوب النظام نفسه.

فدايتون ليس مجرد دستور سيئ التصميم يمكن استبداله بورقة جديدة.

إنه تسوية تاريخية بين أطراف كانت تخوض حربًا فعلية.

أي تعديل كبير يحتاج إلى توافق سياسي واسع، وإلا أصبح التعديل نفسه مصدرًا لصراع جديد.

ولهذا فإن الإصلاح الواقعي ربما لا يكون في هدم دايتون، بل في تطويره تدريجيًا.

السلام الذي نجح بطريقته الخاصة

إذا نظرنا إلى البوسنة بعين واقعية، فإن دايتون حقق نجاحًا لا ينبغي التقليل منه.

منذ توقيع الاتفاق لم تعد البلاد إلى الحرب الشاملة.

نشأت مؤسسات مشتركة، وعادت حركة السكان، وأعيد بناء الاقتصاد والبنية التحتية، وأصبحت الأجيال الجديدة تعيش حياة مختلفة تمامًا عن سنوات الحرب.

لكن النجاح لم يكن كاملًا.

لقد أوقف دايتون الصراع قبل أن يحل كل أسبابه، ولذلك بقيت بعض تلك الأسباب داخل السياسة.

وهذا ليس بالضرورة فشلًا في الاتفاق.

قد يكون ببساطة الثمن الذي دفعه السلام لكي يولد بسرعة.

الخلاصة

بعد ثلاثة عقود، يمكن النظر إلى البوسنة باعتبارها واحدة من أغرب نتائج الحروب الحديثة.

الحرب انتهت.

الدولة بقيت.

الحدود الدولية لم تتغير.

لكن النظام السياسي حمل داخله آثار الحرب، حتى أصبحت بعض الانقسامات التي كانت خطوط جبهة في التسعينيات مؤسسات دستورية وسياسية في زمن السلام.

وهذا يجعل دايتون تجربة تاريخية مهمة جدًا: السلام لا يعيد المجتمع بالضرورة إلى ما كان عليه قبل الحرب؛ أحيانًا يبني نظامًا جديدًا يستطيع الناس العيش داخله، حتى لو كان هذا النظام يحمل آثار الحرب التي أنهت نفسها.

ولهذا لا يمكن تقييم البوسنة بسؤال واحد: هل نجح دايتون أم فشل؟

الأدق أن نقول:

نجح في منع الحرب، ونجح جزئيًا في بناء دولة، لكنه لم ينجح في خلق هوية سياسية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي صنعتها الحرب.

وهذا ربما هو الدرس الأهم من حرب البوسنة كلها.

فالمدافع يمكن إسكاتها باتفاق.

أما المجتمع الذي مزقته الحرب، فيحتاج إلى جيل أو أكثر حتى يقرر إن كان يريد أن يبقى أسيرًا لخرائط الماضي، أم يحول السلام من مجرد غياب للحرب إلى بداية فعلية لدولة مشتركة.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.